الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ تقدم الكلام عليه، «وَاسْتَوَى» أي: بلغ أربعين سنة - (قال ابن عباس -) وقيل: استوى: انتهى شبابه، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أَنْ يبعث نبياً، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، وهذا يدل على أنه ليس المراد بالحكم النبوة، لأنه جعل إيتاءه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة لا تكون جزاء على العمل. قوله: «وَدَخَلَ المَدِينَة» أي: ودخل موسى المدينة. قال السدي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية تدعى حانين على (رأس) فرسخين من مصر، وقيل: عين شمس، قوله: ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ في موضع الحال إمّا من الفاعل أي: كائناً على حين غَفْلَة، أي: مُستخفياً، وإِمَّا من المفعول، وقرأ أبو طالب القارىء «عَلَى حِينَ» بفتح النون، وتكلَّفَ أبو حيان تخريجها على أنه حمل المصدر على الفعل في أنه إذا أضيف الظرف إليه جاز بناؤه على الفتح، كقوله: 3977 - عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... و «مِنْ أَهْلِهَا» صفة ل «غَفْلَةٍ» ، أي: صادرة من أهلها. فصل اختلفوا في السبب الذي لأجله دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، فقال السُّدِّي: إن موسى كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب في مراكب فرعون، ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها نصف النهار وليس في طرقها أحدن فذلك ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ . وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق فارق فرعون وقومه وخالفهم في دينهم حتى ذكر ذلك منه، وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً. وقال ابن زيد: إِنَّ موسى ضرب رأس فرعون ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته: هو صغير، جِىءْ بجمرة فأخذها فطرحها في فيه، فبها عقد لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليها حتى كبر، فدخل ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ . قوله «يَقْتتلانِ» صفة ل «رَجُلَيْنِ» ، وقال ابن عطية: حالٌ منهما، وسيبويه - وإن كان جوَّزها من النكرة مطلقاً - إلاَّ أَنَّ الأكثر يشترطون فيها ما يُسوِّغُ الابتداء بها. وقرأ نعيمُ بن ميسرة «يقتلان» بالإدغام، نقل فتحة التاء الأولى إلى القاف وأدغم. قوله ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ مبتدأ وخبر في موضع الصفة ل «رَجُلَيْنِ» ، أو الحال من الضمير في «يَقْتتلانِ» وهو بعيدٌ لعدمِ انتِقالهَا. وقوله: «هذَا» و «هذا» على حكاية الحال الماضية، فكأنهما حاضران، أي: إذا نظر الناظر إليهما، قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب، وأنشد لجرير: 3978 - هذَا ابنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَة ... لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمْ إِليَّ قَطِينا (فصل) ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القبط. قال مقاتل: كانا كافرين إلا أنَّ أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل، لقول موسى عليه السلام له ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 18] . والمشهور أَنَّ الإسرائيلي كان مسلماً، قيل: إنه السامري، والقبطي طبَّاخ فرعون. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لمَّا بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلُص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع. وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم. قوله «فَاسْتَغَاثَهُ» هذه قراءة العامة من الغوث أي طلب غوثه ونصره، وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون من الإِعانة. قال ابن عطية: هي تصحيف وقال ابن جبارة صاحب الكامل: الاختيار قراءة ابن مقسم، لأَنَّ الإِعانة أوْلَى في هذا الباب قال شهاب الدين: نسبة التصحيف إلى هؤلاء غير محمودة (كما أن تغالي) الهذلي في اختيار الشاذة غير محمود. قوله: «فَوَكَزَهُ» أي: دفعه بجميع كَفِّه، والفرق بين الوَكْزِ واللَّكْزِ: أَنَّ الأول بجميع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل بالعكس، وقيل: اللكز في الصدر، والوكز في الظهر، والنَّكْزُ كاللَّكْزِ قال: 3979 - يَا أَيُّهَا الجَاهِلُ ذُو التَّنَزِّي ... لا تُوعِدني حَبَّةٌ بِالنَّكْزِ وقرأ ابن مسعود «فَلَكَزَهُ» و «فَنَكَزَهُ» باللام والنون. قوله: «فَقَضَى» أي: موسى، أو الله تعالى، أو ضمير الفعل أي: الوكز «فَقَضَى عَلَيْهِ» أي: أماته، وقتله، وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، و ﴿قَالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ فقوله: «هذَا» إشارة إلى القتل الصادر منه، و ﴿مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ أي: من وسوسته وتسويله. فصل احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن استحق القتل فلم قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ؟ ولم قال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ ؟ وقال في سورة أخرى ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] . وإن لم يستحق القتل كان قتله معصيةً وذنباً. وثانيها: أنَّ قوله: ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً، فَلِمَ استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل المباح غير جائز لأنه يوهم في المباح كونه حراماً. وثالثها: أَنَّ الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهراً. فكان ذلك قتل خطأ، فَلِمَ استغفر منه؟ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال إنه لكفره مباح الدم؟ وأما قوله ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ففيه وجوه: الأول: أنَّ الله تعالى وإن أباح قتل الكفار، إلاَّ أنه كان الأَولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل ترك ذلك المندوب؛ وهو قوله: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ . الثاني: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه. (الثالث: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى المتقول) . (يعني أنه من حزب الشيطان) وجنده، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أحزابه. وأما قوله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ (فعلى نهج قول آدم عليه السلام) ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. وأما قوله «فَاغْفِرْ لِي» أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ حيث قتلت هذا الملعون، فإنَّ فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، «فَاغْفِرْ ليْ» ، فاستره عليَّ ولا توصل خبره إلى فرعون، «فَغَفَرَ لَهُ» أي: ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا قوله ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ فلو كانت إعانة المؤمن هنا سبباً للمعصية لما قال ذلك، وأما قوله ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، بل اعترف أنه كان ضالاً أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه. وأما قوله: إنْ كان كافراً حربياً فَلِمَ استغفر من قتله؟ قلنا: كون الكافر مباح الدم أم يختلف باختلاف الشرائع، فلعلّ قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررناه. وأما قوله: كان قتل خطأ، قلنا: لا نسلم، فلعل الرجل إن كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة فوكزه كان قاتلاً قطعاً، ثم إن سلمنا ذلك ولكنه - عليه السلام - كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أَنَّا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية، لكنَّا بيَّنَّا أَنهُ لا دلالة البتة فيه، لأنه لم يكن رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك قبل النبوة لا نزاع فيه. فصل قال المعتزلة: الآية تدل على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله، لأنه - عليه السلام - قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ، فلو كانت بخلق الله لكانت من الله لا من الشطيان، وهو كقول يوسف - عليه السلام - ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي﴾ [يوسف: 100] ، وقول فتى موسى ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63] ، وقوله تعالى: ﴿لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ [الأعراف: 27] ، وتقدم الكلام على ذلك. قوله: «بِمَا أَنْعَمْتَ» يجوز في الباء أن تكون (قسماً و) الجواب مقدراً: لأَتوبنَّ، وتفسيره: فَلأنْ أكُونَ، قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، أي: بنعمتك عليَّ، وأنْ تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أَنعمتَ به عليَّ، ويترتب عليه قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً﴾ ، و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي، والعائد محذوف، وقوله: «فَلَنْ» نفيٌ على حقيقته، وهذا يدل على أنه قال: لِمَ أنعمت عليَّ بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدلّ على أَنَّ ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان معصية لنزل الكلام منزلة قوله: «إنك لمَّا أنعمت عليَّ بقبول توبتي من تلك المعصية. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء، وإنَّ» لَنْ «واقعة موقع» لا» ، كأنه قال: ولا تجعلني ظهيراً، قال الفراء: في حرف عبد الله ﴿وَلاَ تَجْعَلْنِي ظَهِيراً﴾ قال الشاعر: 3980 - لَنْ تَزَالُوا كَذلكُم ثُمَّ لا زلْ ... تَ لَهُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبَالِ قال شهاب الدين: وليس في الآي والبيت دلالة على وقوع» لن «موقع» لا» ، لظهور النفي فيهما من غير تقدير دعاء. فصل قال ابن عباس: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالمغفرة، ﴿فَلَنْ أَكُوْنَ ظَهِيراً﴾ عوناً «لِلْمُجْرِمينَ» . أي: للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وهو قول مقاتل، وقال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة. قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني: (وهذا ضعيف، لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو، فقال: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً﴾ [القصص: 19] إلاّ أنه لم يقع منه) .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب