الباحث القرآني

* الإعراب: (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى) الواو عاطفة أو استئنافية وجاء فعل ماض ومن أقصى المدينة متعلقان بجاء وأراد بالمدينة القرية الآنفة الذكر أي انطاكية ورجل فاعل وجملة يسعى صفة والرجل هو حبيب النجار وستأتي لمحة عنه في باب الفوائد. (قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) يا حرف نداء وقوم منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وقد تقدم بحثه واتبعوا فعل أمر وفاعل والمرسلين مفعول به أي الذين هم رسل عيسى عليه السلام. (اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) اتبعوا تأكيد للأول وهو فعل أمر وفاعل ومن مفعول به وجملة لا يسألكم صلة والكاف مفعول به أول وأجرا مفعول به ثان والواو واو الحال وهم مبتدأ ومهتدون خبر والجملة نصب على الحال، وأجاز بعضهم أن تكون من بدلا من المرسلين ولا أدري ما هو مسوغه بعد وجود عامله وكأنهم تصوروا حذف مفعول اتبعوا ولا أرى داعيا إليه، وسيأتي المزيد من بحث هذا الكلام في باب البلاغة. (وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الواو عاطفة وما اسم استفهام مبتدأ ولي خبره وجملة لا أعبد حالية والفاعل مستتر تقديره أنا والذي مفعوله وجملة فطرني صلة واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) الهمزة للاستفهام الإنكاري ويجوز أن يكون معنى الاستفهام النفي واتخذ فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ومن دونه مفعول به ثان وآلهة مفعول به أول. (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ) إن شرطية ويردن فعل الشرط والنون للوقاية والياء المحذوفة لاتباع خط المصحف مفعول به والرحمن فاعل وبضر متعلقان بيردن ولا نافية وتغن جواب الشرط وعني متعلقان بتغن وشفاعتهم فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به وقد تقدم ذكرها كثيرا ولا ينقذون عطف على لا تغن وحذفت الياء أيضا مراعاة لسنة المصحف والجملة الشرط استئنافية ويجوز أن تكون صفة لآلهة. (إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) إن واسمها وإذن حرف جواب وجزاء لا عمل لها واللام لام المزحلقة وفي ضلال خبر إن ومبين صفة وسيأتي بحث هام عن إذن في باب الفوائد. (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) إن واسمها وجملة آمنت خبرها وبربكم متعلقان بآمنت والفاء الفصيحة واسمعون فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة مفعول به، ومعنى اسمعون اسمعوا قولي واتبعوا المرسلين وفيه دليل على تصلبه لمبدئه وصدق إيمانه وقيل اسمعوا إيماني تشهدوا لي به. (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) قيل فعل ماض مبني للمجهول ومتعلقه محذوف أي قيل له عند قتله ورؤيته ما أعد له جزاء على صدق إيمانه وقال فعل ماض ويا حرف تنبيه أو حرف نداء والمنادى محذوف وليت واسمها وجملة يعلمون خبرها. (بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) بما متعلقان بيعلمون وما مصدرية أو موصولة أي بغفران ربي أو بالذي غفره لي ربي من الذنوب وقال الفراء هي استفهامية ورد عليه بأنها لو كانت كذلك لحذفت ألفها كما هي القاعدة، وقيل ان حذف الألف أكثري لا كلي وهبه كذلك لا يسوغ حمل القرآن على الضعيف من الوجوه، وجعلني فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول به أول ومن المكرمين مفعول به ثان. (وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ) كلام مستأنف مسوق لاحتقار أمرهم أي لا حاجة إلى إرسال جنود لهم فأقل شيء كاف لإبادتهم واستئصال شأفتهم، وما نافية وأنزلنا فعل وفاعل وعليهم متعلقان بأنزلنا ومن بعده متعلقان بمحذوف حال ومن حرف جر زائد وجند مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به ومن السماء صفة لجند والواو عاطفة وما نافية وكان واسمها ومنزلين خبرها. (إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ) إن نافية وكانت فعل ماض ناقص واسمها مضمر والتقدير ما كانت الصيحة إلا صيحة واحدة والفاء عاطفة وإذا فجائية وهم مبتدأ وخامدون خبر. * البلاغة: 1- الالتفات في قوله «ومالي لا أعبد الذي فطرني» وفائدته أن انتقاله من مخاطبتهم ومناصحتهم إلى التكلم تلطفا بهم من جهة ووعيدا لهم من جهة ثانية، فقد صرف الكلام أولا إلى نفسه وأراهم أنه لا يختار لهم إلا ما يختاره لنفسه، ثم التفت إلى مخاطبتهم ثانيا مقرعا مهددا بالعواقب التي تنتظرهم، ثم عاد أخيرا إلى التلطف في النصيحة لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: «ومالي لا أعبد الذي فطرني» مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله «وإليه ترجعون» ولولا أنه قصد ذلك لقال الذي فطرني وإليه أرجع وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: «إني آمنت بربكم فاسمعون» فانظر أيها المتأمل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في القرآن الكريم وأنت تظن أنك فهمت فحواها واستنبطت رموزها. 2- ائتلاف الفاصلة: وفي قوله: «قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين» فن ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام، فإن ذكر الجنة مهد لفاصلتها وفي ذلك تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل الجهل والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي والتشمير فيه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ولمن ترصدوا له وتربصوا به الدوائر ونصبوا له الغوائل والمهالك، هذا من جهة ثم إن في تمنيه أن يعلموا ليروعوا إلى أنفسهم بعد أن ينجلي الرين عن صدورهم وتنجاب الغواشي عن عيونهم فيبدو الصبح لذي عينين، وتتبدد حنادس الشك والمين، وفي ذلك انتصار له وقوز لدعوته وما بعد ذلك غبطة لمستزيد. 3- التشبيه البليغ في قوله «فإذا هم خامدون» شببهم بالنار الخامدة التي صارت رمادا على حد قول لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا إذ هو ساطع أي ليس حال المرء وحياته وبهجته ثم موته وفناؤه بعد ذلك إلا مثل حال شهاب النار وضوئه يصير رمادا بعد إضاءته. وبعد هذا البيت: وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بدّ يوما أن ترد الودائع شبه مال الشخص وأقاربه بالودائع تشبيها بليغا بجامع أنه لا بد من أخذ كل منها. 4- في قوله: «قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون» وإنما ختم بقوله «وهم مهتدون» مع تمام الكلام بدونه لزيادة الحث على الاتباع ففيه إطناب. * الفوائد: بحث هام عن إذن: تحدثنا في هذا الكتاب عن إذن ونضيف إلى ما تقدم ما قاله الرضي ففيه جلاء لموقعها من الآية، قال: «إنها اسم وأصلها إذ، حذفت الجملة المضاف إليها وعوض عنها التنوين وفتح ليكون في صورة ظرف منصوب وقصد جعله صالحا لجميع الأزمنة بعد ما كان مختصا بالماضي وضمن معنى الشرط غالبا وإنما قلنا غالبا لأنه لا معنى للشرط في نحو «قال فعلتها إذن وأنا من الضالين» ثم قال الرضي: وإذا كان بمعنى الشرط في الماضي جاز اجراؤه مجرى لو في قرن جوابه باللام نحو «إذن لأذقناك» أي لو ركنت شيئا قليلا لأذقناك، وإذا كان بمعنى الشرط في المستقبل جاز قرن جوابه بالفاء كقول النابغة: ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطي الي يدي أي إن أتيت، وقد تستعمل بعد لو وإن توكيدا لهما نحو لو زرتني لأكرمتك وإن جئتني إذن أزورك» ثم قال: ولما احتملت إذن التي يليها المضارع معنى الجزاء فالمضارع مستقبل واحتملت معنى مجرد الزمان، فالمضارع حال وقصد التنصيص على معنى الجزاء في إذن نصب المضارع بأن المقدرة لأنها تخلصه للاستقبال فتحمل إذن على الغالب فيها من الجزاء لانتفاء الحالية المانعة من الجزاء بسبب النصب بأن» وقد أطال الرضي في البحث فحسبنا ما اقتبسناه من كلامه ليضاف إلى ما تقدم عنها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب