الباحث القرآني

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36]. فِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36] الْبُدْنُ جَمْعُ بَدَنَةٍ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الْبَدَانَةِ وَهِيَ السِّمَنُ، يُقَالُ: بَدُنَ الرَّجُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ: إذَا سَمِنَ، وَبَدَّنَ بِتَشْدِيدِهَا: إذَا كَبِرَ وَأَسَنَّ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا بِصِفَتِهَا لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِهَا، وَتَعْيِينِ الْأَفْضَلِ مِنْهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ مَا اُخْتِيرَ لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَعَطَاءٍ أَنَّ الْبَقَرَةَ يُقَالُ لَهَا بَدَنَةٌ وَحَكَى ابْنُ شَجَرَةَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي الْغَنَمِ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ، وَالْبُدْنُ هِيَ الْإِبِلُ. وَالْهَدْيُ عَامٌّ فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36] وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهَا بَعْضُ الشَّعَائِرِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج: 36] يَعْنِي مَنْفَعَةَ اللِّبَاسِ وَالْمَعَاشِ وَالرُّكُوبِ وَالْأَجْرِ، فَأَمَّا الْأَجْرُ فَهُوَ خَيْرٌ مُطْلَقًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ خَيْرٌ إذَا قَوَّى عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. [مَسْأَلَة قِرَاءَة قَوْله تَعَالَى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج: 36]: فِيهَا ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ: صَوَافَّ بِفَاءٍ مُطْلَقَةٍ، قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. صَوَافِنَ بِنُونٍ، قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. صَوَافِّي بِيَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. فَأَمَّا قَوْلُ صَوَافَّ فَمِنْ صَفَّ يَصُفُّ إذَا كَانَتْ جُمْلَةً؛ مِنْ مَقَامٍ أَوْ قُعُودٍ، أَوْ مُشَاةٍ، بَعْضُهَا إلَى جَانِبِ بَعْضٍ عَلَى الِاسْتِوَاءِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا هَاهُنَا صَفَّتْ قَوَائِمَهَا فِي حَالِ نَحْرِهَا، أَوْ صَفَّتْ أَيْدِيَهَا قَالَ مُجَاهِدٌ. وَأَمَّا صَوَافِنُ فَالصَّافِنُ هُوَ الْقَائِمُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَثْنِي إحْدَى رِجْلَيْهِ. وَأَمَّا صَوَافِّي فَهُوَ جَمْعُ صَافِيَةٍ، وَهِيَ الَّتِي أَخْلَصَتْ لِلَّهِ نِيَّةً وَجَلَالًا، وَإِشْعَارًا وَتَقْلِيدًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا إشْعَارَ، وَهُوَ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ؛ وَكَأَنَّهُ لَا خَبَرَ عِنْدَهُ لِلسُّنَّةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَعَاضِدَةِ، فَهِيَ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ بَعْدَهُ وَمَعَهُ وَالْخُلَفَاءُ لِلْإِشْعَارِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} [الحج: 36] يَعْنِي انْحَرُوهَا، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ اسْمٌ صَارَ كِنَايَةً عَنْ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ وَأَصْلٌ مَعَهُ. [مَسْأَلَة كَيْفِيَّةِ نَحْرِ الْهَدْيِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ نَحْرِ الْهَدْيِ: وَفِيهِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الصَّوَافِّ، فَقَالَ: يُقَيِّدُهَا ثُمَّ يَصُفُّهَا. وَقَالَ لِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ: فَيَنْحَرُهَا قَائِمَةً، وَلَا يَعْقِلُهَا، إلَّا أَنْ يَضْعُفَ إنْسَانٌ فَيَتَخَوَّفَ أَنْ تَتَفَلَّتَ بَدَنَتُهُ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْحَرَهَا مَعْقُولَةً، وَإِنْ كَانَ يَقْوَى عَلَيْهَا فَلْيَنْحَرْهَا قَائِمَةً مَصْفُوفَةً يَدَاهَا بِالْقُيُودِ. قَالَ: وَسَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْبَدَنَةِ تُنْحَرُ وَهِيَ قَائِمَةٌ هَلْ تُعَرْقَبُ؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ يَضْعُفُ عَنْهَا، فَلَا يَقْوَى عَلَيْهَا، فَيَخَافُ أَنْ تَتَفَلَّتَ مِنْهُ، فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُعَرْقِبَهَا، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ لِلْعُلَمَاءِ: الْأَوَّلُ: يُقِيمُهَا. الثَّانِي: يُقَيِّدُهَا أَوْ يَعْقِلُهَا. الثَّالِثُ: يُعَرْقِبُهَا. وَزَادَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الرَّجُلِ وَضَعْفِهِ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلُهُ. وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: فِي نَحْرِهَا مُقَيَّدَةً: فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ فَنَحَرَهَا قَالَ: " ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ". الثَّانِي: فِي نَحْرِهَا قَائِمَةً: فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا». وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ الْحَرْبَةَ بِيَدِهِ فِي عُنْفُوَانِ أَيْدِهِ فَيَنْحَرُ بِهَا فِي صَدْرِهَا وَيُخْرِجُهَا عَلَى سَنَامِهَا، فَلَمَّا أَسَنَّ كَانَ يَنْحَرُهَا بَارِكَةً لِضَعْفِهِ، وَيُمْسِكُ مَعَهُ رَجُلٌ الْحَرْبَةَ، وَآخَرُ بِخِطَامِهَا. وَالْعَقْلُ بَعْضُ تَقْيِيدٍ، وَالْعَرْقَبَةُ تَعْذِيبٌ لَا أَرَاهُ إلَّا لَوْ نَدَّ، فَلَا بَأْسَ بِعَرْقَبَتِهِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 36] يَعْنِي سَقَطَتْ عَلَى جُنُوبِهَا، يُرِيدُ مَيِّتَةً، كَنَّى عَنْ الْمَوْتِ بِالسُّقُوطِ عَلَى الْجَنْبِ، كَمَا كَنَّى عَنْ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ بِذَكَرِ اسْمِ اللَّهِ، وَالْكِنَايَاتُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ أَبْلَغُ مِنْ التَّصْرِيحِ قَالَ الشَّاعِرُ: لِمُعَفَّرٍ قَهْدٌ يُنَازِعُ شِلْوَهُ ... غُبْسٌ كَوَاسِبُ مَا يُمَنَّ طَعَامُهَا وَقَالَ آخَرُ: فَتَرَكْنَهُ جَزْرَ السِّبَاعَ يَنُشْنَهُ ... مَا بَيْنَ قُلَّةِ رَأْسِهِ وَالْمِعْصَمِ فِي مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ. [مَسْأَلَة الْهَدْيُ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 36] وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْهَدْيُ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا، فَأَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ أَقْوَالٌ، أُصُولُهَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِحَالٍ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الْوَاجِبِ بِحُكْمِ الْإِحْرَامِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ الْوَاجِبِ كُلِّهِ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: جَزَاءُ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةُ الْأَذَى، وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ. وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ مِنْ مَالِهِ، فَكَيْفَ يَأْكُلُ مِنْهُ؟ وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَا وَجَبَ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ الْتَحَقَ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ. وَتَعَلَّقَ مَالِكٌ بِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمَسَاكِينِ بِقَوْلِهِ: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95]، وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ، وَقَالَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]. «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ»، وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ مُصَرَّحٌ بِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْهَدَايَا فَهُوَ عَلَى أَصْلِ قَوْله تَعَالَى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36]. وَهَذَا نَصٌّ فِي إبَاحَةِ الْأَكْلِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ بُدْنَهُ، وَأَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَطَبَخَهَا وَأَكَلَ مِنْهَا، وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا، وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ وَاجِبًا، وَهُوَ دَمُ الْقِرَانِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي حَجِّهِ». وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَكْلِ لَأَجْلِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَرَى أَنْ تَأْكُلَ مِنْ نُسُكِهَا، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمُخَالَفَتِهِمْ، فَلَا جَرَمَ كَذَلِكَ شُرِعَ وَبَلَّغَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ حِينَ أَهْدَى وَأَحْرَمَ. وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ. فَلَيْسَتْ الْعِلَّةُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَظْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا. [مَسْأَلَة الْأَكْلَ وَالْإِطْعَامَ مِنْ الْهَدْي] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ قَوْله تَعَالَى {فَكُلُوا} [الحج: 36]، {وَأَطْعِمُوا} [الحج: 36] عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ أَبِي ثَعْلَبَةَ. الثَّانِي: أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ قَالَهُ ابْنُ شُرَيْحٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَكْلَ مُسْتَحَبٌّ، وَالْإِطْعَامَ وَاجِبٌ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِ مَالِكٍ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُمَا وَاجِبَانِ فَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ الْقَوْلِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَفِيهِ غَرِيبَةٌ مِنْ الْفِقْهِ لَمْ تَقَعْ لِي، مُذْ قَرَأْت الْعِلْمَ، لَهَا نَظِيرٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّهُمَا جَمِيعًا يُتْرَكَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ لَمْ يُتَصَوَّرْ شَرْعًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ إلَّا إتْلَافُهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِحْبَابُهُمَا مَعًا؛ وَإِنَّمَا يُقَالُ أَحَدُهُمَا وَاجِبٌ عَلَى الْبَدَلِ، أَوْ يُقَالُ الْأَكْلُ مُسْتَحَبٌّ، وَالْإِطْعَامُ وَاجِبٌ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ. وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْأَكْلَ وَاجِبٌ، وَقَدْ احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا بِأَمْثِلَةٍ وَرَدَتْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ أَمْرٌ بِدَلِيلٍ لَا يَسْقُطُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. [مَسْأَلَة أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْهَدْيِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: إذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْهَدْيِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، فَفِيهِ لِعُلَمَائِنَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ جَهْلٌ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: يَأْكُلُ مِنْهُ. وَقَالَ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِنَا: إنَّهُ إذَا أَكَلَ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ فِدْيَةِ الْأَذَى بَعْدَ أَنْ بَلَغَ مَحَلَّتَهُ غَرِمَ. وَمَاذَا يَغْرَمُ؟ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ الْهَدْيَ كُلَّهُ؛ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. الثَّانِي: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا غُرْمُ قَدْرِ مَا أَكَلَ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، لَا شَيْءَ غَيْرُهُ. وَكَذَا لَوْ نَذَرَ هَدْيَ الْمَسَاكِينِ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ مَحِلَّهُ لَا يَغْرَمُ إلَّا مَا أَكَلَ، خِلَافًا لِلْمُدَوِّنَةِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدِي مَا ذَكَرْته لَكُمْ، إذْ النَّحْرُ قَدْ وَقَعَ، وَالتَّعَدِّي إنَّمَا هُوَ فِي اللَّحْمِ، فَيَغْرَمُ بِقَدْرِ مَا تَعَدَّى فِيهِ. وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا يَغْرَمُ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ اللَّحْمِ. وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: إنَّهُ يَغْرَمُهُ طَعَامًا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْهَدْيِ كُلِّهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ عِبَادَةً، وَلَيْسَ حُكْمُ التَّعَدِّي حُكْمَ الْعِبَادَةِ، فَأَمَّا إذَا عَطِبَ الْوَاجِبُ كُلُّهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَلِيَأْكُلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَعَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ لَمْ يَأْكُلْ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أَسْرَعَ بِهِ لِيَأْكُلَهُ، وَهَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَهِيَ: [مَسْأَلَة معني قَوْله تَعَالَى الْقَانِع والمعتر] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْقَانِعَ: وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الْمُعْتَرَّ: وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَانِعُ الْفَقِيرُ، وَالْمُعْتَرُّ الزَّائِرُ. الثَّانِي: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَعُقْبَةُ: السَّائِلُ، وَقَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. الثَّالِثُ: الْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِيك؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالْقَانِعُ الْجَالِسُ فِي بَيْتِهِ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ. الرَّابِعُ: الْقَانِعُ الَّذِي يَرْضَى بِالْقَلِيلِ. وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَمُرُّ بِك وَلَا يُبَايِتُكَ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. الْخَامِسُ: الَّذِي يَقْنَعُ هُوَ الْمُتَعَفِّفُ، وَالْمُعْتَرُّ السَّائِلُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ، فَأَمَّا الْقَانِعُ فَفِعْلُهُ قَنَعَ يَقْنَعُ، وَلَهُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا الَّذِي يَرْضَى بِمَا عِنْدَهُ. وَالثَّانِي: الَّذِي يُذَلُّ، وَكِلَاهُمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْفَقِيرِ، فَإِنَّهُ ذَلِيلٌ. فَإِنْ وَقَفَ عِنْدَ رِزْقِهِ فَهُوَ قَانِعٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَهُوَ مُلْحِفٌ. وَأَمَّا الْمُعْتَرُّ وَالْمُعْتَرِي فَهُمَا مُتَقَارِبَانِ مَعْنًى، مَعَ افْتِرَاقِهِمَا اشْتِقَاقًا، فَالْمُعْتَرُّ مُضَاعَفٌ، وَالْمُعْتَرِي مُعْتَلُّ اللَّامِ، وَمِنْ النَّادِرِ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَوْنُهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: وَشَيْبَةُ فِيهِمْ وَالْوَلِيدُ وَمِنْهُمْ ... أُمَيَّةُ مَأْوَى الْمُعْتَرِينَ وَذِي الرَّحَلِ يُرِيدُ بِالْمُعْتَرِينَ مَنْ يُقِيمُ لِلزِّيَارَةِ، وَذُو الرَّحْلِ مَنْ يَمُرُّ بِك فَتُضَيِّفُهُ. وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَلَى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِمْ ... وَعِنْدَ الْمُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ وَالْبَذْلُ وَيُعَضِّدُ هَذَا قَوْله تَعَالَى: {إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] يُرِيدُ نَزَلَ بِك؛ فَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُعْتَلِّ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْمُضَاعَفِ، فَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: يُعْطِي ذَخَائِرَ مَالِهِ ... مُعَتَّرَهُ قَبْلَ السُّؤَالِ وَقَالَ الْكُمَيْتُ: أَيَا خَيْرَ مَنْ يَأْتِهِ الطَّارِقُو ... نَ إمَّا عِيَادًا وَإِمَّا اعْتِرَارًا وَقَالَ آخَرُ: لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنْ الْقُنُوعِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا مُتَقَارِبٌ كَتَقَارُبِ مَعْنَى الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ. وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْأَكْلِ وَإِطْعَامِ الْفَقِيرِ. وَالْفَقِيرُ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُلَازِمٌ لَك، وَمَارٌّ بِك، فَأَذِنَ اللَّهُ فِي إطْعَامِ الْكُلِّ مِنْهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ حَالِهِمَا، وَمِنْ هَاهُنَا وَهِمَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ، فَقَالَ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إنَّ الْقَانِعَ هُوَ جَارُك الْغَنِيُّ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ وَجْهٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ. [مَسْأَلَة الْهَدْيَ يُقَسَّمُ أَثْلَاثًا] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْهَدْيَ يُقَسَّمُ أَثْلَاثًا: قِسْمٌ يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ، وَقِسْمٌ يَأْخُذُهُ الْقَانِعُ، وَقِسْمٌ يَأْخُذُهُ الْمُعْتَرُّ، وَإِنَّمَا يُقَسَّمُ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَأْخُذُهُ الْآكِلُ، وَقِسْمٌ يَأْخُذُهُ الْقَانِعُ وَالْمُعْتَرُّ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ عِنْدَنَا فِي الضَّحَايَا قِسْمٌ مَعْلُومٌ مَوْصُوفٌ. قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ: بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ شَيْءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا، وَهُوَ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ: قِسْمَتُهَا أَثْلَاثًا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5]، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِيُجَزَّأَ أَثْلَاثًا؛ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ لَيْسَ بِأَصْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ: «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ ثُمَّ قَالَ لِي: أَصْلِحْ لَحْمَهَا، فَمَا زَالَ يَأْكُلُ مِنْهُ، حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ صَدَقَةً». وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ.