الباحث القرآني

مكية، وهي خمس وأربعون آية، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وألف وأربعمائة وأربعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ق﴾ قال ابن عباس - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) - هو قَسَمٌ. وقيل: اسم السورة. وقيل اسم من أسماء القرآن. وقال القرطبي: هو مفتاح اسمه قدير، وقادر، وقاهر وقريب وقابض. وقال عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زُمُرَّدَةٍ خَضْراءَ ومنه: خُضْرَةُ السماء. والسماء مَقْبِيَّةٌ عليه، وعليه كتفاها ويقال: هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنةٍ. وقيل: معناه قضِي الأمر وقضي ما هو كائن، كما قالوا في حم (حم الأمر) ، وفي ص: صدق الله، وقيل هو اسم فاعل من قَفَا يَقْفُوهُ. فصل قال ابن الخطيب، لما حكى القول بأن «ق» اسم جبل محيط بالأرض عليه أطواق السماء قال: وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أن أكثر القراء يقف عليها، ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج لأنَّ من قال ذلك قال بأن الله تعالى أقسم به. وثانيها: لو كان كذلك لذكر بحرف القسم كقوله تعالى: ﴿والطور﴾ [الطور: 1] ، ونحوه؛ لأن حرف القسم يحذف حيث يكون المقسم به مستحقاً لأنْ يُقْسَمَ بِهِ، كقولنا: «اللَّه لأَفْعَلَنَّ كَذَا» فاستحقاقه له يغني عن الدلالة عليه باللفظ ولا يحسن أن يقال: زَيْد لأَفْعَلَنَّ كَذَا. ثالثها: أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب: ﴿عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: 12] ، ويكتب ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] وفي جميع المصاحف يكتب حرف «ق» . رابعها: أن الظاهر كون الأمر فيه كالأمر في «ص» و «ن» و «حم» وهي حروف لا كلمات فكذلك في «ق» . فإن قيل: هو منقول عن ابن عباس - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) -. نقول: المنقول عنه: أن قاف اسم جبل، وأما أن المراد ههنا ذلك فَلاَ. فصل قال ابن الخطيب: هذه السورة وسورة ص يشتركان في افتتاح أولهما بالحرف المعجم والقسم بالقرآن بعده وقوله بعد القسم: بل والتعجب. ويشتركان أيضاً في أن أول السورتين وآخرهما متناسبات لأنّه تعالى قال في أول السورة: ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: 1] وفي آخرها: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87] وقال في أولِ ق: «وَالقُرْآنِ المَجِيدِ» ، وقال في آخرها: ﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45] ، فافتتح بما اختتم به. وأيضاً في أول ص صرف العناية إلى تقرير الأصل الأول وهو التوحيد لقوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً﴾ [ص: 5] وفي هذه السورة صرف العناية إلى تقرير الأصل الآخر وهو الحشر فقال تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ ، فلما كان افتتاح سورة «ص» في تقرير المبدأ قال في آخرها: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] . وختمه بحكاية بَدْء آدمَ، لأنَّه دليل الوحدانية، ولما كان افتتاح «ق» لبيان الحشر قال في آخرها: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44] . فصل قال ابن الخطيب: قد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن ليكون السامع بسببها يقبل على استماع ما يرد على الأسماع، فلا يفوته شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق، وذكر أيضاً أن العبادة منها قلبية ومنها لسانية، ومنها خارجية ظاهرة ووجد في الخارجية ما عقل معناه ووجد فيها ما لم يعْقَلْ معناه كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما، ووجد في القلبية ما عقل بالدليل وعلم كالتوحيد وإمكان الحشر، وصفات الله تعالى، وصدق الرسل، ووجد فيها مَا لَمْ يُعْقَلْ ولا يمكن التصديق به لولا السمعُ كالصِّراط الممدود الأَحَدّ حَدًّا من السيف، الأرقّ من الشعر، والميزان الذي توزن به الأعمال، فكذلك ينبغي أن يكون الأذْكار التي هي العبادة اللسانية فيها ما يعْقَلُ معناه، كجميع القرآن إلاّ قليلاً منه، وفيها ما لا يعقل ولا يفهم كحروف التهجي ليكون التلفظ به لمحض الانقياد والأمر، لا لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض كقولنا: «رَبَّنا اغفرْ لنا وارحمنا» بل يكون النطق به تعبداً محضاً. ويؤيد هذا وجه آخر، وهو أن هذه الحروف مقسم بها لأن الله تعالى لما أقسم بالتِّين والزَّيْتُون تشريفاً لهما، فإذا أقسم بالحروف التي هي أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة وآلة التعريف كان أولى. وإذا عرف هذا نقول: القسم من الله تعالى وقع بأمر واحد كما في قوله تعالى: ﴿والعصر﴾ [العصر: 1] وقوله: ﴿والنجم﴾ [النجم: 1] وبحرف واحد كما في ﴿ص﴾ [ص: 1] و ﴿ق﴾ [ق: 1] ووقع بأمرين كما في قوله تعالى: ﴿والضحى والليل﴾ [الضحى: 1 و2] وفي قوله: ﴿والسمآء والطارق﴾ [الطارق: 1] وبحرفين كما في قوله: ﴿طه﴾ [طه: 1] و ﴿طس﴾ [النمل: 1] و ﴿حم﴾ [غافر: 1] ، ووقع بثلاثة أمور كما في قوله تعالى: ﴿والصافات صَفَّا فالزاجرات زَجْراً فالتاليات ذِكْراً﴾ [الصافات: 1 - 3] . وقوله: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج واليوم الموعود وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: 1 - 3] وبثلاثة أحرف كما في قوله: ﴿الم﴾ [البقرة: 1] ، و ﴿طسم﴾ [الشعراء والقصص: 1] و ﴿الر﴾ [هود: 11] ووقع بأربعة أمور، كما في قوله تعالى: ﴿والذاريات ذَرْواً فالحاملات وِقْراً فالجاريات يُسْراً فالمقسمات أَمْراً﴾ [الذاريات: 1 - 4] وفي قوله: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 1 - 3] ، وبأربعة أحرف كما في قوله: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] و ﴿المر﴾ [الرعد: 1] ووقع بخمسة أمور كما في قوله تعالى: ﴿والطور وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور﴾ [الطور: 1 - 6] وفي قوله: ﴿والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً والناشرات نَشْراً فالفارقات فَرْقاً فالملقيات ذِكْراً﴾ [المرسلات: 1 - 5] وفي النَّازِعاتِ وفي الفَجْر، وبخمسة أحرف كما في: ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1] و ﴿حم عسق﴾ [الشورى: 1 و2] ، ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي الشَّمس: ﴿والشمس وَضُحَاهَا والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا والسمآء وَمَا بَنَاهَا والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: 1 - 6] . ولما أقسم بالأشياء المعهودة ذكر حرف القسم وهو الواو فقال: «والطُّورِ» «والنَّجْمِ» «والشَّمْسِ» وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم فلم يقل: وق وحم؛ لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسماً فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحروف ولم يدخل القسم بالحروف في أثناء السورة لأنه يخلُّ بالنظم. فصل أقسم الله بالأشياء المركبة العناصر كالتِّينِ والطُّورِ، ولم يقسم بأصولها وهي الجواهر المفردة كالماء والتراب، وأقسم بالحروف من غير تركيب، لأن الأشياء عند تركيبها تكون على أحسن حالها، وأما الحروف إن ركبت لمعنى يقع الحَلِفُ بمعناه لا باللفظ، كقولنا والسماء والأرض وإن ركبت لا لمعنى فكأن المفرد أشرف فأقسم بمفردات الحرف. فصل هذه السورة تقرأ في صلاة العيد، لقوله تعالى فيها: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخروج﴾ [ق: 42] وقوله: ﴿كَذَلِكَ الخروج﴾ [ق: 11] وقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44] ، فإن العيد يوم الزينة فينبغي أن لا ينسى الإنسان خروجَه إلى عَرْصَاتِ الحِسَابِ. ولا يكون في ذلك اليوم فرحاً فخوراً ولا يرتكب فسقاً ولا فجوراً. والعامة على سكون الفاء من قاف. وقد تقدم. وفتحها عيسى، وكسرها الحسن، وابن أبي إسحاق، وضمها هارون وابن السميقع وقد مضى توجيه ذلك، وهو أن الفتح يحتمل البناء على الفتح للتخفيف، أو يكون منصوباً بفعل مقدر ومنع الصرف أو مجروراً بحرف قسم مقدر وإنَّما مُنعَ الصرف أيضاً. والضم على أنه مبتدأ وخبره منع الصرف أيضاً. قال ابن الخطيب: فأما القراءة فيها فإن قلنا: هي مبنية على ما بينا فحقّها الوقف؛ إذ لا عامل فيها ويجوز الكسر حذراً من التقاء الساكنين، ويجوز الفتح اختياراً للأخَفِّ. فإن قيل: كيف جاز اختيار الفتح هَهُنَا ولم يَجُزْ عند التقاء الساكنين إذا كان أحدهما آخر كلمة والآخر أول كلمة أخرى، كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ [البينة: 1] ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: 52] ؟! . نقول: لأن هناك إنما وجب التحريك لأن الكسرة في الفعل تشبه حركة الإعراب، لأن الفعل إنما كان محلاً للرفع والنصب ولا يوجد فيه الجر اختير الكسرة التي لا يخفى على أحد أنها ليست بجر؛ لأن الفعل لا يجوز فيه الجر، ولو فتح لاشتبه بالنصب، وأما في أواخر الأسماء الاشتباه لازم، لأن الاسم محِلّ يرد عليه الحركات الثلاث فلم يمكن الاحتراز فاختاروا الأخَفَّ. وإن قلنا: إنها حرف مقسم به فحقها الجر، ويجوز النصب على أنه مفعول به ب «أُقْسِمُ» على وجه الاتصال وتقدير الباء كأن لم يوجد. وإن قلنا: هي اسم السورة، فإن قلنا: مقسم بها مع ذلك فحقها الفتح لأنها لا تنصرف حينئذ فتفتح في موضع الجر كما تقول: «وإِبْرَاهِيمَ وأَحْمَدَ» ، إذا أقسمت بهما وإن قلنا: (إنه) ليس مقسماً بها فإن قلنا: هي اسم السورة فحقها الرفع إذا جعلناها خبراً تقديره: «هَذِهِ ق» وإن قلنا: هو من قَفَا يَقْفُو فحقه التنوين كقولنا: هَذَا دَاعٍ ورَاعٍ. وإن قلنا: اسم جبل فالجر والتنوين وإِن كان قسماً. قوله: «وَالقُرْآنِ المَجِيدِ» قسم، وفي جوابه أوجه: أحدها: أنه قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض﴾ . الثاني: ﴿مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ﴾ [ق: 29] . الثالث: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ [ق: 18] . الرابع: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى﴾ [ق: 37] . الخامس: «بَلْ عَجِبُوا» . وهو قول كوفي، قالوا: لأنه بمعنى قَدْ عجبُوا. السادس: أنه محذوف، فقدّره الزجاج والأخفش والمبرد: لَتُبْعَثُنَّ، وغيرهم: لَقَدْ جِئْتَهُمْ مُنْذِراً. واعلم أن جوابات القسم سبعة، إنَّ المشددة كقوله: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 1 و2] ، و «مَا» النافية كقوله: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 1 - 3] واللام المفتوحة كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ [الحجر: 92] وإنْ الخفيفة كقوله: ﴿تالله إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 97] ولا النافية كقوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: 38] ، و «قَدْ» كقوله: ﴿والشمس وَضُحَاهَا والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا والسمآء وَمَا بَنَاهَا والأرض وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 1 - 9] ، وبَلْ كقوله: ﴿والقرآن المجيد بَلْ عجبوا﴾ . والمجيدُ: العظيم. وقيل: المجيدُ: الكثير الكرم. فإن قلنا: المجيد العظيم، فلأن القرآن عظيم الفائدة ولأنه ذكر الله العظيم، وذكر العظيم عظيم ولأنه لم يقدر عليه أحدٌ من الخلق، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: 87] . ولا يبدل ولا يغير ولا يأتيهِ الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن قلنا: المجيد هو الكثير الكفر فالقرآن كريم كل من طلب منه مقصوداً وَجَدَهُ، ويغني كل من لاَذَ به وإِغناء المحتاج غاية الكرم. فإن قيل: القرآن مقسم به فما المقسم عليه؟ . فالجواب: أن المقسم عليه إما أن يفهم بقرينة حالية أو قرينة مَقَالِيَّة، والمقالية إما أن تكون متقدمة على المقسم به أو متأخرة، فإن فهم من قرينة مقالية متقدمة، فلا يتقدم هنا لفظاً إلا «ق» فيكون التقدير: هذَا ق والقرآنِ، أو ق أنزلها الله تعالى والقرآنِ، كقولك: هذَا حَاتِمٌ واللَّهِ؛ أي هو المشهور بالسخاء، وتقول: الهلالُ واللَّهِ أيْ رأيته واللَّهِ. وإن فهم من قرينة مقالية متأخرة فذلك أمران: أحدهما: أن التقدير: والقرآن المجيد إنك المنذر، أو والقرآن المجيد إن الرجع لكائن، لأن كلام الأمرين ورد طاهراً، أما الأوّل فقوله تعالى: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1 - 2] إلى أن قال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً﴾ [يس: 6] . وأما الثاني: فقوله تعالى: ﴿والطور وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: 1 - 7] . قال ابن الخطيب: وهذا الوجه يظهر غاية الظهور على قال من قال: «ق» اسم جبل فإن القسم يكون بالجبل والقرآن، وهناك أقسم بالطور والكتاب المسطور وهو الجبل والقرآن وإن فهم بقرينة حالية فهو كون محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على الحق فإِن الكفار كانوا ينكرون ذلك. قوله: «بَلْ عَجِبُوا» يقتضي أن يكون هناك أمرٌ مضروبٌ عنه فما ذلك؟ أجاب الواحدي ووافقه الزمخشريّ أنه تقرير كأنه قال: ما الأمر كما تقولون. قال ابن الخطيب: والتقدير والقرآن المجيد إنك لمنذر، وكأنه قال بعده: إنهم شكوا فيه. ثم أضرب عنه وقال: بَلْ عَجبُوا أي فلم يكتفوا بالشك ولا بالردِّ حتى عَجِبُوا بل جَزَمُوا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمُور العجيبَة. فإن قيل: فما الحكمة في هذا الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم عليه والمُضْرَب عنه، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر إلا بالتوثيق العزيز؟ {. قال ابن الخطيب: أما حذف المقسم عليه فلأن الترك في بعض المواضع يفهم منه ظهور لا يفهم من الذكر، لأن من ذكر المَلِكَ العظيم في مجلس، وأثنى عليه يكون قد عَظَّمَهُ، فإذا قال له غيره: هو لا يذكر في هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالاًّ على عظمة فوق ما استفيد بذكره فالله (تعالى) ذكر المقسم عليه لبيان هو أظهر من أن يذكر. وأما حذف المُضْرب عنه، فلأن المُضْرَب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمرٍ آخر، وكان بين المذكورين تفاوتٌ ما، فإذا عظم التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب، مثاله يحسن أن يقال: الوَزيرُ يعظم، فلا يماثل الملك بعظمه، ولا يحسن أن يقال: البوابُ يُعَظَّم فلا يماثل الملك بعظمه لكون البوْن بينهما بعيداً، إذ الإِضراب للتدريج، فإِذا ترك المتكلم المُضْرَبَ عنه صريحاً وأتى بحرف الإضراب اسْتُفِيدَ منه أمران: أحدهما: الإشارة إلى أمر آخر قبله مضربٌ عنه. والثاني: عِظَم التفاوت بينهما: وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البُرهان بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما يكون من البعد فالعجب منه أبعد. قوله: «أَنْ جَاءَهُمْ» فيه سؤال، وهو: أنْ مع الفعل بتقدير المصدر ... تقول: «أُمِرْتُ بأَنْ أَقُومَ وأمرت بالقيام» ، وإذا كان كذلك فلم ترك الإتيان بما هو في معنى المصدر ما يجب ذكره عند الإتيان بالمصدر حيث جاز (أن تقول) : أمرت أَنْ أقومَ من غير باء، ولا يجوز أن تقول: أُمِرْتُ القِيَامَ بل لا بد من الباء ولذلك قال: عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ، ولا يجوز أن يقال: عَجبُوا مَجيئَهُ بل لا بد من قولك: عَجِبُوا مِنْ مَجِيئه} . والجواب: أن قوله: أَنْ جَاءَهُمْ وإن كان في المعنى قائماً مَقَام المَصْدَر، لكنه في الصورة تقدير، وحروف التقدير كلها حروف جارَّة، والجارُّ لا يَدْخُل على الفعل فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقلّ من أن يجوز الدخول فجاز أن يقال: عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ، ولا يجوز: عجبوا مَجِيئَهُمْ؛ لعدم جواز إِدْخَال الحَرْف عَلَيْهِ. قوله: «مِنْهُمْ» أي يعرفون نَسَبَهُ وصدقه وأَمَانَتَهُ، وهذا يصلح أن يكون مذكوراً لتقرير تَعَجُّبهمْ ويصلح أن يكون مذكوراً لإبطال تَعَجبهم، أما وجه تقرير تعجبهم فلأنهم كانوا يقولون: ﴿أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ﴾ [القمر: 24] و ﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: 15] وذلك إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصه بهذه المنزلة الرفيعة مع اشتراكنا في الحقيقة واللوازم؟ وأما تقدير الإبطال فلأنه إذا كان واحداً منهم ويرى بين أظهرهم وظهر منه ما عجزوا عنه كلهم ومن بعدهم فكان يجب عليهم أن يقولوا: هذا ليس من عنده ولا من عند أحد من جِنْسنَا فهو من عند الله بخلاف ما لو جاءهم واحدٌ من خلاف جنْسهم، وأتى بما يعجزون عنه فإنهم كانوا يقولون: نحن لا نقدر على ذلك، لأن لكل نوع خاصيةً كما أن النّعامة تبلع النَّار، وابن آدم لا يقدر على ذلك. قوله: ﴿فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ قال الزمخشري: هذا تعجّبٌ آخرُ من أمر آخرَ، وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ فتعجبوا من كونه منذراً ومن وقوع الحَشْر، ويدل عليه قوله في أول «ص» : ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ [ص: 4] وقال: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] فذكر تعجبهم من أمرين. قال ابن الخطيب: والظاهر أن قولَهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر، لأن هناك ذكر: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ بعد الاستفهام الإنكاري فقال: {أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] وقال ههنا: إنَّ ﴿هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ، ولم يكن هناك ما تقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر، ثم قالوا: «أَئِذَا متْنَا» ، وأيضاً أن ههنا وُجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أَمرٌ يؤدي معنى التعجب، وهو قولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ ؛ فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب أيضاً عائداً إليه لكان كالتكرار. فإن قيل: التكرار الصريح يلزم من قولك: ﴿هذا شيء عجيب﴾ يعود إلى مجيء المنذر فإن تعجبهم منه علم من قوله: ﴿وعجبوا أن جاءهم﴾ فقوله: ﴿هذا شيء عجيب﴾ ليس تكراراً ﴿. نقول: ذلك ليس بتكرار، بل هو تقرير؛ لأنه لما قال: بل عجبوا بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجباً كقوله (تعالى) : {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [هود: 73] ويقال في العرف: لا وجه لِتَعَجُّبِكَ مما ليس بعجب، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم: لا معنى لتَعَجُّبِكُمْ، فقالوا: هذا شيء عجيب فكيف لا نعجب منه؟} ويدل على ذلك قوله تعالى ههنا: ﴿فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ بحرف الفاء وقال في «ص» : ﴿وقال الكافرون هذا ساحر﴾ بحرف الواو فكان نعتاً غير مرتب على ما تقدم، وهذا شيء عجيب أمر مرتب على ما تقدم، أي لما عجبوا أنكروا عليهم ذلك فقالوا: هذا شيء عجيب كيف لا نعجب منه؟ ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ بلفظ الإشارة إلى البعيد. قوله: «هذا ساحر» إشارة إلى الحاضر القريب فيَنْبَغي أن يكون المشار إليه بذلك غير المشار إليه بهَذَا، وهذا لا يصحُّ إلا على قولنا. قوله: «أَئِذَا مِتْنَا» قرأ العامَّة بالاستفهام؛ وابن عامر - في رواية - وأبو جعفر والأعْمش والأعْرج بهمزة واحدة فيحتمل الاستفهام كالجمهور. وإنما حذف الأداة للدلالة، ويحتمل الإخبار بذلك، والناصب للظرف في قراءة الجمهور مقدر أي أنُبْعَثُ أو أنَرْجِعُ إِذا مِتْنَا. وجواب «إذا» على قراءة الخبر محذوف أي رَجَعْنَا. وقيل قوله: «ذَلِكَ رَجْعٌ» على حذف الفاء، وهذا رأي بعضهم. والجمهور لا يجوز ذلك إلاَّ في شعر (وقال الزمخشري) : ويجوز أن يكون الرَّجْعُ بمعنى المرجوع وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى استبعاداً لإنكارهم ما أنذروا به من البعث والوقف على «ما» على هذا التفسير حَسَنٌ. فإن قيل: فما ناصب الظرف إذا كان الرَّجْعُ بمعنى المرجوع؟ . فالجواب: ما دلّ عليه المُنْذِر من المُنْذَرِ به وهو البَعْثُ. فصل قال ابن الخطيب: «ذلك» إشارة إلى ما قاله وهو الإنذار، وقوله: هذا شيء عجيب إشارة إلى المجيء فلما اختلفت الصفتان نقول: المجيء والجائي كل واحد حاضراً وأما الإنذار وإن كان حاضراً لكن المنذر به كان جازماً على الحاضر، فقالوا فيه ذلك. والرجوع مصدر رَجَعَ إذا كان متعدياً والرجوعُ مصدر إذا كان لازماً وكذلك الرُّجعى مصدر عند لُزُومه. والرجوع أيضاً يصحّ مصدراً للاَّزم فيحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ أي رجوعٌ بعيد، ويحتمل أن يكون المراد: الرّجْعَى المتعدِّي، ويدل على الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ [العلق: 8] وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة﴾ [النازعات: 10] أي مرجوعون؛ فإنه من الرجوع المتعدي. فإن قلنا: هو من المتعدي فقد أنكروا كونه مقدوراً في نفسه. فصل قال المفسرون: تقديره: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً نُبْعَثُ، ترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه: «ذَلِكَ رَجْعٌ» أي رد إلى الحياة «بَعِيدٌ» غير كائن أي يَبْعُدُ أنْ نُبْعَثَ بعد الموت. قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ﴾ أي تأكل من لحومِهِم ودمائِهِم وعِظَامهم، لا يعزب عن علمه شيء. وقال السدي: هو الموت يَقُول: قد علمنا من يموتُ منهم، ومن يبقى. وهذه الآية تدل على جواز البعث وقدرته تعالى عليه، لأن الله سبحانه وتعالى عالم بأجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء واحد بجزء الآخر، وقادر على الجمع والتأليف فليس الرجعُ منه ببعيدٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الخلاق العليم﴾ [يس: 81] . حيث جعل العلم مدخلاً في الإعادة وهذا جواب لِمَا كانوا يقولون: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] أي أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فيرجعهم ويعذبهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون. قوله تعالى: ﴿وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي محفوظ من الشياطين ومن أن يَدْرِس أو يتغيَّر. وهو اللوح المحفوظ. وقيل: معناه حافظ لعدتهم وأسمائهم وأعمالهم: قال ابن الخطيب: وهذا هو الأصحّ؛ لأن الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود 86] وقال: ﴿الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: 6] ولأن الكتاب للتمثيل ومعناه: العلم عندي كما يكون في الكتاب، فهو يحفظ الأشياء وهو مستغن عن أن يحفظ. قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ﴾ هذا إضراب ثانٍ، قال الزمخشري: إضراب أتبع للإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق. وقال أبو حيان: وكان هذا الإضراب الثاني بدلاً من الأوّل. قال شهاب الدين: وإطلاق مثل هذا في كتاب الله لا يجوز ألبتة. وقيل: قبل هذه الآية جملة مضرب عنها تقديرها: ما أجازُوا النظر بَلْ كَذَّبوا. وما قاله الزمخشري أحسَنُ. فصل في المضروب عنه وجهان: أحدهما: أنه الشكّ تقديره: والقرآن المجيد إنَّك لَمُنْذرٌ، وإنهم شكوا فيك بل عجبوا بل كذبوا. والثاني: تقديره: لم يكذب المنذر بل كذبوا هم. وفي المراد بالحق وجوه: الأول: البرهان القائم على صدق الرسول - (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -) . الثاني: الفرقان المنزلُ وهو قريب من الأول؛ لأنه برهانٌ. الثالث: السورة الثابتة بالمعجوة القاهرة فإِنَّها حَقٌّ. الرابع: الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق. فإن قيل: ما معنى الباء في قوله تعالى: (بالحَقِّ) ؟ وأيةُ حاجة إليها؟ يعني أن التكذيبَ متعدٍّ بنفسه فهلْ هي التعدية إلى مفعول ثانٍ أو هي زائدة كما هي قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ [القلم: 5 و6] . فالجواب: أنها في هذا الموضع لإظهار التعدية؛ لأن التكذيب (هو النسبة إلى الكذب) لكن النسبة توجد تارة في القائلِ وأخرى في القول، تقول: كَذَّبَنِي فلانٌ وكنت صادقاً ويقول: كَذَّبَ فلانٌ قَوْلِي، ويقال: كَذَّبَه أي جعله كاذباً وتقول: قلتُ لفلان: زيدٌ يجيء غداً، فتأخر عمداً حتى كَذَّبَنِي أو كذب قولي. والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين﴾ [الشعراء: 141] وقال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر﴾ [القمر: 23] وفي القول كذلك غيرَ أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الأعراف: 64] وقال: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: 4] . وفي القول الاستعمال بالباء أكثر قال تعالى: ﴿كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا﴾ [القمر: 42] وقال: ﴿كَذَّبُواْ بالحق﴾ [ق: 5] . وقال: ﴿وَكَذَّبَ بالصدق﴾ [الزمر: 32] . والتحقيق فيه أن الفعل المطلق هو المصدر، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل، فإن من ضَرَبَ لم يصدر منه غير الضَّرب، غير أن له محلاً يقع فيه يسمى مضروباً. ثم إن كان ظاهراً لكونه محلاً للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف يقال: ضَرَبْتُ عمراً وشَرِبْتُ مَاءً للعلم بأن الضرب لا بدَّ له من محِل يقوم به وكذلك الشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه؛ فإذا قلت: مَرَرْتُ يحتاج إلى الحرف ليظهر معنى التعدية، لعدم ظهوره في نفسه؛ لأن قولك: مَرَّ السَّحَاب يفهم منه مُرُور، (و) لا يفهم مَنْ مَرَّ به. ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضَّرْبِ والشُّرب وفي الخفاء فوق المرور، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف للظهور الذي فوق ظهور المرور، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب، ولهذا لا يجوز أن تقول: ضَرَبْتُ بعَمْروٍ إلا إذا جعلته آلة الضرب، أما إذا ضربته بسوطٍ أو غيره فَلاَ يجوز فيه زيادة الباء، ولا يجوز: مَرَرْتُهُ إلا مع الاشتراك وتقول: مَسَحْتُهُ ومسحتُ به، وشَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ لأن المسحَ إمرار اليد بالشيء فصار كالمُرور والشكر فعل جميل غير أنه يقع لمحسن فالأصل في الشكر الفعل الجميل وكونه واقعاً لغيره كالتَّبَع بخلاف الضرب فإنه إمساسُ جسمٍ بجسم بعنف، فالمضروب داخل في مفهوم الضَّرْب أولاً، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانياً، وإذا عرف هذا فالتكذيب في القائل طاهر، لأنه هو الذي يصدق أو يكذب وفي القول غير ظاهر، فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية، وقوله: «لما جاءهم» هو المكذب تقديره: وكَذَّبوا بالحق لما جاءهم الحَقُّ أي لم يؤخروه إلى التفَكر والتدبر. قوله: لَمَّا جَاءَهُمْ العامة على تشديد «لما» ، وهي إما حرف وجوب لوجوب أو ظرف بمعنى حين كما تقدم. وقرأ الجَحْدريّ لِمَا - بكسر اللام وتخفيف الميم - على أنها لام الجر دخلت على ما المصدرية وهي نظير قولهم: كَتَبْتُهُ لخمسٍ خَلَوْنَ أي عندها. قوله: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أي مختلط، قال أبو واقد: 4506 - ومَرِجَ الدِّينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ... مُشْرِفَ الأَقْطَارِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ وقال آخر: 4507 - فَجَالَتْ والتَمَسْتُ به حَشَاهَا ... فَخَرَّ كَأَنَّهُ خُوطٌ مَرِيجُ وأصله من الحركة والاضطراب، ومنه: مرج الخاتم في إصبعه وقال سعيد بن جبير ومجاهد: ملتبس. فصل قال قتادة: معناه من ترك الحق مرج إليه أمره وألبس عليه دينه. وقال الحسن: ما ترك قومٌ الحقّ إلا مَرج أمرُهُمْ. وقال الزجاج: معنى اختلاط أمرهم أنهم يقولون للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مرة شاعرٌ، ومرة ساحرٌ، ومرة معلّمٌ، ومرة كاهنٌ، ومرة معترّ ومرة ينسبونه إلى الجنون فكان أمرهم مُخْتَلِطاً ملتبساً عليهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب