الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب