الباحث القرآني

* اللغة: (أَبْرَمُوا) أحكموا وفي المصباح: «وأبرمت العقد إبراما: أحكمته فانبرم هو وأبرمت الشيء دبرته» ويقال أبرم الحبل إذا أتقن فتله والمراد القتل الثاني وأما الأول فيقال له سحل وفي القاموس: السحل ثوب لا يبرم غزله كالسحيل، قال زهير يمدح هرم بن سنان والحارث بن عوف: يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم * الإعراب: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) كلام مستأنف مسوق للانحاء باللائمة على المشركين لما بدر منهم، وأم منقطعة بمعنى بل فبل للإضراب والانتقال من توبيخ أهل النار وحكاية حالهم إلى حكاية جناية هؤلاء المشركين والهمزة للإنكار وأبرموا فعل ماض وفاعل وأمرا مفعول به والفاء عاطفة وإن واسمها وخبرها (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ؟) أم تقدم القول فيها ويحسبون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي تحسبون وجملة لا نسمع خبر أنّا وسرّهم مفعول نسمع ونجواهم عطف على سرّهم (بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) بلى حرف جواب أي نسمع ذلك والواو للحال ورسلنا مبتدأ ولديهم ظرف متعلق بيكتبون وجملة يكتبون خبر رسلنا والجملة حالية (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والجملة مستأنفة مسوقة لتفنيد ما ورد من مزاعم لهم في أول السورة بأن لله ولدا من الملائكة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وللرحمن خبرها المقدّم وولد اسمها المؤخر والفاء رابطة لجواب الشرط وأنا مبتدأ وأول العابدين خبر وسيأتي معنى تعليق العبادة بكينونة الولد في باب الفوائد (سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ورب السموات والأرض مضاف إليه ورب العرش بدل من رب الأولى وعمّا متعلقان بسبحان وجملة يصفون صلة ما (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) الفاء الفصيحة وذرهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به ويخوضوا جواب الطلب ولذلك جزم ويلعبوا عطف على يخوضوا، حتى حرف غاية وجر ويلاقوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والواو فاعل ويومهم مفعول به والذي صفة وجملة يوعدون صلة ويوعدون مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) الواو استئنافية وهو مبتدأ والذي خبره وفي السماء متعلقان بإله لأنه بمعنى معبود، ومثل له الزمخشري بقولهم هو حاتم طي حاتم في تغلب على تضمين معنى الجواد الذي شهر به كأنك قلت هو جواد في طي جواد في تغلب. وإله خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو والجملة صلة الذي وفي الأرض إله عطف على قوله في السماء إله وهو مبتدا والحكيم العليم خبران (وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) الواو عاطفة وتبارك فعل ماض والذي فاعله وله خبر مقدم وملك السموات مبتدأ مؤخر والجملة صلة وما عطف على السموات والأرض والظرف متعلق بمحذوف هو الصلة (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الواو عاطفة وعنده ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وعلم الساعة مبتدأ مؤخر وإليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل (وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ) الواو عاطفة ولا نافية ويملك فعل مضارع والذين فاعله وجملة يدعون صلة الموصول ومن دونه متعلقان بيدعون والشفاعة مفعول يملك (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) إلا أداة حصر ومن مستثنى من الذين وهو استثناء منقطع والمعنى ولا يملك آلهتهم ويعني بهم الأصنام والأوثان الشفاعة كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله ولكن من شهد بالحق وهو توحيد الله وهو يعلم ما شهد به هو الذي يملك الشفاعة ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا لأنه يكون المستثنى منه محذوفا كأنه قال ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق فهو استثناء من المفعول المحذوف على حدّ قول الشاعر: نجا سالم والنفس منه بشدقه ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزر فهو استثناء من المشفوع فيهم. وجملة شهد بالحق صلة من وهم الواو حالية أو عاطفة وهم مبتدأ وجملة يعلمون خبر (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية وسألتهم فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة خلقهم خبر من وجملة الاستفهام المعلقة في محل نصب مفعول به ثان لسألتهم وليقولنّ اللام جواب القسم وجواب الشرط محذوف على القاعدة المعروفة وهي اجتماع قسم وشرط ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة والله فاعل بفعل محذوف دلّ عليه موصول الاستفهام والتقدير خلقنا الله لأن القضية الشرطية لا تستدعي الوقوع ولا عدمه والدليل على أن المرفوع فاعل فعله محذوف لا مبتدأ أنه جاء عند عدم الحذف كقوله تعالى الآنف الذكر «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهنّ العزيز العليم» على أن هذه الحجة قد تعارض بالمثل فيقال والدليل على أنه مبتدأ أنه قد جاء كذلك كقوله تعالى: «قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر- إلى قوله- قل الله ينجيكم منها» وما يقال أنه قدّم لإفادة الاختصاص ممنوع لأن الفاعل لا يجوز تقديمه على عامله على الأصح والأحسن أن يقال إن الحجة الفعلية في هذا الباب أكثر فالحمل عليها أولى. وقال ابن هشام: «يقول بعضهم في ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله إن اسم الله سبحانه وتعالى مبتدأ أو فاعل أي الله خلقهم أو خلقهم الله والصواب الحمل على الثاني بدليل ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنّ خلقهنّ العزيز الحكيم» وتعقبه الدماميني شارع المغني فقال «هذا معارض بقوله تعالى: قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه إلى أن قال: قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب» وتعقبه الشمني فقال: «وأقول لا يعارضه لأن الكلام إنما هو في خصوص الجواب الذي سنده خلق لا في كل جواب» . والفاء عاطفة وأنى اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب على الحال ويؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل (وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) الواو للقسم وقيله أي قوله مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم والجواب إما محذوف أي لأفعلنّ بهم ما أريد وإما مذكور وهو قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب وقيل هو معطوف على الساعة وفيه بعد وقرئ بالنصب قال الجلال السيوطي «ونصبه على المصدر بفعله المقدّر وقيل إن النصب بالعطف على سرهم ونجواهم وقيل إنه بالعطف على محل الساعة كأنه قيل إنه يعلم الساعة وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر ما بعده أو إن الخبر محذوف تقديره وقيله مسموع أو متقبل» وإن واسمها وخبرها وجملة لا يؤمنون صفة (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واصفح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان باصفح وقل عطف على فاصفح وسلام خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر سلام فسوف الفاء عاطفة وسوف حرف تسويف ويعلمون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل والمفعول به محذوف للتفخيم أي مغبة أمرهم. * الفوائد: وعدناك بالحديث عن تعليق العبادة بكينونة الولد وقد شجر بين المفسرين والمتكلمين جدال طويل في صددها وخاصة بين أهل السنّة والمعتزلة، فقال الزمخشري بأسلوبه البارع ما يلي: «قل إن كان للرحمن ولد وصحّ ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد وذلك أنه علّق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلّق بها محالا مثلها فهو في صورة إثباته الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها» ثم أورد تهكما بأهل السنّة وأرخى للسانه العنان فأساء إلى الذات الإلهية إذ قال: «ونظيره أن يقول العدلي للمجبر إن كان الله خالقا للكفر في القلوب ومعذب عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفي أن يكون الله تعالى خالقا للكفر وتنزيهه عن ذلك وتقديسه ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا مع الدلالة على سماجة المذهب وضلالة الذاهب إليه والشهادة القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه» . وقد نوّه أبو حيان بإساءة الزمخشري فقال بعد أن نقل ما نقلناه من كلام الزمخشري: «ثم ذكر كلاما يستحق عليه التأديب بل السيف نزّهت كتابي عن ذكره» وهذا ليس بالردّ كما ترى بل فيه مقابلة المهاترة بالمهاترة والشطط بالشطط. وردّ الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري المالكي قاضي الإسكندرية المتوفى سنة 683 هـ على الزمخشري ردّا حسنا سلك فيه جادة النقد الصحيح فقال «لقد اجترأ عظيما واقتحم مهلكة في تمثيله بقول من سمّاه عدليا إن كان الله خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه فأنا أول القائلين إنه شيطان وليس بإله فلينتقم عليه ذلك بقول القائل: قد ثبت عقلا وشرعا أنه تعالى خالق لذلك في القلوب كما خلق الإيمان وفاء بمقتضى دليل العقل الدال على أن لا خالق إلا الله وتصديقا بمضمون قوله تعالى: «هل من خالق غير الله وقوله: الله خالق كل شيء وإذا ثبتت هذه المقدمة عقلا ونقلا لزمه فرك أذنه وغلّ عنقه إذ يلحد في الله إلحادا لم يسبقه إليه أحد من عباده الكفرة ولا تجرأ عليه ما ردّ من مردّة الفجرة» إلى آخر هذا الرد الذي لم يخل من السباب والشتائم أيضا. ثم قال الزمخشري: «وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقلة بالتوحيد على أبلغ وجوهه فقيل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولهم بإضافة الولد إليه وقيل إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد» وقيل: هي إن النافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد وقد فنّد أبو حيان هذه الوجوه كلها بما لا يتّسع له صدر هذا الكتاب. وعبارة الشوكاني: «أي إن كان له ولد في قولكم وعلى زعمكم فأنا أول من عبد الله وحده لأن من عبد الله وحده فقد دفع أن يكون له ولد، كذا قال ابن قتيبة وقال الحسن والسدّي: إن المعنى ما كان للرحمن ولد ويكون قوله فأنا أول العابدين ابتداء كلام، وقيل المعنى: قل يا محمد إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته ولكنه يستحيل أن يكون له ولد وفيه نفي للولد على أبلغ وجه وأتم عبارة وأحسن أسلوب وهذا هو الظاهر من النظم القرآني، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وإنّا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره إن ثبت ما تقوله بالدليل فأنا أول من يعتقده ويقول به، فتكون إن شرطية وهذا ما اخترناه ورجحه ابن جرير وغيره وهناك أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا لأنها من التمحّل والتكلّف لا يليق بالقرآن الكريم أن يأتي بها أو يرمي إليها لأن القرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب