الباحث القرآني

قوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: فعليكم إمساك، هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه؛ وذلك أن الرجل كان يطلق امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فنسخ الله ذلك بأنه إذا طلق ثلاثاً، لم تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر. وقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقيل: هي محكمة، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] تبيين لقوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾ . ومن قال: إنها محكمة منهم، قال: "لا ينبغي أن يطلق إلا اثنتين، ثم إن شاء طلق الثالثة أو أمسك لقوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾. قاله عكرمة. وقال الشافعي: "يطلقها في كل طهر لم يجامعها فيه ما شاء". وقال أكثر الناس: "يطلقها في كل طهر طلقة واحدة". * * * ومعنى ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾: أي: الطلاق الذي يجوز معه الرجعة وتملك المرأة بعده مرتان، فهو تبيين للعدد. [وقوله]: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾. هي الثالثة التي لا ملك للرجل على المرأة بعدها، روي ذلك عن النبي [عليه السلام]. وقيل: معنى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾: يتركها فلا يراجعها حتى توفي عدتها. وعن ابن عباس: ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾: "لا يظلمها من حقها شيئاً". قال ابن عباس: "﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢١] هو ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي صحبة حسنة، أو ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾، لا يظلمها من حقها شيئاً". * * * قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾. أي مما أعطيتموهن إذا أردتم فراقهن. * * * قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾. اختار أبو عبيد الضم في ﴿يَخَافَآ﴾ على قراءة حمزة، واحتج بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾، فجعل الخوف لغيرهما، ولم يقل: "فإن خافا". وفيه حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان". والخوف هنا عند أبي عبيدة بمعنى اليقين. وهذا النص إنما هو في الخلع الذي يكون بين الزوجين، فيأخذ منها ما اتفقا عليه، ويتركها لقوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾. ولا يحل للزوج أن يأخذ من المرأة شيئاً على طلاقها إذا كانت المضارة من قبله، وإنما يأخذ منها على الطلاق إذا كانت هي التي كرهته، وأحبت فراقه من غير مضارة منه لها. وهذه الآية عند بعضهم منسوخة، ولا يجوز أن يأخذ منها شيئاً نسخها قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: ٢٠]. وأكثر الناس على أنها محكمة، وأن له أن يأخذ منها ما اتفقا عليه، وتلك الآية في النساء إنما هي لمن أراد الاستبدال، وهذه لمن خيف منهما ألا يقيما حدود الله، فهما محكمتان. وروي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي [بن] سلول وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه ويحبها، فأتت أباها فردها ولم يشكها، فصارت إلى النبي ﷺ وقالت: "إن ثابتاً [يظلمني ويضربني]. فأحضر رسول الله ﷺ ثابتاً فقال: "والله يا رسول الله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي منها سواك". فقال للمرأة: "مَا تَقُولِينَ؟. فقالت: "يا رسول الله، ما كنت لأخبرك بخبر ينزل عليك الوحي بإبطاله، هو كما وصف، وفرق بيني وبينه". فقال ثابت: "فترد إلي الحديقة التي جعلتها لها". فأمرها النبي ﷺ بردها، ثم طلقها، وكان ذلك أول خلع كان في الإسلام. والخلع جائز بغير سلطان، وإنما يكون الخلع والافتداء إذا كان النشوز من قبل المرأة. قال ابن عباس: "هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة للرجل، فله أن يأخذ ما أعطته ويفارقها، فإن كانت راضية به، فلا يحل له أن يضارر بها حتى تفتدي منه، فإن فعل كان ما أخذ حراماً". وإنما الخلع إذا كان الشيء المنكر من قبلها؛ فتقول: "لا أغتسل لك من جنابة، ولا أَبَرُّ لَكَ قسماً" ثم افتدت منه وخالعها، فذلك جائز حسن. وقال القاسم بن محمد: "لا يحل الخلع حتى يخافا جميعاً ألا يقيما حدود الله في العشرة الواجبة بينهما". وقال زيد بن أسلم: "إذا خافت المرأة ألا تؤدي حق زوجها وخاف الرجل ألا يؤدي حق زوجته، فلا جناح في الفدية". قال مالك: "الأمر عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم تُؤتَ من قبله وأحبت فراقه فحلال ما افتدت به". قال: "ولم أرَ أحداً ممن يُقتدى به، يكره أن يفتدي بأكثر من صداقها". وقال أبو حنيفة: "لا يكون بأكثر مما ساق إليها". والخلع طلقة بائنة عند جماعة من الصحابة والتابعين، وهي قول مالك والشافعي وغيرهما من الفقهاء. وعدتها عدة المطلقة عند مالك والشافعي وغيرهما. وهو مروي عند جماعة من الصحابة والتابعين. ولا سبيل لزوج المختلعة إليها إلا بخطبة ونكاح جديد عند مالك والأوزاعي. وهو قول عطاء وطاوس والحسن والنخعي والثوري. وقال ابن المسيب: "يَرُدُّ عليها ما أخذ منها، وليشهد على رجعتها". وكذلك قال الزهري. قال مالك: "عليها أن تكمل بقية عدتها". وكذلك قال الحسن وعطاء، ثم بعد ذلك يراجعها بنكاح جديد إن شاء. * * * وقوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. أي لا جناح عليها فيما أعطت إذا كان النشوز من قبلها. ولا جناح عليه فيما أخذ إذا كان الضرر من قبلها. وقيل: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: هو مخاطبة للزوج وحده فيما أخذ منها ليتركها، وهذا كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من الملح لا من العذب. وكما قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، وإنما الناسي صاحب موسى. وتقول: "عندي دابتان أركبهما وأسقي عليهما"، وإنما تركب إحداهما. * * * وقوله: ﴿فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾. قيل: من صداقها الذي كان أعطاها، لقوله: ﴿مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾. والذي أعطاها هو الصداق فرجع آخر الآية على أولها وكان ذلك أبين وأليق بالكلام. قال ذلك الأوزاعي. وكره الشعبي أن يأخذ منها إلا ما ساق أو دونه" (وروي) ذلك عن علي رضي الله عنه. وأكثر الناس على أن له أن يأخذ ما رضيت به من قليل كان أو كثير لعموم الآية. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة. * * * قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾. أي هذه حدوده. "وتلك" إشارة إلى الآيات التي تقدمت من قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ إلى: ﴿فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾. فمعنى: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ أي لا [﴿تجاوزوها إلى ما لم يأمركم به، ومن تجاوزها﴾] فهو ظالم. وقد قال الضحاك: "معناه: من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم"، وأنكر ذلك غيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب