الباحث القرآني

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ. فَقِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ بِهَذَا إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الْأُمَّةَ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَإِنَّ الْقَانِتَ هُوَ الْمُطِيعُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا. فَقُلْت فِي نَفْسِي: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنَّمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: إنَّ إبْرَاهِيمُ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا. فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ الْقَانِتُ؟ قُلْت: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْخَيْرَ. وَالْقَانِتُ لِلَّهِ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُعَلِّمُ الْخَيْرَ، وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَنِيفُ: الْمُخْلِصُ، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ قَائِمًا لِلَّهِ بِحَقِّهِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا، آتَاهُ اللَّهُ رُشْدَهُ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ، فَنَصَحَ لَهُ، وَكَسَّرَ الْأَصْنَامَ، وَبَايَنَ قَوْمَهُ بِالْعَدَاوَةِ، وَدَعَا إلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَلَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ؛ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلَّا يَبْعَثَ نَبِيًّا بَعْدَهُ إلَّا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلَّا يُسَافِرَ فِي الْأَرْضِ، فَتَخْطُرُ سَارَةُ بِقَلْبِهِ إلَّا هَتَكَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا الْحِجَابَ، فَيَرَاهَا، وَكَانَ أَوَّلَ مِنْ اخْتَتَنَ، وَأَقَامَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَضَحَّى، وَعَمِلَ بِالسُّنَنِ نَحْوَ قَصِّ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ فِي الدُّنْيَا، فَاتَّفَقَتْ الْأُمَمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْقُصْ مَا أُعْطِيَ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَظِّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَأُوحِيَ إلَى مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَعَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ، وَيُعَلِّمَ الْأُمَّةَ، فَيَكُونَ فِي دِينِ إبْرَاهِيمَ عَلَى الْمِلَّةِ.