الباحث القرآني

قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا نَصٌّ فِي جَوَازِ الْكَفَالَةِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْكَفَالَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ فِيهَا كَفَالَةُ إنْسَانٍ عَنْ إنْسَانٍ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ الْتَزَمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَضَمِنَ عَنْهَا، وَذَلِكَ جَائِزٌ لُغَةً لَازِمٌ شَرْعًا، قَالَ الشَّاعِرُ: فَلَسْت بِآمِرٍ فِيهَا بِسِلْمٍ ... وَلَكِنِّي عَلَى نَفْسِي زَعِيمُ وَقَالَ الْآخَرُ: وَإِنِّي زَعِيمٌ إنْ رَجَعْت مُمَلَّكًا ... بِسَيْرٍ تَرَى مِنْهُ الْغُرَانِقَ أَزْوَرَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ صَحِيحُ [بَيْدَ أَنَّ الزَّعَامَةَ] فِيهِ نَصٌّ، فَإِذَا قَالَ: أَنَا زَعِيمٌ فَمَعْنَاهُ أَنِّي مُلْتَزَمٌ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: أَلْتَزِمُهُ عَنْ نَفْسِي أَوْ الْتَزَمْت عَنْ غَيْرِي؟ [مَسْأَلَة هَلْ تَصِحّ الْكِفَالَة فِي الْحُقُوق الَّتِي لَا تَقْبَل الْإِنَابَة] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا؛ وَأَمَّا كُلُّ حَقٍّ لَا يَقُومُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ كَالْحُدُودِ فَلَا كَفَالَةَ فِيهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَتُرَكَّبُ عَلَى هَذِهِ مَسْأَلَةٌ. [مَسْأَلَة قَالَ أَنَا زَعِيمٌ لَك بِوَجْهِ فُلَانٍ] وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا قَالَ: أَنَا زَعِيمٌ لَك بِوَجْهِ فُلَانٍ. قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ؛ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَجِدُهُ أَمْ لَا؟ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالزَّعَامَةِ تَنْزِيلُ الزَّعِيمِ مَقَامَ الْأَصْلِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ حُضُورِ الْأَصْلِ أَدَاءُ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ الزَّعِيمُ. وَمَسَائِلُ الضَّمَانِ كَثِيرَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْفُرُوعِ. [مَسْأَلَة الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَعَالَةِ وَالْإِجَارَة] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ نَصٌّ فِي الزَّعَامَةِ فَمَعْنَاهَا نَصٌّ فِي الْجَعَالَةِ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْإِجَارَةِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَعَالَةِ وَالْإِجَارَةِ أَنَّ الْإِجَارَةَ يَتَقَدَّرُ فِيهَا الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ، وَالْجَعَالَةُ يَتَقَدَّرُ فِيهَا الْجُعَلُ وَالْعَمَلُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ. وَدَلِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ الْبَيْعَ وَالِابْتِيَاعَ فِي الْأَمْوَالِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَتَبَدُّلِ الْأَحْوَالِ، فَلَمَّا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ شَرَعَ لَهَا سَبِيلَ الْبَيْعِ وَبَيَّنَ أَحْكَامَهُ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمَنَافِعُ كَالْأَمْوَالِ فِي حَاجَةٍ إلَى اسْتِيفَائِهَا؛ إذْ لَا يَقْدِرُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ فِي جَمِيعِ أَغْرَاضِهِ نَصَبَ اللَّهُ الْإِجَارَةَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ بِالْأَعْوَاضِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُصُولِ الْأَغْرَاضِ، وَأَنْكَرَهَا الْأَصَمُّ، وَهُوَ عَنْ الشَّرِيعَةِ أَصَمُّ؛ فَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِجَارَةَ، وَفَعَلَهَا الصَّحَابَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. [مَسْأَلَة تَقْدِيرُ الْعَمَلِ بِالزَّمَانِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ بِالزَّمَانِ، كَقَوْلِهِ: تَخْدُمُنِي الْيَوْمَ. وَقَدْ يَقُولُ: تَخِيطُ لِي هَذَا الثَّوْبَ؛ فَيُقَدَّرُ الْعَمَلُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ جَاءَنِي بِضَالَّتِي أَوْ جَلَبَ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ كَذَا، فَأَحَدُ الْعِوَضَيْنِ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ، وَالْعِوَضُ الْآخَرُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ، فَإِنَّ مَا يَسْقُطُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَتَعَدَّى سُقُوطُهُ إلَى مَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَا مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ، وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَتَقَدَّرُ، وَقَدْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ وَالْجَعَالَةُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّتْهُمَا الشَّرِيعَةُ، وَنَفَتْ عَنْهُمَا الْغَرَرَ وَالْجَهَالَةَ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ. [مَسْأَلَة الْكَفَالَةِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي حَقِيقَةِ الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ: إنَّ الْمُنَادِيَ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا، إنَّمَا كَانَ نَائِبًا عَنْ يُوسُفَ وَرَسُولًا لَهُ، فَشَرَطَ حِمْلَ الْبَعِيرِ عَلَى يُوسُفَ لِمَنْ جَاءَ بِالصُّوَاعِ وَتَحَمَّلَ هُوَ بِهِ عَنْ يُوسُفَ، فَصَارَتْ فِيهِ ثَلَاثُ فَوَائِدَ: الْأَوَّلُ: الْجَعَالَةُ، وَهُوَ عَقْدٌ يَتَقَدَّرُ فِيهِ الثَّمَنُ وَلَا يَتَقَدَّرُ فِيهِ الثَّمَنُ. الثَّانِيَةُ: الْكَفَالَةُ، وَهِيَ هَاهُنَا مُضَافَةٌ إلَى سَبَبٍ مُوجَبٍ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا تَقْرِيرُهُ فِي الْمَسَائِلِ؛ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ فِعْلُ نَبِيٍّ، وَلَا يَكُونُ إلَّا شَرْعًا. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْكَفَالَةِ؛ فَجَوَّزَهَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ مُحَالَةً عَلَى سَبَبِ وُجُوبٍ؛ كَقَوْلِهِ: مَا كَانَ لَك عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ، أَوْ إذَا أَهَلَّ الْهِلَالُ فَلَكَ عَلَيَّ عَنْهُ كَذَا، بِخِلَافِ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ مَحْضٍ، كَقَوْلِهِ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ عَلَى جَوَازِهَا، مُحَالَةً عَلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ. الثَّالِثَةُ: جَهَالَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هِيَ جَائِزَةٌ، وَتَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا مَعَ جَهَالَةِ الشَّيْءِ الْمَضْمُونِ أَوْ كِلَيْهِمَا. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْمَكْفُولِ لَهُ، وَادَّعَى أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مَنْسُوخٌ مِنْ الْآيَةِ خَاصَّةً. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجُعَلِ، وَهِيَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ تَعَلُّقٌ فِي مَذْهَبٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنَّ مَعْرِفَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالْمَضْمُونِ لَهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا؛ أَمَّا مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَلِيُعْلَمَ هَلْ هُوَ أَهْلٌ لِلْإِحْسَانِ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ فَلِيُعْلَمَ هَلْ يَصْلُحُ لِلْمُعَامَلَةِ أَمْ لَا؟ الثَّانِي: أَنَّهُ افْتَقَرَ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَضْمُونِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَعَهُ خَاصَّةً. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِمَا ثَبَتَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ ضَمِنَ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ عَنْ الْمَضْمُونِ لَهُ وَلَا عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ». وَالْآيَةُ نَصٌّ فِي جَهَالَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ، وَحَمْلُ جَهَالَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ عَلَيْهِ أَخَفُّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.