الباحث القرآني

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91]. فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي ذِكْرِ الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ بِهِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَةِ وَالرَّعْدِ شَرْحُهُ وَأَشَرْنَا إلَيْهِ حَيْثُ وَقَعَ ذِكْرُهُ بِمَا أَمْكَنَ فِيهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91]: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَمَّا التَّوْكِيدُ فَهُوَ حَلِفُ الْإِنْسَانِ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِرَارًا، يُرَدِّدُ فِيهِ الْأَيْمَانَ يَمِينًا بَعْدَ يَمِينٍ، كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَنْقُصُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، يَحْلِفُ بِذَلِكَ مِرَارًا ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: كَفَّارَةُ ذَلِكَ وَاحِدَةٌ [إنَّمَا عَلَيْهِ] مِثْلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: هِيَ فِي الْعُهُودِ، وَالْعَهْدُ يَمِينٌ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَهْدَ لَا يُكَفِّرُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ». وَأَمَّا الْيَمِينُ فَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ فِيهَا الْكَفَّارَةَ مُخَلِّصَةً مِنْهَا، وَحَالَّةُ مَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: التَّوْكِيدُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَرَّرَةِ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ حَلَفَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَأَوْضَحْنَا صِحَّةَ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ، وَضَعْفَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. [مَسْأَلَة لماذ كَرَّرَ الْيَمِينَ مِرَارًا أَوْ كَثَّرَهَا أَعْدَادًا] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ كَرَّرَ الْيَمِينَ مِرَارًا أَوْ كَثَّرَهَا أَعْدَادًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ مَعَ التَّوْحِيدِ، أَوْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ مَعَ تَثْنِيَةِ الْيَمِينِ، فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ مَعَ التَّوْحِيدِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَصَدَ التَّوْكِيدَ مَعَ تَثْنِيَةِ الْيَمِينِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: تَكُونُ يَمِينَيْنِ، وَقَالَ مَالِكٌ: تَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ كَفَّارَتَيْنِ. وَتَعَلَّقَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا تَثْنِيَةُ يَمِينٍ، فَتَثْنِيَةُ الْكَفَّارَةِ أَصْلٌ، فَلَهُ أَنْ يَعْقِدَهَا بِذَلِكَ. وَعَوَّلَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَصَدَ الْكَفَّارَةَ فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْكَفَّارَةَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى تَثْنِيَةِ الْيَمِينِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى كَفَّارَتَيْنِ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَوْ شَيْئَيْنِ، فَإِنَّ كَفَّارَةً وَاحِدَةً تُجْزِيهِ.