الباحث القرآني

وقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ العامل في إذ قوله: «عفا» ، وقراءة [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 525) ، و «البحر المحيط» (3/ 89) ، و «الدر المصون» (2/ 233) .]] الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين) من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، ف «أَصْعَدَ» : معناه: دَخَلَ في الصَّعيد كما أنّ «أصبح» : دخل في الصّباح. وقوله سبحانه: وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 526) ، و «البحر المحيط» (3/ 90) ، و «الدر المصون» (1/ 234) .]] : «على أُحُدٍ» (بضم الألف والحاء) ، يريد الجَبَلَ، والمعنيّ بذلك نبيّ الله ﷺ لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى لأنّ النبيّ ﷺ لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي ﷺ: «إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ» ، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: فِي أُخْراكُمْ: مدح له ﷺ فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا [[قال السهيلي: «هو الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، جد الزبير بن عبد الرّحمن المذكور في «الموطأ» في كتاب النكاح. واختلف في الزبير بن عبد الرّحمن فقيل: الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، كما سمي جده، وقيل: الزبير» .]] : ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا وكذلك كان ﷺ أشْجَعَ الناسِ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ [[سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله. وقيل: اسم أبيه وهب، وقيل غير ذلك. أول مشاهده «الحديبية» ، وكان من الشجعان، ويسبق الفرس عدوا، وبايع النبيّ ﷺ عند الشّجرة على الموت. ينظر: «طبقات ابن سعد» (4/ 305) ، و «الإصابة» (3/ 127) ، و «أسد الغابة» (ت 2179) ، و «طبقات خليفة» (689) ، و «الخلاصة» (126) ، و «تهذيب الأسماء واللغات» (1/ 1/ 229) ، و «تهذيب التهذيب» (4/ 150) .]] /: كِنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله ﷺ. وقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ: معناه: جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّ، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله ﷺ وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم. قال قتادة، ومجاهد: الغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمّدا قد قتل، والثاني: القتل والجراح [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 479) برقم (8059) ، (8061) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 526) .]] . وقوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله: «لكَيْ لاَ» متعلِّقة ب «أثَابَكُمْ» ، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي صحيح البخاريِّ» ، عن أنسٍ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أحد، قال: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ [[أخرجه البخاري (7/ 422) ، كتاب «المغازي» ، باب: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ، حديث (4068) ، (8/ 76) كتاب «التفسير» ، باب أَمَنَةً نُعاساً، حديث (4562) ، والترمذي (5/ 229- 230) كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3008) ، وأحمد (4/ 29) ، وابن حبان (7180) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 484) رقم (8075، 8076) ، والطبراني في «الكبير» (5/ 95- 96) رقم (4699، 4700) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» . (3/ 273- 274) كلهم من طريق قتادة عن أنس به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه الترمذي (5/ 229) ، كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3007) ، وابن سعد في «الطبقات» (3/ 505) ، وابن أبي شيبة (14/ 406- 407) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 483- 484) رقم (8074) ، والحاكم (2/ 297) ، والبيهقي في «الدلائل» (3/ 272) ، وأبو نعيم في «الدلائل» ص (367) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن سعد (3/ 505) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 483) رقم (8073) من طريق حميد عن أنس. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 155) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه. وللحديث شاهد من حديث الزبير بن العوام: أخرجه الترمذي (5/ 229) كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3007) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير به بنحو حديث أنس.]] ، ونحْوه عن الزُّبَيْر [[ينظر الحديث السابق.]] ، وابنِ مسْعود [[ينظر الحديث السابق.]] ، «والواوُ» في قوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن. وقوله سبحانه: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمّد ﷺ يضمحلُّ. قلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي «صحيح مسلم» ، وغيره، عن النبيّ ﷺ حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ... » [[تقدم تخريجه.]] الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنس أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» [[تقدم تخريجه.]] اهـ. وقوله: ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: 26] وتَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ [الأحزاب: 33] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا. وقوله [[ذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 528) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 156) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج.]] سبحانه: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ... الآية: أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو. وقوله سبحانه: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ [[معتّب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، الأنصاريّ، الأوسيّ. ذكروه فيمن شهد العقبة. وقيل: إنه كان منافقا، وإنه الذي قال يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران: 154] وقيل: إنه تاب. وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا. ينظر: «الإصابة» (6/ 137) ، و «أسد الغابة» ت (5017) ، و «الاستيعاب» ت (2485) ، و «المؤتلف والمختلف» (219) .]] عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن. وقوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ: اللام في «ليبتلي» متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا/ الاختبار. وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال عُمَرُ (رضي اللَّه عنه) : المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 529) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 157) ، وعزاه لابن جرير عن كليب عنه به.]] . وقيل: نزلَتْ في الذين فرّوا إلى المدينة. قال ابنُ زَيْد: فلا أدْري، هل عُفِيَ عن هذه الطائفةِ خاصَّة، أمْ عن المؤمنين جميعاً [[ذكره ابن عطية (1/ 530) .]] . وقوله تعالى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا: ظاهره عند جمهور المفسِّرين: أنه كانَتْ لهم ذنوبٌ عاقبهم اللَّه علَيْها بتَمْكين الشيطان من استزلالهم بوسوسَتِهِ وتخويفِهِ، والفَرَارُ مِنَ الزَّحْفِ [[قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 15- 16] في هذه الآية ينهى الله المؤمنين عن الفرار من الكفار إذا التقوا بهم في القتال، وحكمة ذلك أن الفرار كبير المفسدة وخيم العاقبة لأن الفارّ يكون كالحجر يسقط من البناء.، فيتداعى ويختل نظامه لهذا عدّ الشارع الحكيم الفرار من الزحف من أكبر الجنايات، وقد توعد الله المقاتلين الذين يولون العدوّ ظهورهم، فقال: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... الآية. وفي الفرار من العدو عار يجعل الحياة بغيضة عند النفوس الأبيّة، قال يزيد بن المهلّب: «والله إني لأكره الحياة بعد الهزيمة» . وقال بعض العلماء: إن هذا النهي خاصّ بوقعة بدر. وبه قال نافع والحسن وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك، ونسب إلى أبي حنيفة كما حكاه القرطبي. وقال الجمهور (وهو المروي عن ابن عبّاس) : إن تحريم الفرار من الصف عند الزحف باق إلى يوم القيامة في كلّ قتال يلتقي فيه المسلمون والكفار.]] من الكبائر بإجماعٍ فيما عَلِمْتُ، وقَدْ عده ﷺ في السّبع الموبقات [[تقدم تخريجه.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب