الباحث القرآني

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذَا خِطَابٌ لِبَعْضِ مَنْ تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ الْأُولَى مِمَّنْ يَمْلِكُ أَمْرَ نَفْسِهِ، فَيَتَعَفَّفُ، وَيَتَوَقَّفُ، أَوْ يَقْدُمُ عَلَى النِّكَاحِ، وَلَا يَتَخَلَّفُ. وَأَمَّا مَنْ زِمَامُهُ بِيَدِ سِوَاهُ يَقُودُهُ إلَى مَا يَرَاهُ، فَلَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَدْخَلٌ كَالْمَحْجُورِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْأَمَةِ وَالْعَبْدِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ النِّكَاحُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مُخْتَلَفًا فِيهِ مَا بَيْنَ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ فَالِاسْتِعْفَافُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ إمْسَاكٌ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ؛ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَاجِبٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَمَّا لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالنِّكَاحِ دَرَجَةً دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُمَا مُحَرَّمٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مِلْكُ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ بِنَصٍّ آخَرَ مُبَاحٌ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، فَجَاءَتْ فِيهِ زِيَادَةُ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ بِآيَةٍ فِي آيَةٍ، وَيَبْقَى عَلَى التَّحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءُ رَدًّا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْهُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ لِنَسْخِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {لا يَجِدُونَ نِكَاحًا} [النور: 33] يَعْنِي يَقْدِرُونَ، وَعَبَّرَ عَنْ الْقُدْرَةِ بِالْوُجُودِ، وَعَنْ عَدَمِهَا بِعَدَمِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] حَرْفًا بِحَرْفٍ فَخُذْهُ مِنْهُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بِالْقُدْرَةِ عَلَى النِّكَاحِ. الثَّانِي: بِالرَّغْبَةِ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إنَّهُ يَسْتَعِفُّ بِالصَّوْمِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ؛ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ لِانْتِظَامِ الْقُرْآنِ فِيهِ وَالْحَدِيثِ، وَاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة طَلَبَ الْعَبْدِ لِلْمُكَاتَبَةِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33] يَعْنِي يَطْلُبُونَ الْكِتَابَ، يُرِيدُ الْمُكَاتَبَةَ عَلَى مَالٍ يَدْفَعُونَهُ إلَى سَادَاتِهِمْ، فَافْعَلُوا ذَلِكَ لَهُمْ، فَذَكَرَ اللَّهُ طَلَبَ الْعَبْدِ لِلْمُكَاتَبَةِ، وَأَمَرَ السَّيِّدَ بِهَا حِينَئِذٍ؛ وَهِيَ حَالَتَانِ: الْأُولَى: أَنْ يَطْلُبَهَا الْعَبْدُ، وَيُجِيبَهُ السَّيِّدُ؛ فَهَذَا مُطْلَقُ الْآيَةِ وَظَاهِرُهَا. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَطْلُبَهَا الْعَبْدُ؛ وَيَأْبَاهَا السَّيِّدُ؛ وَفِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: لِعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى السَّيِّدِ. وَقَالَ سَائِرُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَتَعَلَّقَ مَنْ أَوْجَبَهَا بِمُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33]. وَافْعَلْ بِمُطْلَقِهِ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَأْتِيَ الدَّلِيلُ بِغَيْرِهِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَا نُسَلِّمُهَا لَهُمْ، بَلْ نَقُولُ إنَّ لَفْظَ " افْعَلْ " لِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ، وَالْوُجُوبُ يَكُونُ بِتَعَلُّقِ الذَّمِّ بِتَرْكِهِ، وَالِاقْتِضَاءُ يَسْتَقِلُّ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ، فَأَيْنَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ؟ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي لَا مُزَعْزِعَ لَهُ. أَمَّا إنَّ مِنْ عُلَمَائِنَا الْمُتَمَرِّسِينَ بِالْفِقْهِ سَلَّمُوا أَنَّ مُطْلَقَ " افْعَلْ " عَلَى الْوُجُوبِ، وَادَّعَوْا أَنَّ الدَّلِيلَ هَاهُنَا قَدْ قَامَ عَلَى سُقُوطِ الْوُجُوبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكِتَابَةَ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ فَفِيهَا إخْرَاجُ مِلْكِ السَّيِّدِ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا تَقْتَضِي أَلَّا يَخْرُجَ أَحَدٌ عَنْ يَدِهِ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ. وَمَا جَاءَ بِخِلَافِ الْأُصُولِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وَهَذَا لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ عِنْدَنَا أَوْ الْحَدِيثَ إذَا جَاءَ بِخِلَافِ الْأُصُولِ فَهُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي بَابِهِ، وَيَجْرِي عَلَى حُكْمِهِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْمَضَرَّاتِ مِنْ كُتُبِ الْخِلَافِ، وَفِي تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ مِنْ كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ. الثَّانِي: قَالُوا: إنَّمَا يَكُونُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إذَا تَعَرَّى عَنْ قَرِينَةٍ، وَهَاهُنَا قَرِينَةٌ تَقْتَضِي صَرْفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ، وَهُوَ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطِ عِلْمِ الْخَيْرِ فِيهِ، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ عَلَى أَمْرٍ بَاطِنٍ، وَهُوَ عِلْمُ السَّيِّدِ بِالْخَيْرِ فِيهِ. وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ، كَاتِبْنِي، فَقَالَ السَّيِّدُ: لَمْ أَعْلَمْ فِيك خَيْرًا، وَهُوَ أَمْرٌ بَاطِنٌ؛ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَيْهِ، وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي بَابِهِ. الثَّالِثُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَالُ الْعَبْدِ وَأَكْسَابُهُ مِلْكُ السَّيِّدِ، وَرَقَبَتُهُ مِلْكٌ لَهُ؛ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: خُذْ كَسْبِي وَخَلِّصْ رَقَبَتِي فَهُوَ يُطَالِبُهُ بِتَفْوِيتِ مِلْكِهِ عَنْهُ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَعْتِقْنِي. وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ، وَهُوَ كَلَامٌ قَوِيٌّ فِي الْبَابِ عَلَى مُثْبِتِي الِاجْتِهَادِ؛ وَمَنْ رَدَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ الْقُدْرَةُ عَلَى السَّعْيِ وَالِاكْتِسَابِ؛ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. الثَّانِي: أَنَّ الْخَيْرَ الْمَالُ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ الْوَفَاءُ وَالصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الثَّانِي. فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ الْمَالُ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ. وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ بِحُسْنِ السَّعْيِ وَالِاكْتِسَابِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ مُنَجَّمٌ يَجْتَمِعُ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ فَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى مَعْنًى هُوَ مَشْرُوطٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ وَفِعْلٍ، فَلَا تَخْتَصُّ هَذِهِ الْكِتَابَةَ بِاشْتِرَاطِهِ وَحْدَهَا. [مَسْأَلَة كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ قَاطَعَهُ عَلَيْهِ نُجُومًا] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مَالِ قَاطَعَهُ عَلَيْهِ نُجُومًا، فَإِنْ جَعَلَهُ حَالًّا فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا بِاخْتِلَافِهِمْ. وَالصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ أَنَّ الْكِتَابَةَ مُؤَجَّلَةٌ، كَمَا وَرَدَ بِهَا الْأَثَرُ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ حِينَ كَاتَبَتْ أَهْلَهَا عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ. وَكَمَا فَعَلَتْ الصَّحَابَةُ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ كِتَابَةً؛ لِأَنَّهَا تُكْتَبُ وَيُشْهَدُ عَلَيْهَا، فَقَدْ اسْتَوْثَقَ الِاسْمُ وَالْأَثَرُ وَعَضَّدَهُ الْمَعْنَى؛ فَإِنَّ الْمَالَ إنْ جَعَلَهُ حَالًّا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْعَبْدِ، أَوْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ شَيْءٌ؛ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا قَطَعَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَالُ مُقَاطَعَةٍ وَعَقْدُ مُقَاطَعَةٍ، لَا عَقْدُ كِتَابَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْعَبْدِ مَالٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَ مَا يُكَاتِبُهُ عَلَيْهِ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ أَجَلٌ مَجْهُولٌ فَيَدْخُلُهُ الْغَرَرُ، وَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ؛ وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا مِنْ جِهَةِ الْغَرَرِ، وَمِنْ جِهَةِ الدِّينِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا جُعِلَ الْأَجَلُ رِفْقًا بِالْعَبْدِ؛ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرْتَفِقَ وَإِلَّا تَرَكَ حَقَّهُ. قُلْنَا: كُلُّ حَقٍّ هُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ وَتَرْكٌ صِرْفٌ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكُلُّ حَقٍّ يُتْرَكُ فِي عَقْدٍ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْغَرَرِ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا. وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَنْظُرْهُ هُنَالِكَ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَالُ الزَّكَاةِ؛ قَالَ إبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَدَّرَهُ عَلِيٌّ بِرُبُعِ الْكِتَابَةِ، وَقَدَّرَهُ غَيْرُهُ بِنَجْمٍ مِنْ نُجُومِهَا. وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ فَإِنَّهُ يُنَفِّذُهُ فِي تَرِكَتِهِ، وَيَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ. وَاحْتَجَّ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، وَبِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ، وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ عُمْدَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ لِعُلَمَائِنَا. وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَلَوْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ حِينَ قَالَ: إنَّ الْإِيتَاءَ وَاجِبٌ يَقُولُ: إنَّ الْكِتَابَةَ وَاجِبَةٌ لَكَانَ تَرْكِيبًا حَسَنًا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَلْزَمُ وَالْإِيتَاءُ يَجِبُ؛ فَجَعَلَ الْأَصْلَ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَالْفَرْعَ وَاجِبًا؛ وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ؛ فَصَارَتْ دَعْوَى مَحْضَةً. فَإِنْ قِيلَ: يَكُونُ ذَلِكَ كَالنِّكَاحِ لَا يَجِبُ، فَإِذَا انْعَقَدَ وَجَبَتْ أَحْكَامُهُ، مِنْهَا الْمُتْعَةُ. قُلْنَا: عِنْدَنَا لَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ؛ فَلَا مَعْنَى لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّعَلُّقِ بِهَا. وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّ الْإِيتَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَكَانَ الْمَالُ فِي أَصْلِ الْكِتَابَةِ مَجْهُولًا، وَالْعَقْدُ بِالْعِوَضِ الْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ، وَقَدْ عَضَّدَهُ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]. وَمَالُ اللَّهِ هُوَ الزَّكَاةُ، وَالْفَيْءُ، وَلَيْسَ بِمَالٍ أَوْجَبَ حَقًّا فِي عَقْدٍ، وَإِنْ كَانَ الْعِبَادُ وَأَمْوَالُهُمْ لِلَّهِ، وَلَكِنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ إنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الزَّكَاةِ وَالْفَيْءِ. فَإِنْ قِيلَ: يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إنَّهُ مَالُ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِحَقِّ اللَّهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَقَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ إلَيْهِ. قُلْنَا: هَذَا مَجَازٌ، لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا الْمَجَازَ حَقِيقَةً، وَيَعْدِلُونَ بِاللَّفْظِ عَنْ طَرِيقِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَفْعَلُونَ بِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ؟ قُلْنَا: سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْحُجَّةَ إلَّا فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمُعْجِزَةِ، عَلَى أَنَّ الَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ أَنَّ عُمَرَ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ هُوَ جَدُّ مَيْمُونِ بْنِ جَابَانَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَمْ تَعْرِضُ؟ فَقَالَ عَبْدُهُ: أَعْرِضُ مِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ. قَالَ: فَمَا اسْتَزَادَنِي، وَكَاتَبَنِي عَلَيْهَا، فَأَرَادَ أَنْ يُعَجِّلَ لِي مِنْ مَالِهِ طَائِفَةً، فَأَرْسَلَ إلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: إنِّي كَاتَبْت غُلَامِي، فَأَرَدْت أَنْ أُعَجِّلَ لَهُ طَائِفَةً مِنْ مَالِي، فَأَرْسِلِي إلَيَّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى أَنْ يَأْتِيَنَا بِشَيْءٍ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا إلَيْهِ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ بِيَمِينِهِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] فَخُذْهَا، فَبَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهَا. قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ لِي فِيهَا؛ عَتَقْت مِنْهَا، وَأَصَبْت خَيْرًا كَثِيرًا. وَقَالَ عَلِيٌّ فِي قَوْلِ اللَّهِ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] قَالَ: رُبُعُ الْكِتَابَةِ. وَكَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ رُبُعَهَا، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ عُمَرَ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَفِعْلُهُ لَا يَقْتَضِي إلَّا النَّدْبَ، وَلَيْسَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ دَلِيلٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَالَفَهُمَا عُثْمَانُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ كَاتَبَ غَيْرَهُ، وَحَلَفَ أَلَّا يَحُطَّهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. [مَسْأَلَة مَا يُتْرَكُ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ كِتَابَتِهِ الَّتِي يُكَاتِبُ عَلَيْهَا مَتَى يُتْرَكُ وَكَيْفَ يُكْتَبُ] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: فِي أَيِّ وَقْتٍ يُؤْتَى؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ وَسَأَلْته عَمَّا يُتْرَكُ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ كِتَابَتِهِ الَّتِي يُكَاتِبُ عَلَيْهَا: مَتَى يُتْرَكُ؛ وَكَيْفَ يُكْتَبُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يُكْتَبُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ كَاتَبَ عَلَى كَذَا، وَقَدْ وَضَعَ عَنْهُ مِنْ أَجْرِ كِتَابَتِهِ كَذَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ مِنْ كُلِّ نَجْمٍ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ. الثَّالِثُ: يُوضَعُ عَنْهُ مِنْ آخِرِ الْكِتَابَةِ؛ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. الرَّابِعُ: يُوضَعُ عَنْهُ مِنْ أَوَّلِهَا؛ قَالَهُ عُمَرُ وَفَعَلَهُ. وَالْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِهَا، لِيَسْتَفِيدَ بِذَلِكَ بَرَاءَتَهُ مِمَّا عَلَيْهِ، وَحُصُولَ الْعِتْقِ لَهُ، وَالْإِسْقَاطُ أَبَدًا إنَّمَا يَكُونُ فِي أُخْرَيَاتِ الدُّيُونِ. [مَسْأَلَة صِفَةِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفَيْنِ فِي عَامَيْنِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ يَقُولُ: فَإِذَا أَدَّيْت فَأَنْتَ حُرٌّ؛ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ لَا يَقْتَضِيهِ وَالْحَالُ يَشْهَدُ لَهُ، فَإِنْ ذَكَرَهُ فَحَسَنٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ فَهُوَ مَعْلُومٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَتْ جَارِيَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُقَالُ لَهَا مُسَيْكَةُ فَأَكْرَههَا عَلَى الْبِغَاءِ، فَقَالَتْ لَهُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا خَيْرًا لَقَدْ اسْتَكْثَرْت مِنْهُ وَرُوِيَ لَقَدْ اسْتَنْكَرْت مِنْهُ وَإِنْ كَانَ شَرًّا لَقَدْ بَانَ لِي أَنْ أَدَعَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا مُعَاذَةُ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَانَ عِنْدَهُ، وَكَانَ الْقُرَشِيُّ يُرِيدُ الْجَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ تَمْتَنِعُ مِنْهُ لِإِسْلَامِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَضْرِبُهَا عَلَى امْتِنَاعِهَا مِنْ الْقُرَشِيِّ، رَجَاءَ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ، فَيَطْلُبَ فِدَاءَ وَلَدِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ. وَكَذَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ. [مَسْأَلَة الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: وَقَعَ فِي مُطْلَقِ هَذِهِ الْآيَةِ النَّهْيُ عَنْ الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا إنْ أَرَادَتْ الْمُكْرَهَةُ الْإِحْصَانَ، وَلَا يَجُوزُ الْإِكْرَاهُ بِحَالٍ، فَتَعَلَّقَ بَعْضُ الْغَافِلِينَ بِشَيْءٍ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَكَرُوهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ الْحَقَائِقِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ إرَادَةَ التَّحَصُّنِ مِنْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ الْإِكْرَاهَ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ رَاغِبَةً فِي الزِّنَا لَمْ يُتَصَوَّرْ إكْرَاهٌ، فَحَصِّلُوهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الْإِكْرَاهِ فِيمَا سَبَقَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى تَصَوُّرِ الْإِكْرَاهِ فِي الزِّنَا، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَهُوَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ، وَلَا يَنْهَى اللَّهُ إلَّا عَنْ مُتَصَوَّرٍ، وَلَا يَقَعُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُسْقِطُ حُكْمَ التَّكْلِيفِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الزَّانِيَ يَنْتَشِرُ وَيَشْتَهِي إذَا اتَّصَلَ بِالْمَرْأَةِ طَبْعًا. قُلْنَا: الْإِلْجَاءُ إلَى ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَسْقَطَ حُكْمَهُ. [مَسْأَلَة مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ»، فَإِنَّ مِنْ الْبَغَايَا مَنْ كَانَ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ الْبَغْيِ، وَكَذَلِكَ كَانَ جَرَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ رَوَى مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور: 33] قَالَ: كَانُوا يَأْمُرُونَ وَلَائِدَهُمْ فَيُبَاغِينَ فَكُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فَيُصِبْنَ، فَيَأْتِينَهُمْ بِكَسْبِهِنَّ. وَكَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ جَارِيَةً، وَكَانَتْ تُبَاغِي، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، وَحَلَفَتْ أَلَّا تَفْعَلَهُ، فَانْطَلَقَتْ فَبَاغَتَ بِبُرْدٍ أَخْضَرَ، فَأَتَتْهُمْ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ " مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33] هَذِهِ الْمَغْفِرَةُ إنَّمَا هِيَ لِلْمُكْرَهِ لَا لِلَّذِي أَكْرَهَ عَلَيْهِ وَأَلْجَأَ الْمُكْرَهَ الْمُضْطَرَّ إلَيْهِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهٍ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَالْمَغْفِرَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُكْرَهِ الْمُضْطَرِّ إلَيْهِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ، كَمَا قَالَ فِي الْمَيْتَةِ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173].