الباحث القرآني

* اللغة: (تَبارَكَ) : البركة زيادة الخير وكثرته، والزيادة تكون حسية ومعنوية أي تزايد خيره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، ثم ان تبارك فعل ماض جامد لا يتصرف فلا يأتي منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل وليس له مصدر ولا يستعمل في غير الله تعالى وسيأتي بحث الجامد في باب الفوائد. (الْفُرْقانَ) : القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل وقيل لأنه نزل مفرقا في أوقات كثيرة وفي المصباح: «فرقت بين الشيئين فرقا من باب قتل فصلت أبعاضه وفرقت بين الحق والباطل، فصلت أيضا، هذه هي اللغة العالية وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: «فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» وفي لغة من باب ضرب وقرأ بها بعض التابعين، وقال ابن الأعرابي: فرقت بين الكلامين فافترقا مخفف، وفرقت بين العبدين فتفرقا مثقل فجعل المخفف في المعاني والمثقل في الأعيان. والذي حكاه غيره أنهما بمعنى والتثقيل مبالغة» ولهذه المادة في اللغة شعاب كثيرة، وسنورد لك منها ما يروق الخاطر: فالفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بين الشيئين وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل أو لأنه لم ينزل جملة واحدة ولكن مفروقا مفصولا بين بعضه وبعض في الإنزال، ألا ترى إلى قوله: «وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا» والأظهر هو المعنى الثاني لأن في السورة بعد آيات: «وقال الذين كفروا لولا نزلوا عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك» . قال الله تعالى كذلك أي أنزلناه مفرقا كذلك لنثبت به فؤادك، فيكون وصفه بالفرقان في أول السورة كالمقدمة والتوطئة لما يأتي بعد، وقد رأت دائرة المعارف الاسلامية كلمة فرقان مجهولة الأصل، وهذا خطأ بيّن، ووهم ظاهر كما رأيت من اشتقاق الكلمة، يقال فرق لي الطريق فروقا وانفرق انفراقا إذا اتجه لك طريقان فاستبان ما يجب سلوكه منهما، وطريق أفرق: بيّن، وضم تفاريق متاعه أي ما تفرق منه، وضرب الله بالحق على لسان الفاروق، وسطع الفرقان أي الصبح، وهذا أبين من فلق الصبح وفرق الصبح، وتقول سبيل أفرق كأنه الفرق، وهو أسرع من فريق الخيل، وهو سابقها فعيل بمعنى مفاعل لأنه إذا سبقها فارقها، وبانت في قذاله فروق من الشيب أي أوضاح منه، وماله إلا فرق من الغنم وفريقة أي يسير، ورأى أعرابي صبيانا قال: هؤلاء فرق سوء، وما أنت إلا فروقة، وفرق خير من حبّ أي أن تهاب خير من أن تحب، وأفرق المحموم والمجنون، وهو في أفراق من حمّاه، ومن المجاز: وقفته على مفارق الحديث أي على وجوهه الواضحة، وفي اللسان والأساس: «بدا المشيب في مفرقه وفرقه، ورأيت وبيص الطيب في مفارقهم، وفرقت الماشطة رأسها كذا فرقا، ورأس مفروق، وديك أفرق: انفرقت رعثته، وجمل أفرق: ذو ستامين، ورجل أفرق الأسنان: أفلجها، وناقة فارق: ما خض فارقت الإبل نادّة من وجع المخاض، ونوق فرق وفوارق ومفاريق، وقد فرقت فروقة وتشبّه بها السحاب. قال ذو الرمة: أو مزنة فارق يجلو غواربها ... تبوّج البرق والظلماء علجوم * الإعراب: (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) تبارك فعل ماض جامد كما تقدم في باب اللغة، والذي فاعله وجملة نزل الفرقان صلة وعلى عبده متعلقان بنزل واللام للتعليل ويكون فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل واسم يكون مستتر تقديره هو ونذيرا خبر يكون. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) هذا الموصول يجوز أن يكون بدلا من الموصول الأول أو خبر لمبتدأ محذوف فيكون محله الرفع ويجوز نصبه على المدح وما بعده تمام الصلة للموصول الأول، وله خبر مقدم وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة الموصول ولم يتخذ ولدا عطف على ما تقدم. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) عطف على ما سبق وله خبر يكن المقدم وشريك اسمها المؤخر وفي الملك متعلقان بشريك وخلق عطف على ما سبق أيضا فهو من تمام العلة لما قبله وكل شيء مفعول خلق، فقدره الفاء عاطفة وقدره فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وتقديرا مفعول مطلق. (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) واتخذوا الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير حال وعبادة الكفار، ومن دونه في محل المفعول الثاني لا تخذوا وآلهة مفعول اتخذوا الاول وجملة لا يخلقون شيئا صفة لآلهة من سبع صفات ستأتي مسرودة متعاقبة، وهم يخلقون الواو عاطفة وهم مبتدأ ويخلقون بالبناء للمجهول خبر وهذه هي الصفة الثانية، ومعنى كونهم مخلوقين أن العابدين ينحتونهم ويصورونهم. (وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً) الواو عاطفة ولا يملكون جملة معطوفة على ما تقدم وضرا مفعول به وهذه هي الصفة الثالثة، ولا نفعا هي الصفة الرابعة، ولا يملكون موتا هي الصفة الخامسة ولا حياة هي الصفة السادسة ولا نشورا هي الصفة السابعة، والنشور هو بعث الأموات. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ) كلام مستأنف مسوق للشروع في حكاية أباطيلهم وإبطالها ودحضها. والذين فاعل قال وجملة كفروا صلة وإن نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وإفك خبر هذا وجملة افتراه صفة لإفك. (وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً) وأعانه عطف على افتراه وعليه متعلقان بأعانه، والضمير للإفك المفترى، وقوم فاعل وآخرون صفة قوم، ويريدون بهم أهل الكتاب الذين أمدوه، على زعمهم، بأخبار الأمم الماضية والقرون البائدة، والفاء الفصيحة وقد حرف تحقيق وجاءوا فعل وفاعل وقد تضمن معنى فعل فعدي تعديته، وظلما مفعوله ويجوز أن يكون على بابه فيعرب ظلما منصوبا بنزع الخافض أو نصبا على الحال المؤولة أي ظالمين وزورا عطف على ظلما. (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الواو عاطفة وقالوا فعل وفاعل وأساطير الأولين خبر لمبتدأ محذوف وجملة اكتتبها حالية ويجوز اعراب أساطير الأولين مبتدأ وجملة اكتتبها خبر، فهي الفاء عاطفة وهي مبتدأ وجملة تملى خبر ونائب الفاعل مستتر وعليه متعلقان بتملى وبكرة ظرف متعلق بتملى وأصيلا عطف على بكرة، ومعنى تملى عليه تقرأ عليه لينتسخها بواسطة من يكتب له، لأنه عليه السلام، كان أميا. (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة أنزله مقول القول والذي مفعول به وجملة يعلم السر صلة الموصول وفي السموات والأرض حال وجملة إنه كان الآية تعليل لما تقدم فلا محل لها وقد تقدم إعرابها كثيرا. * البلاغة: في قوله تعالى: «فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً» لف ونشر مرتب وقد تقدم في هذا الكتاب أن اللف والنشر فن يتضمن ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ويرده إلى ما هو له، وقد مثلنا لكل من قسميه بما هو كاف، أما في هذه الآية فإن قوله تعالى: «فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً» فيه جعل الكلام المعجز إفكا مختلقا متلقفا من اليهود أو غيرهم من أهل الكتاب، وزورا بنسبة ما هو بريء منه اليه. * الفوائد: الفعل الجامد: الفعل الجامد هو ما أشبه الحرف من حيث أداؤه معنى مجردا عن الزمان والحدث المعتبرين في الأفعال، فلزم مثله طريقة واحدة في التعبير فهو لا يقبل التحول من صورة إلى صورة بل يلزم صورة واحدة لا يزايلها، وذلك مثل: عسى وليس وهب بمعنى احسب وافرض، ولم يرد من مادته بهذا المعنى إلا الأمر فهو فعل أمر جامد، وأما «هب» المشتق من الهبة فماضيه وهب ومضارعه يهب وكذلك هب المشتق من الهيبة فإنه فعل أمر متصرف فماضيه هاب ومضارعه يهاب، ونعم وبئس وهو إما أن يلازم صيغة الماضي مثل عسى وليس ونعم وبئس وتبارك الله، أو صيغة المضارع مثل يهيط ومعناه يصيح ويفح، يقال ما زال منذ اليوم يهيط هيطا وهو مضارع لا ماضي له كما في لسان العرب وتاج العروس ويقال: ما زال في هيط وميط بفتح أولهما وفي هياط ومياط بكسر أولهما أي ضجاج وشر وجلبة، وقيل في هياط ومياط: في دنو وتباعد، والهياط الإقبال والمياط الإدبار، والهائط: الجائى، والمائط: الذاهب، والمهايطة والهياط: الصياح والجلبة، ويقال بينهما مهايطة وممايطة ومسايطة ومشايطة أي كلام مختلف، ومثل هب وهات وتعال وهلم في لغة تميم لأنه عندهم فعل يقبل علامته فتلحقه الضمائر، أما في لغة الحجاز فهي اسم فعل أمر لأنها ستكون عندهم بلفظ واحد للجميع وسيأتي بحثها في حينه. ومن الأفعال الجامدة «قلّ» بصيغة الماضي للنفي المحض وإذا لحقته ما الزائدة كفته عن العمل فلا يليه حينئذ إلا فعل ولا فاعل له لجريانه مجرى حرف النفي نحو: قلما فعلت هذا وقلما أفعله أي ما فعلت ولا أفعل ومنه قول الشاعر: قلما يبرح اللبيب إلى ما ... يورث المجد داعيا أو مجيبا أي لا يزال اللبيب داعيا. وقد يليه الاسم في ضرورة الشعر كقوله: صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم وقد يراد بقولك قلما أفعل اثبات الفعل القليل كما في الكليات لأبي البقاء، غير أن الكثير استعمالها للنفي الصرف، ومثل قلما في عدم التصرف طالما وكثرما وقصرما وشدما فإن ما فيهن زائدة للتوكيد كافة لهن عن العمل فلا فاعل لهن ولا يليهن إلا فعل، فهن كقلما. ومن الأفعال الجامدة قولهم «سقط في يده» بمعنى ندم وتحير وزل وأخطأ وهو ملازم صورة الماضي المجهول قال تعالى «وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ» وقد تقدم بحثه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب