الباحث القرآني

لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ
قَوْله تَعَالَى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28]. فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ لَامُ الْمَقْصُودِ وَالْفَائِدَةُ الَّتِي يَنْسَاقُ الْحَدِيثُ لَهَا وَتُنَسَّقُ عَلَيْهِ، وَأَجَلُّهَا قَوْلُهُ: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]. وَقَدْ تَتَّصِلُ بِالْفِعْلِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ وَتَتَّصِلُ بِالْحَرْفِ، كَقَوْلِهِ {لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد: 29]. وَقَدْ حَقَّقْنَا مَوْرِدَهَا فِي مَلْجَئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى مَنَافِعَ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ {مَنَافِعَ} [الحج: 28] فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: الْمَنَاسِكُ. الثَّانِي: الْمَغْفِرَةُ. الثَّالِثُ: التِّجَارَةُ. الرَّابِعُ: مِنْ الْأَمْوَالِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ نُسُكٍ وَتِجَارَةٍ وَمَغْفِرَةٍ وَمَنْفَعَةٍ دُنْيَا وَآخِرَةٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِ: {مَنَافِعَ} [الحج: 28] فَكُلُّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ، وَهَذَا يُعَضِّدُهُ مَا فِي الْبَقَرَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] وَذَلِكَ هُوَ التِّجَارَةُ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ. [مَسْأَلَة الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ. الثَّانِي: أَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَبِالْأَوَّلِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمَعْلُومَاتِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ النَّحْرِ؛ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ. وَقَالَ: هُوَ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ. وَمِثْلَهُ رَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ، وَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَكَرِ اسْمِ اللَّهِ هَاهُنَا الْكِنَايَةُ عَنْ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُهُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {فَكُلُوا} [الحج: 28] قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ، وَجَرَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ الْهَدْيِ، وَحَقِيقَتُهُ تَأْتِي بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28]: فَأَمَّا الْفَقِيرُ فَهُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى نَعْتِ مَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ. وَأَمَّا الْبَائِسُ فَهُوَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَيْهِ الْبُؤْسُ، وَهُوَ ضَرَرُ الْمَرَضِ أَوْ ضَرَرُ الْحَاجَةِ.