الباحث القرآني

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَدْ بَيَّنَّا قَوْلَهُ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الفرقان: 48] فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ {مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] فَوَصَفَ الْمَاءَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ؟ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ سِوَاهُمَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِمَعْنَى طَاهِرٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] يَعْنِي طَاهِرًا، إذَا لَا تَكْلِيفَ فِي الْجَنَّةِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: خَلِيلَيَّ هَلْ فِي نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ... أُدَاوِي بِهَا قَلْبِي عَلَيَّ فُجُورُ إلَى رَجَحِ الْأَكْفَالِ هِيفٍ خُصُورُهَا ... عِذَابِ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ، وَلَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُطَهِّرُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: رَجُلٌ نَئُومٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُنِيمٌ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. وَقَالَ: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} [الأنفال: 11]، فَبَيَّنَ أَنَّ وَصْفَ {طَهُورًا} [الفرقان: 48] يُفِيدُ التَّطْهِيرَ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». وَأَرَادُوا مُطَهَّرَةً بِالتَّيَمُّمِ، وَلَمْ يُرِدْ طَاهِرَةً بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ طَاهِرَةً. وَقَالَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ»، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى الطَّهُورِ الْمُطَهَّرَ لَمَا كَانَ جَوَابًا لِسُؤَالِهِمْ. وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ لُغَةً وَشَرِيعَةً عَلَى أَنَّ وَصْفَ " طَهُورٍ " مُخْتَصٌّ بِالْمَاءِ، وَلَا يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ الْمَائِعَاتِ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ، فَكَانَ اقْتِصَارُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْمَاءِ أَدَلَّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهَّرُ. فَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ بِوَصْفِ اللَّهِ لِشَرَابِ الْجَنَّةِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ، وَالْجَنَّةُ لَا تَكْلِيفَ فِيهَا، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصِّفَةِ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ التَّطْهِيرُ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّ وَصْفَ شَرَابِ الْجَنَّةِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ يُفِيدُ التَّطْهِيرَ عَنْ أَوْضَارِ الذُّنُوبِ، وَعَنْ خَسَائِسِ الصِّفَاتِ، كَالْغِلِّ وَالْحَسَدِ، فَإِذَا شَرِبُوا هَذَا الشَّرَابَ طَهَّرَهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ رَحْضِ الذُّنُوبِ، وَأَوْضَارِ الِاعْتِقَادَاتِ الذَّمِيمَةِ، فَجَاءُوا اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ بِصِفَةِ التَّسْلِيمِ. وَقِيلَ لَهُمْ حِينَئِذٍ: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]، كَمَا حَكَمَ فِي الدُّنْيَا بِزَوَالِ حُكْمِ الْحَدَثِ بِجَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَهَذِهِ حِكْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا، وَتِلْكَ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ فِي الْأُخْرَى. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ: رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ، وَهُوَ لَا يُطَهِّرُ، فَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِ الرِّيقِ بِالطَّهُورِيَّةِ، أَرَادَ أَنَّهُ لِعُذُوبَتِهِ، وَتَعَلُّقِهِ بِالْقُلُوبِ، وَطِيبِهِ فِي النُّفُوسِ، وَسُكُونِ غَلِيلِ الْحُبِّ بِرَشْفِهِ، كَأَنَّهُ الْمَاءُ الطَّهُورُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَثْبُتُ بِالْمَجَازَاتِ الشِّعْرِيَّةِ، فَإِنَّ الشُّعَرَاءَ يَتَجَاوَزُونَ فِي الِاسْتِغْرَاقِ حَدَّ الصِّدْقِ إلَى الْكَذِبِ، وَيَسْتَرْسِلُونَ فِي الْقَوْلِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ ذَلِكَ إلَى الْبِدْعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَرُبَّمَا وَقَعُوا فِي الْكُفْرِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: لَوْ لَمْ تُلَامِسْ صَفْحَةُ الْأَرْضِ رِجْلَهَا ... لَمَا كُنْت أَدْرِي عِلَّةً لِلتَّيَمُّمِ وَهَذَا كُفْرٌ صُرَاحٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ. قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذَا مُنْتَهَى لُبَابِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ بَالِغٌ فِي فَنِّهِ، إلَّا أَنِّي تَأَمَّلْتُهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَرَبِيَّةِ فَوَجَدْتُ فِيهَا مَطْلَعًا شَرِيفًا، وَهُوَ أَنَّ بِنَاءَ " فَعُولٍ " لِلْمُبَالَغَةِ، إلَّا أَنَّ الْمُبَالَغَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمَانِهَا وَقَدْ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ الْقَاصِرِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: نَئُومُ الضُّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ فَوَصَفَهُ الْأَوَّلُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الضَّرْبِ، وَهُوَ فِعْلٌ يَتَعَدَّى، وَوَصَفَهَا الثَّانِي بِالْمُبَالَغَةِ فِي النَّوْمِ، وَهُوَ فِعْلٌ لَا يَتَعَدَّى، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ طَهُورِيَّةُ الْمَاءِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحُسْنِ نَظَافَةً، وَمِنْ الشَّرْعِ طَهَارَةً، كَقَوْلِهِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ». وَقَدْ يَأْتِي بِنَاءُ " فَعُولٍ " لِوَجْهٍ آخَرَ، لَيْسَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَهُوَ الْعِبَارَةُ بِهِ عَنْ آلَةِ الْفِعْلِ لَا عَنْ الْفِعْلِ، كَقَوْلِنَا: وَقُودٌ وَسَحُورٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ " فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَطَبِ وَعَنْ الطَّعَامِ الْمُتَسَحَّرِ بِهِ، وَكَذَلِكَ وَصْفُ الْمَاءِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ يَكُونُ بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْضًا خَبَرًا عَنْ الْآلَةِ الَّتِي يُتَطَهَّرُ بِهَا. فَإِذْ ضَمَمْت الْفَاءَ فِي الْوُقُودِ وَالسُّحُورِ وَالطُّهُورِ عَادَ إلَى الْفِعْلِ، وَكَانَ خَبَرًا عَنْهُ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اسْمَ الْفَعُولِ بِفَتْحِ الْفَاءِ يَكُونُ بِنَاءً لِلْمُبَالَغَةِ، وَيَكُونُ خَبَرًا عَنْ الْآلَةِ، وَهَذَا الَّذِي خَطَرَ بِبَالِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَكِنْ قَصُرَتْ أَشْدَاقُهَا عَنْ لَوْكِهِ، وَبَعْدَ هَذَا يَقِفُ الْبَيَانُ بِهِ عَنْ الْمُبَالَغَةِ، أَوْ عَنْ الْآلَةِ عَلَى الدَّلِيلِ، مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». وَيُحْتَمَلُ الْعِبَارَةُ بِهِ عَنْ الْآلَةِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِعُلَمَائِنَا. [مَسْأَلَة الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى] لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] نَصًّا فِي أَنَّ فِعْلَهُ مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا أَوْجَبَ الْخِلَافَ فِيهَا مَا صَارَ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: حِينَ قَالُوا: إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ الَّذِي كَانَ فِي الْأَعْضَاءِ انْتَقَلَ إلَى الْمَاءِ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا حِينَئِذٍ: إنَّ وَصْفَ الْمَاءِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى رَسْمِ بِنَاءِ الْمُبَالَغَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. وَإِنَّمَا تَنْبَنِي مَسْأَلَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْآلَةَ إذَا أُدِّيَ بِهَا فَرْضٌ، هَلْ يُؤَدَّى بِهَا فَرْضٌ آخَرُ أَمْ لَا؟ فَمَنَعَ ذَلِكَ الْمُخَالِفَ قِيَاسًا عَلَى الرَّقَبَةِ، إنَّهُ إذَا أُدِّيَ بِهَا فَرْضُ عِتْقٍ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَتَكَرَّرَ فِي أَدَاءِ فَرْضٍ آخَرَ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْعِتْقَ إذَا أَتَى عَلَى الرِّقِّ أَتْلَفَهُ، فَلَا يَبْقَى مَحَلٌّ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ بِعِتْقٍ آخَرَ. وَنَظِيرُهُ مِنْ الْمَاءِ مَا تَلِفَ عَلَى الْأَعْضَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَدَّى بِهِ فَرْضٌ آخَرُ لِتَلَفِ عَيْنِهِ حِسًّا، كَمَا تَلِفَ الرِّقُّ فِي الرَّقَبَةِ بِالْعِتْقِ الْأَوَّلِ حُكْمًا، وَهَذَا نَفِيسٌ فَتَأَمَّلُوهُ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وُضُوئِهِ، فَأَفَقْت». وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْفَاضِلَ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ طَاهِرٌ، لَا عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، كَمَا تَوَهَّمَهُ عُلَمَاؤُنَا، وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ فَتَأَمَّلُوهُ. [مَسْأَلَة وَالْمُخَالِطُ لِلْمَاءِ عَلَى ثَلَاثَة أضرب] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَكَانَ الْمَاءُ مَعْلُومًا بِصِفَةِ طَعْمِهِ وَرِيحِهِ وَلَوْنِهِ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا خِلَافَ فِي طَهُورِيَّتِهِ، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ إلَى غَيْرِهِ بِتَغَيُّرِ وَصْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ خَرَجَ عَنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ وَصْفُ الطَّهُورِيَّةِ. وَالْمُخَالِطُ لِلْمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يُوَافِقُهُ فِي صِفَتَيْهِ جَمِيعًا: وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَالتَّطْهِيرُ، فَإِذَا خَالَطَهُ فَغَيْرُهُ لَمْ يَسْلُبْهُ وَصْفًا مِنْهُمَا، لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ فِيهِمَا، وَهُوَ التُّرَابُ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي يُوَافِقُ الْمَاءَ فِي إحْدَى صِفَتَيْهِ، وَهِيَ الطَّهَارَةُ، وَلَا يُوَافِقُهُ فِي صِفَتِهِ الْأُخْرَى، وَهِيَ التَّطْهِيرُ، فَإِذَا خَالَطَهُ فَغَيْرُهُ سَلَبَهُ مَا خَالَفَهُ فِيهِ، وَهُوَ التَّطْهِيرُ، دُونَ مَا وَافَقَهُ، وَهِيَ الطَّهَارَةُ، كَمَاءِ الْوَرْدِ وَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ. وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مُخَالَفَتُهُ فِي الصِّفَتَيْنِ جَمِيعًا: وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَالتَّطْهِيرُ، فَإِذَا خَالَطَهُ فَغَيْرُهُ سَلَبَهُ الصِّفَتَيْنِ جَمِيعًا، لِمُخَالَفَتِهِ لَهُ فِيهِمَا، وَهُوَ النَّجَسُ. وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَكُتُبِ الْفُرُوعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ أَفْسَدَتْهُ كُلَّهُ، كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا، إذَا تَحَقَّقَتْ عُمُومُ النَّجَاسَةِ فِيهِ. وَوَجْهُ تَحَقُّقِهَا عِنْدَهُ أَنْ تَقَعَ مَثَلًا نُقْطَةُ بَوْلٍ فِي بِرْكَةِ مَاءٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْبِرْكَةُ يَتَحَرَّكُ طَرَفَاهَا بِتَحْرِيكِ أَحَدِهِمَا فَالْكُلُّ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَرَكَةُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ لَا تُحَرِّكُ الْآخَرَ لَمْ يُنَجَّسْ وَالْمِصْرِيُّونَ، كَابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، يَقُولُونَ: إنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ. وَفِي الْمَجْمُوعَةِ نَحْوُهُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ، وَرَوَاهُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حُسْنَ ظَنٍّ بِهِ، وَهُوَ مَطْعُونٌ فِيهِ. وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ. وَقَدْ رَامَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى إمَامَتِهِ أَنْ يُصَحِّحَ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، وَاغْتَصَّ بِجُرَيْعَةِ الذَّقَنِ فِيهَا، فَلَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ، حَسْبَمَا مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. كَمَا تَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا أَيْضًا فِي مَذْهَبِهِمْ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَا يُطْرَحُ فِيهَا مِنْ الْجِيَفِ وَالنَّتِنِ، وَمَا يُنْجِي النَّاسُ، فَقَالَ: الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ». وَهَذَا أَيْضًا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا قَدَمَ لَهُ فِي الصِّحَّةِ ، فَلَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ. وَقَدْ فَاوَضْت الطُّوسِيَّ الْأَكْبَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِرَارًا، فَقَالَ: إنَّ أَخْلَصَ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبُ مَالِكٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، إذْ لَا حَدِيثَ فِي الْبَابِ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وَهُوَ مَا دَامَ بِصِفَاتِهِ، فَإِذَا تَغَيَّرَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا خَرَجَ عَنْ الِاسْمِ بِخُرُوجِهِ عَنْ الصِّفَةِ " وَلِذَلِكَ لَمَّا لَمْ يَجِدْ الْبُخَارِيُّ إمَامُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِي الْبَابِ خَبَرًا صَحِيحًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ قَالَ: " بَابُ إذَا تَغَيَّرَ وَصْفُ الْمَاءِ " وَأَدْخَلَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ». فَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الدَّمَ بِحَالِهِ، وَعَلَيْهِ رَائِحَةُ الْمِسْكِ، وَلَمْ تُخْرِجْهُ الرَّائِحَةُ عَنْ صِفَةِ الدَّمَوِيَّةِ. وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِرِيحِ جِيفَةٍ عَلَى طَرَفَيْهِ وَسَاحِلِهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ بِهَا وَقَدْ وَقَعَتْ فِيهِ لَكَانَ ذَلِكَ تَنْجِيسَهُ لَهُ لِلْمُخَالَطَةِ، وَالْأُولَى مُجَاوَرَةٌ لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهَا. [مَسْأَلَة الْمَاءُ إذَا تَغَيَّرَ بِقَرَارِهِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: ثُمَّ تَرَكَّبَ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ، وَهِيَ الْمَاءُ إذَا تَغَيَّرَ بِقَرَارِهِ كَزِرْنِيخٍ أَوْ جِيرٍ يَجْرِي عَلَيْهِ، أَوْ تَغَيَّرَ بِطُحْلُبٍ أَوْ بِوَرَقِ شَجَرٍ يَنْبُتُ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ، لِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ يَعْنِي إذَا وَجَدَهُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ اسْتَعْمَلَهُ؛ لِأَنَّ مَا يُغْلَبُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ فِي بَابِ التَّكْلِيفِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّوَقِّي مِنْهُ، فَإِنَّهُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا. وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُوعَ عَنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ، وَلَا يُمْكِنُ بَشَرًا الِاحْتِرَازُ مِنْهَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي عَدَالَتِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْكَبَائِرُ يُمْكِنُ التَّوَقِّي مِنْهَا وَالِاحْتِرَازُ عَنْهَا قَدَحَتْ فِي الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا كَانَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ مُمْكِنًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَمَلُ الْيَسِيرُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالِالْتِفَاتِ بِالرَّأْسِ وَحْدَهُ وَالْمُرَاوَحَةِ بَيْنَ الْأَقْدَامِ، وَتَحْرِيكِ الْأَجْفَانِ، وَتَقْلِيبِ الْيَدِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. وَهَذِهِ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ فِي بَابِ التَّكْلِيفِ كُلِّهِ، فَعَلَيْهِ خَرَجَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ عَنْ تَغَيُّرِهِ بِمَا لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَة لَمْ يَلْحَقْ غَيْرُ الْمَاءِ بِالْمَاءِ لِوَجْهَيْنِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لَمَّا وَصَفَ اللَّهُ الْمَاءَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ، وَامْتَنَّ بِإِنْزَالِهِ مِنْ السَّمَاءِ لِيُطَهِّرَنَا بِهِ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ: «حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ»، فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْحَقْ غَيْرُ الْمَاءِ بِالْمَاءِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إبْطَالِ فَائِدَةِ الِامْتِنَانِ. وَالثَّانِي: لِأَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالْجَنَابَةَ، فَلَا يُزِيلُ النَّجَسَ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: إنَّ كُلَّ مَائِعٍ طَاهِرٍ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَدْفَعُهَا عَنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْقَلِيلَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي الزَّيْتِ الْكَثِيرِ لَمْ يُنَجَّسْ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ «سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ». وَقَوْلُهُ: «إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُفْسِدُ الْمَائِعَ؛ لِأَنَّهُ عُمُومٌ سُئِلَ عَنْهُ، فَخَصَّ أَحَدَ صِنْفَيْهِ بِالْجَوَازِ، وَبَقِيَ الْآخَرُ عَلَى الْمَنْعِ. وَلَيْسَ هَذَا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَهَذِهِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ تَفْهَمُونَهَا، فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ كِتَابٍ، وَلَيْسَتْ النَّجَاسَةُ مَعْنًى مَحْسُوسًا، حَتَّى يُقَالَ: كُلَّمَا أَزَالَهَا فَقَدْ قَامَ بِهِ الْفَرْضُ، وَإِنَّمَا النَّجَاسَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ الْمَاءَ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، إذْ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَحِقَ بِهِ لَأَسْقَطَهُ، وَالْفَرْعُ إذَا عَادَ إلْحَاقُهُ بِالْأَصْلِ بِالْإِسْقَاطِ سَقَطَ فِي نَفْسِهِ. وَقَدْ كَانَ تَاجُ السُّنَّةِ ذُو الْعِزِّ بْنُ الْمُرْتَضَى الدَّبُوسِيُّ يُسَمِّيهِ فَرْخَ زِنَا. [مَسْأَلَة الْمَاءَ إذَا فَضَلَتْ لِلْجُنُبِ مِنْهُ فَضْلَةٌ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: تَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمَاءَ إذَا فَضَلَتْ لِلْجُنُبِ مِنْهُ فَضْلَةٌ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِهَا، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ «مَيْمُونَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَجْنَبْت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاغْتَسَلْت مِنْ جَفْنَةٍ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا. فَقُلْت: إنِّي قَدْ اغْتَسَلْت مِنْهُ. فَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ» أَوْ: «إنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ». وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ. [مَسْأَلَة كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا مُطَهَّرًا عَلَى أَصْلِهِ فَوَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إذَا كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا مُطَهَّرًا عَلَى أَصْلِهِ فَوَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَسَدَ عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ». وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَا أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ حَقِيقَتَهُ، وَأَنَّ الْإِنَاءَ يُغْسَلُ عِبَادَةً، لَا لِنَجَاسَةٍ بِدَلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَسْلَ مَعْدُودٌ بِسَبْعٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ لِلتُّرَابِ فِيهَا مَدْخَلًا، وَلَوْ كَانَ لِنَجَاسَةٍ لَمَا كَانَ لِلتُّرَابِ فِيهَا مَدْخَلٌ، كَالْبَوْلِ، عَكْسُهُ الْوُضُوءُ لَمَّا كَانَ عِبَادَةً دَخَلَ التُّرَابُ مَعَ الْمَاءِ. وَرَأَى مَالِكٌ طَرْحَ الْمَاءِ تَقَذُّرًا لَا تَنَجُّسًا، أَوْ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْخِلَافِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَأْكُلُ الْأَقْذَارَ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مِنْ الطَّوَّافِينَ أَوْ الطَّوَّافَاتِ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ عَلَيْهِ فِي الْفِقْهِ. [مَسْأَلَة إذَا وَلَغَتْ السِّبَاعُ فِي الْمَاءِ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إذَا وَلَغَتْ السِّبَاعُ فِي الْمَاءِ: كُلُّ حَيَوَانٍ عِنْدَ مَالِكٍ طَاهِرُ الْعَيْنِ حَتَّى الْخِنْزِيرِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَلَكِنْ تَحَرَّرَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ أَسْآرَ السِّبَاعِ مَكْرُوهَةٌ، لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلْبِ، مِنْ أَنَّهَا تُصِيبُ النَّجَاسَاتِ، وَلَيْسَتْ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَلَا مِنْ الطَّوَّافَاتِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَسْآرُ السِّبَاعِ نَجِسَةٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حِيَاضٍ تَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْكِلَابُ فَقَالَ: لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا بَقِيَ غَيْرَ شَرَابٍ وَطَهُورٍ». وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ وَعَمْرًا وَقَفَا عَلَى حَوْضٍ، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ، هَلْ تَرِدُ حَوْضَك السِّبَاعُ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ، لَا تُخْبِرْنَا، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ، وَتَرِدُ عَلَيْنَا. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ كَانَ كَثِيرًا، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا لَكَانَ لِلْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ قَدَّمْنَاهُ قَبْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعَ نِسْوَةٍ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي سَقَيْتُكُنَّ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَكَرِهْتُنَّ ذَلِكَ. وَقَدْ وَاَللَّهِ سَقَيْت مِنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيَّ. وَهَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَاءَهَا كَانَ كَثِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَحَائِضُ النِّسَاءِ، وَعَذِرَاتُ النَّاسِ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْت قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا، قُلْت: مَا أَكْثَرُ مَا يَكُونُ الْمَاءُ فِيهَا؟ قَالَ: إلَى الْعَانَةِ. قُلْت: فَإِذَا نَقَصَ مَاؤُهَا؟ قَالَ: إلَى الْعَوْرَةِ قَالَ أَبُو دَاوُد: فَقَدَّرْتهَا بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ. وَسَأَلْت الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إلَيْهَا: هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَأَيْت مَاءَهَا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ جِدًّا. قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَغَيَّرَ مَاؤُهَا؛ لِأَنَّهَا فِي وَسَطِ السَّبَخَةِ، فَمَاؤُهَا يَكُونُ قَرَارَهَا. وَبُضَاعَةُ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَلَهَا يَقُولُ أَبُو أُسَيْدَ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ: نَحْنُ حَمَيْنَا عَنْ بُضَاعَةَ كُلِّهَا ... وَنَحْنُ بَنَيْنَا مَعْرِضًا هُوَ مُشْرِفُ فَأَصْبَحَ مَعْمُورًا طَوِيلًا قَذَالُهُ ... وَتَخْرَبُ آطَامٌ بِهَا وَتَقَصَّفُ [مَسْأَلَة وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ لَيْسَ كَوُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي أَحْكَامِ الْمِيَاهِ أَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ لَيْسَ كَوُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». فَمَنَعَ مِنْ وُرُودِ الْيَدِ عَلَى الْمَاءِ، وَأَمَرَ بِإِيرَادِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَصْلٌ بَدِيعٌ فِي الْبَابِ، وَلَوْلَا وُرُودُهُ عَلَى النَّجَاسَةِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لَمَا طَهُرَتْ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ: «صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ». رُوِيَ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ، فَبَايَعَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَامَ فَفَشَجَ يَعْنِي فَرَّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَعَجَّلَ النَّاسُ إلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تُزْرِمُوهُ ثُمَّ دَعَا بِهِ، فَقَالَ أَلَسْت بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا حَمَلَك عَلَى أَنْ بُلْت فِي مَسْجِدِنَا؟ قَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا ظَنَنْت إلَّا أَنَّهُ صَعِيدٌ مِنْ الصُّعُدَاتِ، فَبُلْت فِيهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ». وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِحَفْرِ مَوْضِعِ بَوْلِهِ، وَطَرْحِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ». [مَسْأَلَة الْمُعَوَّلُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: رَأَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الدَّلْوَ يَكْفِي لِبَوْلِ الرَّجُلِ فِي إزَالَةِ عَيْنِهِ وَطَهَارَةِ مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ؛ لِأَنَّ الدَّلْوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَعَلَّقَ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ، وَجَعَلَهُ تَقْدِيرًا، وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَدِيثَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ، وَهُوَ مَجْهُولٌ سَاقِطٌ، إذْ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ لَعَلَّقَهُ عَلَى مَعْلُومٍ، كَمَا عُلِمَ الصَّاعُ وَالْوَسْقُ، حَتَّى كَانَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ شَرْعًا، الْمُقَدَّرُ بِهِ صَحِيحًا. وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي صَبِّ الْمَاءِ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا زَالَتْ. [مَسْأَلَة الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] تَوَقَّفَ جَمَاعَةٌ فِي مَاءِ الْبَحْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَزَّلٍ مِنْ السَّمَاءِ، حَتَّى رَوَوْا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَمْرٍو مَعًا أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاءُ نَارٍ، وَلِأَنَّهُ طَبَقُ جَهَنَّمَ. وَلَكِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ حُكْمَهُ حِينَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا يُنْسَبُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ عَلَى نَارٍ، وَالنَّارَ عَلَى مَاءٍ، وَالْمَاءَ عَلَى نَارٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ، وَسَبْعَةَ أَنْوَارٍ. وَأَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ رَاوِي حَدِيثِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ فِي الْبَحْرِ: " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ". وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: إنَّمَا هُمَا بَحْرَانِ، فَلَا يَضُرُّك بِأَيِّهِمَا بَدَأْت. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدٍ الْجَارِمِيِّ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ الْحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَعَنْ مَاءِ الْبَحْرِ، فَلَمْ يَرَيَا بِذَلِكَ بَأْسًا.