الباحث القرآني

قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 27]. فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ شَهَادَاتِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُفِيدُ الْإِعْلَامَ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَيَتَفَرَّدُ بِعِلْمِهَا الشَّاهِدُ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ عَنْ عِلْمِ مَا كَانَ عَنْهُ الْقَوْمُ غَافِلِينَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَمِيصَ جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا جُذِبَ مِنْ خَلْفِهِ تَمَزَّقَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَإِذَا جُذِبَ مِنْ قُدَّامَ تَمَزَّقَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَا يُجْذَبُ الْقَمِيصُ مِنْ خَلْفِ اللَّابِسِ إلَّا إذَا كَانَ مُدْبِرًا، وَهَذَا فِي الْأَغْلَبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَتَمَزَّقُ [الْقَمِيصُ بِالْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ] إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ ضَعِيفًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَتَكَلَّمُ النَّاسُ فِي هَذَا الشَّاهِدِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: الشَّاهِدُ هُوَ الْقَمِيصُ. الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ ابْنُ عَمِّهَا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْعَزِيزِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ. فَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ الْقَمِيصُ فَكَانَ يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ حَالِهِ بِتَقْدِيرِ مَقَالِهِ؛ فَإِنَّ لِسَانَ الْحَالِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِ الْمَقَالِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَقَدْ تُضِيفُ الْعَرَبُ الْكَلَامَ إلَى الْجَمَادَاتِ بِمَا تُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الصِّفَاتِ، وَمِنْ أَجْلَاهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: قَالَ الْحَائِطُ لِلْوَتَدِ: لِمَ تَشُقُّنِي. قَالَ: سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي، مَا تَرَكَنِي وَرَأْيِي هَذَا الَّذِي وَرَائِي، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: {مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] فِي صِفَةِ الشَّاهِدِ يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ ابْنُ عَمِّهَا أَوْ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لَكِنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] يُعْطِي اخْتِصَاصًا مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ الَّذِي يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ أَرْبَعَةٌ: " عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَابْنُ مَاشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، " وَنَقَصَهُمْ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي «ذَكَرَ النَّبِيُّ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ أَنَّهُمْ لَمَّا حُفِرَتْ لَهُمْ الْأَرْضُ، وَرُمِيَ فِيهَا بِالْحَطَبِ وَأُوقِدَتْ النَّارُ عَلَيْهَا، وَعُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقَعُوا فِيهَا أَوْ يَكْفُرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. فَوَقَفَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ، وَكَانَ فِي ذِرَاعِهَا صَبِيٌّ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ، إنَّك عَلَى الْحَقِّ.» وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وَالثَّانِي: مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُرْضِعُ صَبِيًّا فِي حِجْرِهَا، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ لَهُ شَارَةٌ وَحَوْلَهُ حَفَدَةٌ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلنِي مِثْلَهُ، وَمَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: سَرَقْت وَلَمْ تَسْرِقْ وَزَنَيْت وَلَمْ تَزْنِ. فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. وَأَوْحَى إلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَأَنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ فَعَلَتْ وَهِيَ لَمْ تَفْعَلْ. هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ. فَاَلَّذِي صَحَّ فِيمَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ أَرْبَعَةٌ: صَاحِبُ الْأُخْدُودِ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَهَذَا الصَّبِيُّ الَّذِي تَكَلَّمَ فِي حِجْرِ الْمَرْأَةِ بِالرَّدِّ عَلَى أُمِّهِ فِيمَا اخْتَارَتْهُ وَكَرِهَهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُ [الْعُلَمَاءِ] الْمُفَسِّرِينَ: لَوْ كَانَ هَذَا الْمُشَاهِدُ طِفْلًا لَكَانَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمَهْدِ وَشَهَادَتِهِ آيَةٌ لِيُوسُفَ، وَلَمْ يُحْتَجْ إلَى ثَوْبٍ وَلَا إلَى غَيْرِهِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ يَتَكَلَّمُ فِي الْمَهْدِ مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ الَّذِي كَانُوا عَنْهُ غَافِلِينَ، وَكَانَتْ آيَةً، كَمَا قَالَ: تَبَيَّنَتْ بِهَا بَرَاءَةُ يُوسُفَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ نُطْقِ الصَّبِيِّ، وَمِنْ جِهَةِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ. [مَسْأَلَة الْعَمَلِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَخْذِ الْقَمِيصِ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِقْبَالُ مِنْ دَعْوَاهَا، وَالْإِدْبَارُ مِنْ صِدْقِ يُوسُفَ؛ وَهَذَا أَمْرٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِنَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا. قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ.: أَحَدُهُمَا: أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْعَادَاتِ لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرَائِعُ. أَمَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ وُجُودُ الْمَصَالِحِ فَيَكُونَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، فَإِذَا وُجِدَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا. وَقَدْ اسْتَدَلَّ يَعْقُوبُ بِالْعَلَامَةِ، فَرَوَى الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِخْوَةَ لَمَّا ادَّعَوْا أَكْلَ الذِّئْبِ [لَهُ] قَالَ: أَرُونِي الْقَمِيصَ. فَلَمَّا رَآهُ سَلِيمًا قَالَ: لَقَدْ كَانَ هَذَا الذِّئْبُ حَلِيمًا. وَهَكَذَا فَاطَّرَدَتْ الْعَادَةُ وَالْعَلَامَةُ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُنَاقِضٍ لِقَوْلِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا هِيَ الْبَيَانُ، وَدَرَجَاتُ الْبَيَانِ تَخْتَلِفُ بِعَلَامَةٍ تَارَةً، وَبِأَمَارَةٍ أُخْرَى؛ وَبِشَاهِدٍ أَيْضًا، وَبِشَاهِدَيْنِ ثُمَّ بِأَرْبَعٍ.