الباحث القرآني

وقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ... الاية: اختلف في هذا التِّوفِّي. فقال الرَّبيع: هي وفاةُ نَوْمٍ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 288) برقم (7129) وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 397) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 308) ، وابن عطية (1/ 442) .]] ، وقال الحَسَن وغيره: هو توفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، أي: قابضك منَ الأرْضِ، ومحصِّلك في السماءِ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 288) برقم (7131) بنحوه، وذكره ابن عطية (1/ 444) .]] وقال ابنُ عبَّاس: هي وفاةُ مَوْتٍ [[ذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 396) ، وابن عطية (1/ 444) .]] ، ونحوه لمالك في «العَتَبِيَّة» ، وقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: توفَّاه اللَّه بالمَوْتِ ثلاثَ ساعاتٍ، ورفعه فيها، ثُمَّ أحياه بعد ذلك [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 289) برقم (7138) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 308) ، وابن عطية (1/ 444) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 64) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.]] ، وقال الفَرَّاء: هي وفاةُ مَوْتٍ [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 444) .]] ، ولكنَّ المعنى: إني متوفِّيك في آخر أمْرِكَ عنْد نزولِكَ وقَتْلِك الدَّجَّال، ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخير. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 444) .]] : وأجمعتِ الأمة على ما تضمَّنه الحديثُ المتواتر [[والحديث المتواتر هو ما رواه جمع يحيل العقل تواطؤهم على الكذب عادة من أمر حسّيّ، أو حصول الكذب منهم اتّفاقا، ويعتبر ذلك في جميع الطّبقات إن تعدّدت. -- وشروط التّواتر: 1- أن يكون رواته عددا كثيرا. 2- أن يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، أو أن يحصل الكذب منهم اتّفاقا عادة. 3- أن يرووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء في كون العقل يمنع من تواطؤهم على الكذب، أو حصوله منهم اتّفاقا عادة. 4- أن يكون مستند انتهائهم الإدراك الحسّيّ بأن يكون آخر ما يئول إليه الطريق ويتم عنده الإسناد- أمر حسيّ مدرك بإحدى الحواسّ الخمس الظاهرة من الذوق، واللّمس، والشم، والسّمع، والبصر. ثم إنه من المتّفق عليه عند العلماء، وأرباب النّظر أنّ القرآن الكريم لا تجوز الرّواية فيه بالمعنى، بل أجمعوا على وجوب روايته لفظة لفظة، وعلى أسلوبه، وترتيبه، ولهذا كان تواتره اللفظي لا يشكّ فيه أدنى عاقل، أو صاحب حسّ، وأما سنّة رسول الله، فقد أجازوا روايتها بالمعنى لذلك لم تتّحد ألفاظها، ولا أسلوبها، ولا ترتيبها. فإذن يكون الحديث متواترا تواترا لفظيّا، أو معنويّا، إذا تعددت الرّواية بألفاظ مترادفة، وأساليب مختلفة في التّمام والنقص، والتقديم والتّأخير في الواقعة الواحدة، حتى بلغت مبلغ التّواتر. ومن ناحية أخرى، فإذا تعدّدت الوقائع، واتفقت على معنى واحد، دلّت عليه تارة بالتّضمّن، وتارة بالالتزام حتّى بلغ القدر المشترك في تلك الوقائع المتعددة مبلغ التّواتر فإنه حينئذ يكون متواترا تواترا معنويا، لا خلاف في ذلك. ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (4/ 231) ، «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 566) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (2/ 14) ، «نهاية السول» للأسنوي (3/ 54) ، «منهاج العقول» للبدخشي (2/ 296) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (95) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (2/ 95) ، «المنخول» للغزالي (231) ، «المستصفى» له (1/ 132) ، «حاشية البناني» (2/ 119) ، «الإبهاج» لابن السبكي (2/ 263) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 206) .]] منْ أنَّ عيسى- عليه السلام- في السَّمَاءِ حَيٌّ، وأنه يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُفِيضُ العَدْلَ، وَيُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ مِلَّةَ محمّد ﷺ ويحجّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويبقى في الأَرْضِ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمَيتُهُ اللَّهُ تعالى [[أخرجه البخاري (4/ 483) في البيوع: باب قتل الخنزير (2222) ، (5/ 144) في المظالم: باب كسر الصليب وقتل الخنزير (2476) و (6/ 566) في أحاديث الأنبياء: باب نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام (3448) ، ومسلم في الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ (242- 155) ، (243- ... ) ، وأبو داود (2/ 520) في الملاحم: باب ذكر خروج الدجال (4324) ، والترمذي (4/ 439) في الفتن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام (2233) ، وابن ماجة (2/ 1363) في الفتن: باب فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم ... (4078) ، وأحمد (2/ 272، 290، 394، 406، 437، 482، 538) . وعبد الرزاق (20840، 20844، 20845) ، والحميدي (2/ 468) برقم (1097، 1098) ، وأبو يعلى في «مسنده» (5877) من طرق عن أبي هريرة رفعه: «لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» .]] . قال ع [[ينظر «المحرر الوجيز» (1/ 444) .]] : فقول ابن عباس: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بدَّ أنْ يتمِّم إما على قول وهْبِ بن مُنَبِّهٍ، وإما على قول الفَرَّاء. وقوله تعالى: وَرافِعُكَ إِلَيَّ عبارةٌ عَنْ نَقْلِهِ من سُفْلٍ إلى عُلْو، وإضافه اللَّه سبحانه إضافةُ تشريفٍ، وإلا فمعلومٌ أنه سبحانه غَيْرُ متحيِّزٍ في جهةٍ، وَمُطَهِّرُكَ، أي: مِنْ: دعاوى الكَفَرَةِ ومعاشَرَتِهِمْ. وقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ... الآية: قال جمهورُ المفسِّرين بعموم اللفظ/ في المتّبعين، فتدخل في ذلك أمة محمّد ﷺ لأنها مُتَّبِعَةٌ لعيسى قاله قتادة وغيره [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 445) .]] وكذلك قالوا بعموم اللفظِ في الكَافِرِينَ، فمقتضَى الآيَةِ إعلامُ عيسى- عليه السلام- أنَّ أهْلَ الإيمانِ به، كما يجب، هم فوق الذين كَفَرُوا بالحُجَّة، والبُرْهَان، والعِزِّ والغَلَبَةِ، ويظْهَرُ منْ عبارة ابن جُرَيْج وغيره أنَّ المراد المتبعون لَهُ في وقْتِ استنصاره، وهم الحواريُّون [[ذكره ابن عطية (1/ 445) .]] . وقوله تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ خَطَابٌ لعيسى، والمرادُ: الإخبار بالقيامة، والحَشْرِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وتوفيةُ الأجور هي قَسْم المَنَازِلِ في الجَنَّة، فذلك هو بحَسَب الأعمال، وأما نَفْسُ دخولِ الجَنَّةَ، فبرحْمَةِ اللَّه وتفضُّله سبحانه. وقوله تعالى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ ... الآية: «ذَلِكَ» : إشارة إلى ما تقدّم من الأنباء، ونَتْلُوهُ: معناه: نسرده، ومِنَ الْآياتِ: ظاهره آيات القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ: من المعجزاتِ والمُسْتَغْرَبَاتِ أن تأتيهم بهذه الغُيُوبِ من قبلنا، وبسبب تلاوتنا، والذِّكْرِ: ما ينزلُ من عند اللَّه. قال ابن عبّاس: الذّكر: القرآن، والْحَكِيمِ: الذي قد كمل في حكمته [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 293) برقم (7155) ، وذكره ابن عطية (1/ 446) .]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب