الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: إذا مس الإنسان ضرّ في بدنه أو شدة أو ضيق استغاث بربه الذي خلقه في كَشْفِ ما نَزَلَ به، تائباً إليه مما كان عليه قبل ذلك من الكفر والشرك. قال قتادة: منيباً إليه: مخلصاً. وقوله ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ﴾، أي: أعطاه عافية وفرجاً مما نزل به. يقال لمن أعطي غيره عطية: قد خوّله كذا وكذا. * * * وقوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾، أي: ترك دعاءه الذي كان يدعو إلى الله من قبل أن يكشف ما كان به، و "ما" والفعل مصدر، والمعنى: ترك كون الدعاء منه إلى الله عز وجل. ومن جعلها بمعنى "الذي" جعل "ما" لمن يعقل فيكون لله سبحانه. والمعنى: ترك ما كان يدعو الله من قَبْلِ كَشْفِ الضُّرّ عنه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً﴾، أي: شركاء. قال السدي: هذا كله في الكافر خاصة. قال السدي: الأنداد هنا من الرجال يطيعونهم في معاصي الله جلّ ذكره. وقيل: الأنداد: الأوثان. * * * ثم قال: ﴿لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ من ضم الياء، فمعناه: فعل ذلك ليزيل الناس عن توحيد الله سبحانه والإقرار به والدخول في دينه، ومن فتح الياء، فمعناه: ليَضِلَّ في نفسه عن دين الله سبحانه. والتقدير: إنه لما كان أمره لعبادة الأوثان يؤول إلى الضلال كان كأنه إنما فعل ذلك ليصير ضالاً. وقد تقدم شرح هذا بأبين من هذا. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ﴾، أي: قل يا محمد لهذا الكافر (لنعم الله) تمتع بكفرك إلى أن تستوفيَ أجلك إنك في الآخرة من الماكثين في النار. وهذا لفظ معناه التهدد والوعيد، مثل قوله: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. * * * ثم قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً﴾ من خفف "من" جعله نداء أو رفعه بالإبتداء، ويكون الخبر محذوفاً. والتقدير: أهذا أفضل (أومن) جعل لله أنداداً. ومن شدد فـ "من" في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف على ما قدمنا في التخفيف. وقيل التقدير: أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت لأنه ذكر من جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله. * * * ثم قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، أي: أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت؟ ودل على ذلك قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقيل: "أم" بمعنى الألف، كأنه قال: أمن هو قانت، ويكون الجواب مضمراً بعده كأنه قال: أم من هو قانت كمن مضت صفته من الكفار. قال ابن عباس: القنوت هنا: قراءة القرآن. وآناء الليل: ساعاته، واحدة، أني كمعي وفيه وجوه قد تقدم ذكرها. وقيل القنوت: الطاعة، وهو أصله. وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "كل قنوت في القرآن فهو طاعة لله عز وجل وروى جابر أن النبي ﷺ سئل: "أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". فتأوله جماعة من أهل العلم أنه طول القيام. وسئل ابن عمر عن القنوت، فقال: "ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة القرآن. وقال مجاهد: من القنوت: طول الركوع، وغض الطرف. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وعن ابن عمر: إنها نزلت في عثمان رضي الله عنه. وكانوا يستحبون حسن الملبس في الصلاة. روى نافع أن ابن عمر قال له: قم فصل. قال نافع: فقمت أصلي - وكان عليّ ثوب خلق - فدعاني ابن عمر فقال لي: أرأيتك لو وجهتك في حاجة وراء الجدار، أكنت تمضي هكذا؟! قال: فقلت: كنت أتزين! قال: فالله جل وعز أجل أن يتزين له!!. * * * قوله: ﴿سَاجِداً وَقَآئِماً﴾، أي: يقنت ساجداً أحياناً وقائماً أحياناً ﴿يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾. أي: عذاب الآخرة. ﴿وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، أي: يرجو أن يرحمه ربه فيدخله الجنة. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعة الله عز وجل من الثواب وما عليهم في معصيته من العقاب، والذين لا يعلمون ذلك. يعني: من يؤمن بالبعث والحساب والجزاء والذين لا يؤمنون بذلك. فالمعنى: لا يستوي المطيع والعاصي. وقيل: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم، والذين لا يعلمون هو من لا ينتفع بعلمه، ومن لا علم عنده. * * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾، أي: إنما يعتبر حجج الله عز وجل فيتعظ بها ويتدبرها أصحاب العقول والبصائر. ويقف القارئ على "رحمة ربه" إن شدّد الميم، لأن الخبر المحذوف مقدر قبل "قل هل". ومن خفف وجعل "من" مرفوعة بالابتداء وقف أيضاً على "ربه" ويقدر الخبر أيضاً محذوفاً قبل "قل هل". ومن جعله نداء لم يقف على "ربه"، لأن "قل هل" متصل بالمنادي. والمعنى: يا من هو قانت قل هل، فإن قدرت محذوفاً تتم به فائدة النداء، وقفت على "ربه". والتقدير: "يا من هو قانت أبشر، ثم تبتدئ "قل هل". * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. روى الشموني عن الأعمش عن أبي بكر: "يا عبادي" بياء مفتوحة. والمعنى: قل يا محمد لعبادي المؤمنين: يا عباد الذين آمنوا، أي: صدقوا بالله ورسوله. ﴿ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: اتقوه بطاعته واجتناب معاصيه. ويروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب (الطيّار في الجنة) وأصحابه من المؤمنين لما قيل لهم: ﴿وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾، خرجوا مهاجرين من مكة إلى أرض الحبشة، وقيل لهم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، يعني: الصابرين على دينهم يفرّون به من بلد إلى بلد. * * * ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾، أي: للذين أطاعوا الله في الدنيا، حسنة في الدنيا وهي العافية والصحة، قاله السدي. وقيل: الحسنة التي لهم في الدنيا: موالاة الله إياهم وثناؤه عليهم. وقيل: المعنى: للذين أطاعوا الله في الدنيا حسنة في الآخرة، وهي الجنة. * * * وقوله: ﴿وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾، يعني: أرض الجنة. وقيل: المعنى: أرض الدنيا واسعة، فهاجروا من أرض الشرك إلى أرض السلام. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أرض الدنيا واسعة فهاجروا واعتزلوا الأوثان. وقيل: المعنى: أرض الجنة واسعة لمن طلبها وعمل لها. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: إنما يعطي الله أهل الصبر على طاعته أجرهم في الآخرة بغير حساب. قال قتادة: ما هناكم مكيال ولا ميزان، وقال السدي: ذلك في الجنة. قال مالك، "هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها، وقد بلغني أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد". وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية: قال النبي ﷺ: رب زد أمتي. فنزلت: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ﴾ فقال النبي ﷺ: يا رب زد أمتي، فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وقيل "بغير حساب": بغير تقدير. وقيل: المعنى، يزاد في أجره بغير مطالبة على ما أعطي كما يطالب بالشكر على نعيم الدنيا. ويقال: (فلان صابر): إذا صبر عن المعاصي، فإن أردت أنه صابر على المصيبة، قلت: صابر على كذا. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ﴾، أي قل يا محمد لقومك: إن الله أمرني أن أخلص له العبادة والطاعة، ولا نشرك في عبادته أحداً من أوثانكم وآلهتكم ولا من غيرها. ﴿وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾، أي: وأمرني الله لأن أكون أول من أسلم منكم، وأخضع له بالتوحيد، وأخلص له العبادة. واللام في "لأن" تدل على محذوف تقديره: وأمرت بذلك لأن أكون أول من أسلم. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يعني: يوم القيامة - أي، إن عصيته فيما أمرني به عذبني.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب