الباحث القرآني

﴿الۤمۤ﴾ اختلف فيه وفي سائر حروف الهجاء في أوائل حروف السور، وهي: المص، والر، والمر، وكهيعص، وطه، وطسم، وطس، ويس، وص، وق، وحم، وحم عسق، ون. فقال قوم: لا تفسر لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، قال أبو بكر الصديق: لله في كل كتاب سرّ، وسرّه في القرآن فواتح السور، وقال قوم تفسر، ثم اختلفوا فيها، فقيل: هي أسماء الله، وقيل: أشياء أقسم الله بها، وقيل: هي حروف مقطعة من كلمات: فالألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد ﷺ، ومثل ذلك في سائرها، وإعراب هذه الحروف يختلف بالاختلاف في معناها؛ فيتصور أن تكون في موضع رفع أو نصب أو خفض. فالرفع على أنها مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر، والنصب على أنها مفعول بفعل مضمر، والخفض على قول من جعلها مقسماً بها كقولك: اللّهِ لأفعلن ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَٰبُ﴾ هو هنا القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ وهو الصحيح الذي يدل عليه سياق الكلام ويشهد له مواضع من القرآن. والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] يعني القرآن باتفاق، وخبر ذلك: لا ريب فيه، وقيل: خبره الكتاب فعلى هذا ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَٰبُ﴾ جملة مستقلة فيوقف عليه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل الحق، ولم يعتبر أهل الباطل، وخبر لا ريب: فيه، فيوقف عليه، وقيل: خبرها محذوف فيوقف على ﴿لاَ رَيْبَ﴾. والأول أرجح لتعيّنه في قوله: ﴿لاَ رَيْبَ﴾ في مواضع أخر. فإن قيل: فهلا قدم قوله فيه على الريب كقوله: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه. ولو قدم فيه: لكان إشارة إلى أن ثمّ كتاب آخر في ريب، كما أن "لا غول فيها" إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول، وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدم الخبر. ﴿هُدًى﴾ هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين، ولو كان بمعنى البيان لعم كقوله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾. وإعرابه: خبر ابتداء، أو مبتدأ وخبره: فيه، عندما يقف على لا ريب، أو منصوب على الحال والعامل فيه الإشارة ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾ مفتعليِن من التقوى، وقد تقدّم معناه في الكتاب، فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول. الأول: في فضائلها المستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهدى كقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] والنصرة، لقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ [النحل: ١٢٨] والولاية لقوله: ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] والمحبة لقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [براءة: ٤] والمغفرة لقوله: ﴿إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب لقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢] الآية وتيسير الأمور لقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٤] وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق: ٥] وتقبل الأعمال لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] والفلاح لقوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] والبشرى لقوله: ﴿لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤] ودخول الجنة لقوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤] والنجاة من النار لقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ [مريم: ٧٢]. الفصل الثاني: البواعث على التقوى عشرة: خوف العقاب الأخروي، وخوف العقاب الدنيوي، ورجاء الثواب الدنيوي، ورجاء الثواب الأخروي، وخوف الحساب، والحياء: من نظر الله، وهو مقام المراقبة، والشكر على نعمه بطاعته، والعلم لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة، وصدق المحبة لقول القائل: تعصي الإله وأنت تظهر حبه — هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته — إن المحب لمن يحب مطيع ولله در القائل: قالت، وقد سألت عن حال عاشقها: — لله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت: لو كان يظن الموت من ظمإ — وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد الفصل الثالث: درجات التقوى خمس: أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والحرمات وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب