الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي قال عيسى ﷺ وعزيراً، والملائكة تنزيهاً لك يا ربنا وبراءةً مما أضاف إليك هؤلاء المشركون. ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بل أنت ولينا من دونهم. ﴿وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ﴾ بالمال في الدنيا والصحة ﴿حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ﴾ أي: ذكرك. ﴿وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى. قيل: إن أعمارهم طالت بعد موت الرسل فنسوا وهلكوا. قال الحسن: البور الذي ليس فيه خير، وكذلك قال: ابن زيد، والعرب تقول لما فسد وهلك أو كسد: بائر ومنه بارت السوق "ومن في ﴿مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ زائدة، زيدت للتوكيد بعد النفي، وأولياء في موضع نصب يتخذ، والمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، فكيف يتخذنا أحد أولياء من دونك، وكيف نرضى بذلك، نحن لا نرضى بذلك لأنفسنا، فكيف نرضاه لغيرنا، ووقع هذا الجواب على المعنى لا على اللفظ، لأنه ليس بجواب لقوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ ولكن حمل الجواب على المعنى لأن من عبد شيء فقد تولاه، ومن تولى شيئا فالمتولى ولي للمتولي، فكلاهما ولي للآخر، فلذلك قالوا: ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ فجاء الجواب على المعنى هذا يسمى التدريج عند بعض أهل النظر، ومثله قوله: ﴿أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] فأتى الجواب على المعنى، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ فكأنه قال: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، اتخذوكم أولياء يعبدونكم فقالوا: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ وكذلك قوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ معناه: أنتم اتخذتم عبادي أولياء فضلوا. فقالوا: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾. وقرأ الحسن وأبو جعفر ﴿أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بضم النون وفتح الخاء. قال أبو عمرو: لو كانت نُتخذ لحُذفت "من" الثانية: فقلت أن نتخذ من دونك أولياء. وأجازه الفراء والكسائي: على بُعد وقُبح، وذلك لا يجوز عند البصريين لأن أولياء ليس بمفعول على هذه القراءة واحد في معنى الجمع وإنما تدخل "من" على الواحد الذي في معنى الجماعة، ألا ترى أنك تقول، ما رأيت رجلاً، فإن أردت النفي العام قلت: ما رأيت من رجل، وليس ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في قراءة من ضم النون واحدا في معنى جماعة، ألا ترى أنك لو قلت: ما اتخذت أحداً وليّاً لي جاز أن تقول ما اتخذت من أحد وليا، لأن أحدا في معنى الجماعة، أحداً من ولي لم يجز إذ ليس ولي في معنى الجماعة، فكذلك القراءة بضم النون، تقبح مع ثبات "من" قبل أولياء فافهمه. ويتمكن على هذه القراءة عند من جوزها أن يكون المحشورون المسؤولون هم: الأصنام والأوثان، يحييها الله فتقول ذلك. ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: فقد كذبكم أيها الكافرون، من زعمتم أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم. "بما تقولون"، أي: بقولكم فمعناه كذبوكم بكذبكم. وقال ابن زيد معناه، فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ﷺ من عند الله أي: بما تقولون من الحق. قال: أبو عبيد تقديره فقد كذبوكم فيما يقولون. هذا كله على قراءة من قرأ بالتاء، فأما من قرأ بالياء فمعناه: فقد كذبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ﴾ الآية، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً﴾. قال: ابن جريج: معناه: صرف العذاب عنهم ولا ينتصرون. وقيل: المعنى: فما يستطيعون لك يا محمد صرفاً عن الحق ولا نصراً لأنفسهم مما هم فيه من البلاء. وقيل: معناه: فريضة ولا نافلة. قال ابن زيد: ينادي منادٍ يوم القيامة: مالكم لا تناصرون، أي: من عُبد من دون الله لم ينصر اليوم من عَبده. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ أي: من يشرك بالله فقد ظلم نفسه بذلك. قال الحسن وابن جريج: الظلم هنا: الشرك * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾، الآية: رد على المشركين الذين قالوا: ﴿مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾ أي: لقد علموا يا محمد أنه ما أرسل من قبلك من رسول إلا أنه ليأكل الطعام لأنه بشر من بني آدم، ويمشي في الأسواق فليس عليك في ذلك لا نقص ولا حجة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، أي: بلاءً واختباراً، اختبرنا بعضكم لبعض، فجعلنا هذا نبياً، وهذا ملكاً، وهذا فقيراً، وهذا غنياً. قال الحسن: في معنى الآية، يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان. وقال ابن جريج: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا فيقول: لم يعطين مثل ما أعطى فلاناً، ويُبتلى بالوجع كذلك فيقول: لم يجعلني ربي صحيحاً مثل فلان في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع وقيل في معنى الآية، إن الشريف كان يريد أن يسلم فيمنعه من ذلك أن من هو دونه قد أسلم قبله فيقول: أعيّر بسبقه إياي. وإنه بعض الزمنى والفقراء كان يقول لم أكن غنياً صحيحاً فأسلم. ثم قال عز وجل: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾، أي: إن صبرتم فقد علمتم أجر الصابرين. قال الضاحك: معناه أتصبرون على الحق. وقيل: معناه: لنعلم أتصبرون، وبه يتم الجواب، لقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي: إن ربكم لبصير بمن يصبر، ويجزع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب