الباحث القرآني

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]. فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {مِنْ بُيُوتِكُمْ} [النحل: 80]: اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ لِسُلُوكِ سَبِيلِ الْمَعَارِفِ أَنَّ كُلَّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك فَهُوَ سَقْفٌ، وَكُلَّ مَا أَقَلَّك فَهُوَ أَرْضٌ، وَكُلَّ مَا سَتَرَك مِنْ جِهَاتِك الْأَرْبَعِ فَهُوَ جِدَارٌ، فَإِذَا انْتَظَمَتْ وَاتَّصَلَتْ فَهُوَ بَيْتٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {سَكَنًا} [النحل: 80]: يَعْنِي مَحَلًّا تَسْكُنُونَ فِيهِ، وَتَهْدَأُ جَوَارِحُكُمْ عَنْ الْحَرَكَةِ، وَقَدْ تَتَحَرَّكُ فِيهِ، وَتَسْكُنُ فِي غَيْرِهِ، إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ خَرَجَ فِيهِ عَلَى غَالِبِ الْحَالِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَرَكَةَ تَكُونُ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْبَيْتِ، فَإِذَا عَادَ الْمَرْءُ إلَيْهِ سَكَنَ. وَبِهَذَا سُمِّيَتْ مَسَاكِنُ لِوُجُودِ السُّكُونِ فِيهَا فِي الْأَغْلَبِ، وَعُدَّ هَذَا فِي جُمْلَةِ النِّعَمِ، فَإِنَّهُ لَوْ خُلِقَ الْعَبْدُ مُضْطَرِبًا أَبَدًا كَالْأَفْلَاكِ لَكَانَ ذَلِكَ كَمَا خُلِقَ وَأَرَادَ، وَلَوْ خُلِقَ سَاكِنًا كَالْأَرْضِ لَكَانَ كَمَا خُلِقَ وَأَرَادَ، وَلَكِنَّهُ أَوْجَدَهُ خَلْقًا يَتَصَرَّفُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَيَخْتَلِفُ حَالُهُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، وَرَدَّدَهُ بَيْنَ كَيْفَ وَأَيْنَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا} [النحل: 80]: يَعْنِي جُلُودَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَإِنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْهَا بُيُوتًا، وَهِيَ الْأَخْبِيَةُ، فَتُضْرَبُ فَيُسْكَنُ فِيهَا، وَيَكُونُ بُنْيَانًا عَالِيهَا وَنَوَاحِيهَا، وَهَذَا أَمْرٌ انْتَشَرَ فِي تِلْكَ الدِّيَارِ، وَعَرِيَتْ عَنْهُ بِلَادُنَا، فَلَا تُضْرَبُ الْأَخْبِيَةُ إلَّا مِنْ الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ. وَقَدْ «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبَّةً مِنْ أَدَمٍ»، وَنَاهِيَك بِأَدِيمِ الطَّائِفِ غَلَاءً فِي الْقِيمَةِ، وَاعْتِلَاءً فِي الصِّفَةِ، وَحُسْنًا فِي الْبَشَرَةِ. وَلَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَفًا وَلَا رَآهُ سَرَفًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَذِنَ فِيهِ مِنْ مَتَاعِهِ، وَظَهَرَتْ وُجُوهُ مَنْفَعَتِهِ فِي الِاكْتِنَانِ وَالِاسْتِظْلَالِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهُ جِنْسُ الْإِنْسَانِ. وَمِنْ غَرِيبِ مَا جَرَى أَنِّي زُرْت بَعْضَ الْمُتَزَهِّدِينَ مِنْ الْغَافِلِينَ مَعَ بَعْضِ رِجَالِ الْمُحَدِّثِينَ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي خِبَاءِ كَتَّانٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ صَاحِبِي الْمُحَدِّثُ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ ضَيْفًا، وَقَالَ: إنَّ هَذَا مَوْضِعٌ يَكْثُرُ فِيهِ الْحَرُّ، وَالْبَيْتُ أَرْفَقُ بِك، وَأَطْيَبُ لِنَفْسِي فِيك. فَقَالَ لَهُ: هَذَا الْخِبَاءُ لَنَا كَثِيرٌ، وَكَانَ فِي صِنْفِهَا مِنْ الْحَقِيرِ. فَقُلْت لَهُ: لَيْسَ كَمَا زَعَمْت، قَدْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَئِيسُ الزُّهَّادِ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ طَائِفِيٍّ يُسَافِرُ مَعَهَا، وَيَسْتَظِلُّ بِهَا، فَبَهَتَ وَرَأَيْته عَلَى مَنْزِلَةٍ مِنْ الْعِيِّ، فَتَرَكْته مَعَ صَاحِبِي، وَخَرَجْت عَنْهُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل: 80]: أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالِانْتِفَاعِ بِصُوفِ الْغَنَمِ، وَوَبَرِ الْإِبِلِ، وَشَعْرِ الْمَعْزِ، كَمَا أَذِنَ فِي الْأَعْظَمِ، وَهُوَ ذَبْحُهَا وَأَكْلُ لُحُومِهَا. كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ لَنَا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ الِانْتِفَاعِ بِهَا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: {أَثَاثًا} [النحل: 80]: هُوَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ آلَةٍ، وَيَفْتَقِرُ إلَيْهِ فِي تَصْرِيفِ مَنَافِعِهِ مِنْ حَاجَةٍ، وَمِنْهُ أَثَاثُ الْبَيْتِ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْكَثْرَةِ، يُقَالُ: أَثَّ النَّبْتُ يَئِثُّ، إذَا كَثُرَ، وَكَذَلِكَ الشَّعْرُ يُقَالُ: شَعْرٌ أَثِيثٌ، إذَا كَانَ كَثِيرًا مُلْتَفًّا. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ: {وَمَتَاعًا} [النحل: 80]: وَهُوَ كُلُّ مَا انْتَفَعَ بِهِ الْمَرْءُ فِي مَصَالِحِهِ، وَصَرَفَهُ فِي حَوَائِجِهِ، يُقَالُ: تَمَتَّعَ الرَّجُلُ بِمَالِهِ إذَا نَالَ لَذَّتَهُ، وَبِبَدَنِهِ إذَا وَجَدَ صِحَّتَهُ، وَبِأَهْلِهِ إذَا أَصَابَ حَاجَتَهُ، وَبِبَنِيهِ إذَا ظَهَرَ بِنُصْرَتِهِمْ، وَبِجِيرَتِهِ إذَا رَأَى مَنْفَعَتَهُمْ. [مَسْأَلَة هَلْ الْمَوْتَ يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]: وَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: إلَى أَنْ يَفْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِاسْتِعْمَالِ. وَقِيلَ: إلَى حِينِ الْمَوْتِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ التَّأْوِيلِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ الْمَوْتَ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الصُّوفِ وَالْوَبَرِ، وَالشَّعْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهَا إذْ الْمَوْتُ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى يَحِلُّ بَعْدَ عَدَمِ الْحَيَاةِ، وَلَمْ تَكُنْ الْحَيَاةُ فِي الصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ فَيَخْلُفُهَا الْمَوْتُ فِيهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَحْرُمُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتَةِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ يَحِلُّ بِبَعْضِهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْمَيْتَةَ وَإِنْ كَانَ اسْمًا يَنْطَلِقُ عَلَى الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِالْحَقِيقَةِ إلَى مَا فِيهِ حَيَاةٌ، فَنَحْنُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا نَعْدِلُ عَنْهَا إلَى سِوَاهَا. وَقَدْ تَعَلَّقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِمْ بِأَنَّ الْمَوْتَ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ الصُّوفَ وَالْوَبَرَ وَالشَّعْرَ، وَلَكِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْجُثَّةِ تَتَعَدَّى إلَى هَذِهِ الْأَجْزَاءِ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْأَرْشِ، وَتَتْبَعُهَا فِي حُكْمِ الْإِحْرَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ وَالتَّنْجِيسُ. وَتَحْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ: حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَجْزَاءِ مِنْ الْجُمْلَةِ، أَصْلُهُ سَائِرُ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَعَنَا، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَهِيَ مُتَعَارِضَةٌ، فَلَئِنْ شَهِدَ لَهُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى اتِّبَاعِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ لِلْجُمْلَةِ فَلْيَشْهَدَنَّ لَنَا بِانْفِصَالِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْحُكْمُ الْأَكْبَرُ، وَهِيَ إبَانَتُهَا عَنْ الْجُثَّةِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَإِزَالَتُهَا مِنْهَا، وَهُوَ دَلِيلٌ يُعَضِّدُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ تَابِعَةً فِي الْجُمْلَةِ لَتَنَجَّسَتْ بِإِبَانَتِهَا عَنْهَا، كَأَجْزَاءِ الْأَعْضَاءِ؛ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَحْكَامُ وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْحَقِيقَةِ، عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَعَلَّقُوا بِهَا لَا حُجَّةَ فِيهَا؛ أَمَّا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقَانِ بِاللَّذَّةِ، وَهِيَ فِي الشَّعْرِ كَمَا تَكُونُ فِي الْبَدَنِ. وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِإِلْقَاءِ التَّفَثِ، وَإِذْهَابِ الزِّينَةِ، وَالشَّعْرِ مِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ. وَأَمَّا الْأَرْشُ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِإِبْطَالِ الْجَمَالِ تَارَةً وَإِبْطَالِ الْمَنْفَعَةِ أُخْرَى، وَالْجَمَالُ وَالْمَنْفَعَةُ مَعًا مَوْجُودَانِ فِي الشَّعْرِ أَوْ أَحَدُهُمَا، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ وَالتَّنْجِيسِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَلَيْسَ لِلصُّوفِ وَلَا لِلْوَبَرِ وَلَا لِلشَّعْرِ مَدْخَلٌ بِحَالٍ. وَقَدْ عَوَّلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إمَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةِ، يُنَمَّى بِنَمَائِهِ، فَيَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، كَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ. وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ النَّمَاءَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الْحَيَاةِ؛ فَإِنَّ النَّبَاتَ يُنَمَّى وَلَيْسَ بِحَيٍّ، وَإِذَا عَوَّلُوا عَلَى النَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْحَيَوَانِ عَوَّلْنَا عَلَى الْإِبَانَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْإِحْسَاسِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَيَاةِ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَأَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَتَحَصَّلُ الْعِلْمُ لَكُمْ، وَيَخْلُصُ مِنْ الْأَشْكَالِ عِنْدَكُمْ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل: 80]: وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُطْنَ وَلَا الْكَتَّانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ، وَإِنَّمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَخُوطِبُوا فِيمَا عَرَفُوا بِمَا فَهِمُوا، وَمَا قَامَ مَقَامَ هَذِهِ وَنَابَ مَنَابَهَا يَدْخُلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَالنِّعْمَةِ مَدْخَلَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 43]؛ فَخَاطَبَهُمْ بِالْبَرَدِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ نُزُولَهُ كَثِيرًا عِنْدَهُمْ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَادِهِمْ، وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الصِّفَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعًا فِي التَّطْهِيرِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ الدَّنِسُ بِالْمَاءِ».