الباحث القرآني

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
{قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 28]. اعْلَمُوا، عَلَّمَكُمْ اللَّهُ الِاجْتِهَادَ، وَحِفْظَ سَبِيلَ الِاعْتِقَادِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، مَعَ أَنَّ مَالِكًا قَدْ ذَكَرَهَا، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ لَا تَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَآثَارٌ مِنْ جِنْسِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِهَا، وَنَحْنُ نَحْلُبُ دَرَّهَا، وَنَنْظِمُ دُرَرَهَا، وَنَشُدُّ مِئْزَرَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا ثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} [القصص: 27] فِيهِ عَرْضُ الْمَوْلَى وَلِيَّتَهُ عَلَى الزَّوْجِ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ: عَرَضَ صَالِحُ مَدْيَنَ ابْنَتَهُ عَلَى صَالِحِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَعَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَعَرَضَتْ الْمَوْهُوبَةُ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ «تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: فَلَقِيت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْت عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْت: إنْ شِئْت أَنْكَحْتُك حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبِثْت لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَلَّا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَقُلْت: إنْ شِئْت أَنْكَحْتُك حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، فَكُنْت عَلَيْهِ أَوْجَدُ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْت لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْكَحْتهَا إيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّك وَجَدْت عَلِيَّ حِينَ عَرَضْت عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أُرْجِعْ إلَيْك شَيْئًا، فَقُلْت: نَعَمْ. فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُرْجِعَ إلَيْك فِيمَا عَرَضْت عَلَيَّ إلَّا أَنِّي كُنْت عَلِمْت أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لَأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَوْ تَرَكَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَبِلْتهَا». وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَوْهُوبَةِ فَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: «إنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي، فَرَأْيَك. فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ: هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى أَهْلِك فَانْظُرْ لَعَلَّك تَجِدُ شَيْئًا. فَذَهَبَ وَرَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُنْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. وَلَكِنَّ هَذَا إزَارِي قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك؟ إنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسْته لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ عَدَّدَهَا. قَالَ: تَقْرَأُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ». وَفِي رِوَايَةٍ: " زَوَّجْتُكهَا ". وَفِي أُخْرَى: " أَنْكَحْتُكهَا ". وَفِي رِوَايَةٍ: " أَمْكَنَّاكَهَا ". وَفِي رِوَايَةٍ: " وَلَكِنْ اُشْقُقْ بُرْدَتِي هَذِهِ، أَعْطِهَا النِّصْفَ وَخُذْ النِّصْفَ ". فَمِنْ الْحُسْنِ عَرْضُ الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ وَالْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ اقْتِدَاءً بِهَذَا السَّلَفِ الصَّالِحِ. [مَسْأَلَة يَنْعَقِد النِّكَاح بِكُلِّ لَفْظٍ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} [القصص: 27] عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ عَلَى لَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِكُلِّ لَفْظٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَلَا حُجَّةَ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً فِي شَيْءٍ، وَنَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَرَاهُ حُجَّةً فَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا أَنَّ النِّكَاحَ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَقَعَ، وَامْتِنَاعُهُ بِغَيْرِ لَفْظِ النِّكَاحِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ بِظَاهِرِهَا، وَلَا يُنْظَرُ مِنْهَا؛ وَلَكِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ». وَرُوِيَ «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ»، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ. وَهَذَا نَصٌّ. وَقَدْ رَامَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَنْ يَجْعَلُوا انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِلَفْظِهِ تَعَبُّدًا، كَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيَأْبَوْنَ مَا بَيْنَ الْعُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ. وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ الْأَمْرَ وَسَنُبَيِّنُهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ابْتِدَاؤُهُ بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ فِي قَوْلِهِ: {أُنْكِحَكَ} [القصص: 27] وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِي الْعَقْدِ، الْمُلْتَزِمُ لِلصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ، الْقَيِّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَصَاحِبُ الدَّرَجَةِ عَلَيْهَا فِي حَقِّ النِّكَاحِ. وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37]. فَبَدَأَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ زَيْنَبَ؛ وَهُوَ شَرْعُنَا الَّذِي لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى {إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: 27] هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَرْضٌ لَا عَقْدٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَقْدًا لَعَيَّنَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا لَهُ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْبَيْعِ إذَا قَالَ لَهُ: بِعْتُك أَحَدَ عَبْدِي هَذَيْنِ بِثَمَنِ كَذَا فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْخِيَارِ يَلْصَقُ بِالنِّكَاحِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: أَيَّتَهُمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: الصُّغْرَى. ثُمَّ قَالَ مُوسَى: لَا، حَتَّى تُبْرِئَهَا مِمَّا فِي نَفْسِك، يُرِيدُ حِينَ قَالَتْ: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]، فَامْتَلَأَتْ نَفْسُ صَالِحَ مَدْيَنَ غَيْرَةً، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُرَاجَعَةٌ فِي الْقَوْلِ وَمُؤَانَسَةٌ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الْحَجَرَ مِنْ فَمِ الْبِئْرِ وَحْدَهُ، وَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا عَشْرَةُ رِجَالٍ، وَأَمَّا أَمَانَتُهُ فَحِينَ مَشَيْت قَالَ لِي: كُونِي وَرَائِي، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَحِينَئِذٍ سَكَنَتْ نَفْسُهُ، وَتَمَكَّنَ أُنْسُهُ. [مَسْأَلَة إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك هَلْ يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ إيجَابًا أَمْ لَا] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} [القصص: 27] هَلْ يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ إيجَابًا أَمْ لَا؟ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الِاسْتِدْعَاءِ، هَلْ يَكُونُ قَبُولًا؟ كَمَا إذَا قَالَ: بِعْنِي ثَوْبَك هَذَا. فَقَالَ: بِعْتُك، هَلْ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَمْ لَا؟ حَتَّى يَقُولَ الْآخَرُ قَبِلْت، عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَنْعَقِدُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الِاسْتِدْعَاءِ لِحُصُولِ الْغَرَضِ مِنْ الرِّضَا بِهِ، عَلَى أَصْلِنَا؛ فَإِنَّ الرِّضَا بِالْقَلْبِ هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ كَمَا وَقَعَ اللَّفْظُ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُنْكِحَنِي، أَوْ أُنْكِحَك، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إيجَابًا حَاصِلًا؛ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْآخَرُ: نَعَمْ، انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} [القصص: 27] فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: {ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} [القصص: 28] وَهَذَا انْعِقَادُ عَزْمٍ، وَتَمَامُ قَوْلٍ، وَحُصُولُ مَطْلُوبٍ، وَنُفُوذُ عَقْدٍ. وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا بَنِي النَّجَّارِ؛ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ، إلَّا إلَى اللَّهِ». فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ، وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمِلْكِ. [مَسْأَلَة تَزْوِيجُ الْكُبْرَى قَبْلَ الصُّغْرَى] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّهُ زَوَّجَ الصُّغْرَى. يُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنْ سُئِلْت أَيُّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى فَقُلْ: خَيْرَهُمَا وَأَوْفَاهُمَا. وَإِنْ سُئِلْت أَيُّ الْمَرْأَتَيْنِ تَزَوَّجَ فَقُلْ الصُّغْرَى وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ خَلْفَهُ، وَهِيَ الَّتِي قَالَتْ: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]». الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: عَادَةُ النَّاسِ تَزْوِيجُ الْكُبْرَى قَبْلَ الصُّغْرَى؛ لِأَنَّهَا سَبَقَتْهَا إلَى الْحَاجَةِ إلَى الرِّجَالِ، وَمِنْ الْبِرِّ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا. وَاَلَّذِي أَوْجَبَ تَقْدِيمَ الصُّغْرَى فِي قِصَّةِ صَالِحِ مَدْيَنَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَعَلَّهُ آنَسَ مِنْ الْكُبْرَى رِفْقًا بِهِ، وَلِينَ عَرِيكَةٍ فِي خِدْمَتِهِ. الثَّانِي: أَنَّهَا سَبَقَتْ الصُّغْرَى إلَى خِدْمَتِهِ، فَلَعَلَّهَا كَانَتْ أَحَنَّ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَوَقَّعَ أَنْ يَمِيلَ إلَيْهَا، لِأَنَّهُ رَآهَا فِي رِسَالَتِهِ، وَمَاشَاهَا فِي إقْبَالِهِ إلَى أَبِيهَا مَعَهَا، فَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْكُبْرَى رُبَّمَا أَظْهَرَ لَهُ الِاخْتِيَارَ، وَهُوَ يُضْمِرُ غَيْرَهُ، لَكِنْ عَرَضَ عَلَيْهِ شَرْطَهُ لِيُبْرِئَهَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَطَرَّقَ الْوَهْمُ إلَيْهِ. [مَسْأَلَة جَعْلِ الْمَنَافِعِ صَدَاقًا] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27]. فَذَكَرَ لَهُ لَفْظَ الْإِجَارَةِ وَمَعْنَاهَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي جَعْلِ الْمَنَافِعِ صَدَاقًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَجَازَهُ غَيْرُهُمَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ. وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ نُقِدَ مَعَهُ شَيْءٌ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَدْ فَهُوَ أَشَدُّ، فَإِنْ تَرَكَ مَضَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْن الْمَوَّازِ وَأَشْهَبُ، وَعَوَّلَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ. قَالَ الْقَاضِي: صَالِحُ مَدْيَنَ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ صَالِحِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ خِدْمَتَهُ فِي غَنَمِهِ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقُ فُلَانَةَ خِدْمَةَ فُلَانٍ، وَلَكِنَّ الْخِدْمَةَ لَهَا عِوَضٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّةِ صَالِحِ مَدْيَنَ لِصَالِحِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَجَعَلَهُ صَدَاقًا لِابْنَتِهِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: فَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ بِجُعْلٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى: لَا يَجُوزُ، وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَلَا أُجْرَةَ مِثْلِهِ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَالْإِسْلَامُ بِخِلَافِهِ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَيْسَ فِي قِصَّةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جُعْلٌ، إنَّمَا فِيهِ إجَارَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ خِلَافُهُ؛ بَلْ فِيهِ جَوَازُهُ فِي قِصَّةِ الْمَوْهُوبَةِ، وَهُوَ يُجَوِّزُ النِّكَاحَ بِعَدَدٍ مُطْلَقٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ عَلَى تَعْلِيمِ عِشْرِينَ سُورَةٍ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّحْصِيلِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ الْمَوْهُوبَةِ: «عَلِّمْهَا عِشْرِينَ سُورَةً، وَهِيَ امْرَأَتُك». [مَسْأَلَة مَنَافِعُ الْأَحْرَارِ وَمَنَافِعُ الْعَبِيد هَلْ يَصِحَّانِ فِي الصَّدَاق] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُ الْحُرِّ صَدَاقًا. وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي مَنَافِعِ الْعَبْدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ. وَنَزَعَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ لَيْسَتْ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ مَالٌ كُلُّهُ. وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ مَالٌ، بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهَا بِالْمَالِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَالًا مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ مَالًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ فِي أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَالصَّدَاقُ بِالْمَنَافِعِ إنَّمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ؛ فَمَنَافِعُ الْأَحْرَارِ وَمَنَافِعُ الْعَبِيدِ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ الْأَصْلُ، وَيُحْمَلُ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلٍ سَاقِطٍ؟ وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. [مَسْأَلَة هَلْ يَصِحّ الصَّدَاقِ إجَارَةً] جَوَازُ الصَّدَاقِ إجَارَةً الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إذَا ثَبَتَ جَوَازُ الصَّدَاقِ إجَارَةً فَفِي قَوْلِهِ: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي} [القصص: 27] ذِكْرٌ لِلْخِدْمَةِ مُطْلَقًا. وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ جَائِزٌ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْمَعْرُوفِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ لِمَنَافِعِهِ فِيمَا يُصْرَفُ فِيهِ مِثْلُهُ، وَالْعُرْفُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَيَقْضِي بِهِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَيُعْضَدُ هَذَا بِظَاهِرِ قِصَّةِ مُوسَى فَإِنَّهُ ذِكْرُ إجَارَةٍ مُطْلَقَةٍ، عَلَى أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ ذَكَرُوا أَنَّهُ عَيَّنَ لَهُ رَعِيَّةَ الْغَنَمِ، وَلَمْ يَرْوُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ، وَلَكِنْ قَالُوا: إنَّ صَالِحَ مَدْيَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ إلَّا رَعِيَّةَ الْغَنَمِ، فَكَانَ مَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ قَائِمًا مَقَامَ تَعْيِينِ الْخِدْمَةِ فِيهِ. وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَنَا؛ فَإِنَّ الْمُخَالِفَ يَرَى أَنَّ مَا عُلِمَ مِنْ الْحَالِ لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ حَتَّى يُسَمَّى. وَعِنْدَنَا أَنَّهُ يَكْفِي مَا عُلِمَ مِنْ الْحَالِ، وَمَا قَامَ مِنْ دَلِيلِ الْعُرْفِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّسْمِيَةِ فِي الْخِدْمَةِ، وَالْعُرْفُ عِنْدَنَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْمِلَّةِ وَدَلِيلٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ. وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ قَبْلُ، وَفِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْأُصُولِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنْ كَانَ آجَرَهُ عَلَى رِعَايَةِ الْغَنَمِ فَالْإِجَارَةُ عَلَى رِعَايَةِ الْغَنَمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً، أَوْ مُسَمَّاةً بِعِدَّةٍ، أَوْ مُعَيَّنَةً. فَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً جَازَتْ عِنْدَ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: إنَّهَا لَا تَجُوزُ لِجَهَالَتِهَا. وَعَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْعُرْفِ، وَأَنَّهُ يُعْطِي عَلَى قَدْرِ مَا تَحْتَمِلُ قُوَّتُهُ. وَزَادَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُسْتَأْجِرُ قَدْرَ قُوَّتِهِ. وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ صَالِحَ مَدْيَنَ قَدْ عَلِمَ قَدْرَ قُوَّةِ مُوسَى بِرَفْعِ الْحَجَرِ. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَعْدُودَةً فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ اتِّفَاقًا. وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُودَةً مُعَيَّنَةً فَفِيهَا تَفْصِيلٌ لِعُلَمَائِنَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَشْتَرِطَ الْخَلْفَ إنْ مَاتَتْ، وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَقَدْ اسْتَأْجَرَ صَالِحُ مَدْيَنَ مُوسَى عَلَى غَنَمِهِ، وَقَدْ رَآهَا وَلَمْ يَشْرِطْ خَلْفًا. [مَسْأَلَة تَشْتَرِطُ صَدَاقَ بَنَاتِهَا وَتَقُولُ لِي كَذَا فِي خَاصَّةِ نَفْسِي] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الَّذِي [كَانَ] جَرَى مِنْ صَالِحِ مَدْيَنَ لَمْ يَكُنْ ذِكْرًا لِصَدَاقِ الْمَرْأَةِ؛ وَإِنَّمَا كَانَ اشْتِرَاطًا لِنَفْسِهِ عَلَى مَا تَفْعَلُهُ الْأَعْرَابُ فَإِنَّهَا تَشْتَرِطُ صَدَاقَ بَنَاتِهَا، وَتَقُولُ: لِي كَذَا فِي خَاصَّةِ نَفْسِي قُلْنَا: هَذَا الَّذِي تَفْعَلُهُ الْأَعْرَابُ هُوَ حُلْوَانُ وَزِيَادَةٌ عَلَى الْمَهْرِ، وَهُوَ حَرَامٌ لَا يَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ. فَأَمَّا إذَا شَرَطَ الْوَلِيُّ شَيْئًا لِنَفْسِهِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا يُخْرِجُهُ الزَّوْجُ مِنْ يَدِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَائِزٌ. وَالْآخَرُ: لَا يَجُوزُ. وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِيهِ التَّقْسِيمُ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا جَازَ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا بِيَدِهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْوَلِيِّ مُبَاشَرَةُ الْعَقْدِ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْعِوَضُ عَنْهُ، كَمَا يَأْخُذُهُ الْوَكِيلُ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ. وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا كَانَ الْعَقْدُ بِيَدِهِ، فَكَأَنَّهُ عِوَضٌ فِي النِّكَاحِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَثَبَتَ بَعْدَهُ عَلَى مَشْهُورِ الرِّوَايَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَمْ يَكُنْ اشْتِرَاطُ صَالِحِ مَدْيَنَ عَلَى مُوسَى مَهْرًا، وَإِنَّمَا كَانَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ، وَتَرَكَ الْمَهْرَ مُفَوَّضًا. وَنِكَاحُ التَّفْوِيضِ جَائِزٌ. قُلْنَا: كَانَتْ بِكْرًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَا يُظَنُّ بِالْفُضَلَاءِ، فَكَيْفَ بِالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. [مَسْأَلَة أُجْرَةُ مُوسَى] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: لَمْ يُنْقَلْ مَا كَانَتْ أُجْرَةُ مُوسَى، وَلَكِنْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ أَنَّ صَالِحَ مَدْيَنَ جَعَلَ لِمُوسَى كُلَّ سَخْلَةٍ تُوضَعُ خِلَافَ لَوْنِ أُمِّهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى مُوسَى: أَلْقِ عَصَاك بَيْنَهُنَّ يَلِدْنَ خِلَافَ شَبَهِهِنَّ كُلِّهِنَّ. وَاَلَّذِي رَوَى عُتْبَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ السُّلَمِيُّ وَهُوَ عُتْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْأَجَلَيْنِ أَوْفَى مُوسَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفَاهُمَا وَأَبَرُّهُمَا». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ مُوسَى لَمَّا أَرَادَ فِرَاقَ شُعَيْبٍ أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَسْأَلَ أَبَاهَا عَنْ نِتَاجِ غَنَمِهِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ. ". فَأَعْطَاهَا مَا وَلَدَتْ غَنَمُهُ مِنْ قَالِبِ لَوْنِ ذَلِكَ الْعَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَمَّا وَرَدَتْ الْحَوْضَ وَقَفَ مُوسَى بِإِزَاءِ الْحَوْضِ فَلَمْ تَمُرَّ بِهِ شَاةٌ إلَّا ضَرَبَ جَنْبَهَا بِعَصَا، فَوَضَعَتْ قَوَالِبَ أَلْوَانٍ كُلِّهَا اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ، كُلُّ شَاةٍ لَيْسَ مِنْهُنَّ فَشُوشٌ وَلَا ضَبُوبٌ وَلَا كَمِيشَةٌ وَلَا ثَعُولٌ ". الْفَشُوشُ: الَّتِي إذَا مَشَتْ سَالَ لَبَنُهَا. وَالضَّبُوبُ الَّتِي ضَرْعُهَا مِثْلُ الْمَوْزَتَيْنِ. وَالْكَمِيشَةُ: الصَّغِيرَةُ الضَّرْعِ الَّتِي لَا يَضْبِطُهَا الْحَالِبُ. وَالْقَالِبُ لَوْنُ صِنْفٍ وَاحِدٌ كُلُّهُ. وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَكَانَ فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: وَهِيَ الْوَحْيُ لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ بِالْإِلْهَامِ، أَوْ بِأَنْ يُكَلِّمَهُ الْمَلَكُ كَهَيْئَةِ الرَّجُلِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ هَدَاهُ فِي طَرِيقِهِ لِمَدْيَنَ حِينَ ضَلَّ وَخَافَ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ نَبِيًّا، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُكَلِّمُهُ الْمَلَكُ وَيُخْبِرُهُ بِأَمْرٍ مُشْكِلٍ يَكُونُ نَبِيًّا وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ. [مَسْأَلَة الْإِجَارَةُ بِالْعِوَضِ الْمَجْهُولِ] الثَّانِيَةُ: وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْإِجَارَة بِالْعِوَضِ الْمَجْهُولِ، فَإِنَّ وِلَادَةَ الْغَنَمِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَإِنَّ مِنْ الْبِلَادِ الْخِصْبَةِ مَا يُعْلَمُ وِلَادَةُ الْغَنَمِ فِيهَا قَطْعًا، وَعِدَّتُهَا، وَسَلَامَةُ سِخَالِهَا؛ مِنْهَا دِيَارُ مِصْرَ وَغَيْرُهَا، بَيْدَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي شَرْعِنَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْغَرَرِ»، وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا فِي بِلَادِ الْخِصْبِ لَيْسَ بِغَرَرٍ، لِاطِّرَادِ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: لَيْسَ كَمَا ظَنَنْت؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا نَهَى عَنْ الْغَرَرِ نَهَى عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ. وَالْمَضَامِينُ: مَا فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ وَالْمَلَاقِيحُ: مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ، أَوْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: مَلْقُوحَةٌ فِي بَطْنِ نَابٍ حَامِلٍ عَلَى أَنَّ مَعْمَرَ بْنَ الْأَشَدِّ أَجَازَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْغَنَمِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ: يَنْسِجُ الثَّوْبَ بِنَصِيبٍ مِنْهُ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ. وَقَرَأْت بِبَابِ جَيْرُونَ عَلَى الشَّيْخِ الْأَجَلِّ الرَّئِيسِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ فُضَيْلٍ الدِّمَشْقِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيُّ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: آجَرَ مُوسَى نَفْسَهُ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ. فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَك مِنْهَا يَعْنِي مِنْ نِتَاجِ غَنَمِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ قَالِبُ لَوْنٍ وَاحِدٌ غَيْرُ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ، لَيْسَ فِيهَا عَزُورٌ، وَلَا فَشُوشٌ، وَلَا كَمُوشٌ، وَلَا ضَبُوبٌ، وَلَا ثَعُولٌ». الْعَزَوَّرُ: الَّتِي يَعْسُرُ حَلْبُهَا. وَالثَّعُولُ: الَّتِي لَهَا زِيَادَةُ حَلَمَةٍ، وَهُوَ عَيْبٌ فِيهَا. وَقَدْ كَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ غُلَامٌ يَخْدِمُهُ، بِشِبَعِ بَطْنِهِ. وَجَوَّزَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبَاهُ غَيْرُهُ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. [مَسْأَلَة جَمَعَ سِلْعَتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِغَيْرِ عَاقِدٍ وَاحِدٍ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ قَالَ لِبِنْتِ صَالِحِ مَدْيَنَ فِي الْغَنَمِ حِصَّةٌ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، صَدَاقًا لَهَا بِمَا كَانَ لَهَا مِنْ الْحِصَّةِ فِيهَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا احْتِرَازٌ مِنْ مَعْنَى بِوُقُوعٍ فِي آخَرَ؛ فَإِنَّ الْغَنَمَ إذَا كَانَتْ بَيْنَ صَالِحِ مَدْيَنَ وَبَيْنَ ابْنَتِهِ، وَأَخَذَهَا مُوسَى مُسْتَأْجِرًا عَلَيْهَا، فَفِي ذَلِكَ جَمَعَ سِلْعَتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِغَيْرِ عَاقِدٍ وَاحِدٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ مَنْعُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهْلِ بِالثَّمَنِ فِي حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَى جَمْعِ السِّلْعَتَيْنِ، لَا سِيَّمَا وَيُمْكِنُ التَّوَقِّي مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَذْكُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ سِلْعَتِهِ، وَيَقَعَ الثَّمَنُ مَقْسُومًا عَلَى الْقِيمَةِ، فَيَكُونَ مَعْرُوفًا لَا غَرَرَ فِيهِ، فَلَا يُمْنَعُ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِمَا. [مَسْأَلَة اجْتِمَاعُ إجَارَةٍ وَنِكَاحٍ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: فِي هَذَا اجْتِمَاعُ إجَارَةٍ وَنِكَاحٍ: وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَالَ فِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ: يُكْرَهُ ابْتِدَاءً؛ فَإِنْ وَقَعَ مَضَى. الثَّانِي: قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَشْهُورِ: لَا يَجُوزُ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ. الثَّالِثُ: أَجَازَهُ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ. الرَّابِعُ: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ بَقِيَ بَعْدَ الْمَبِيعِ، يَعْنِي مِنْ الْقِيمَةِ، رُبْعُ دِينَارٍ يُقَابِلُ الْبُضْعَ جَازَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَقَدْ بَيَّنَّا تَوْجِيهَاتِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآيَةُ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: النِّكَاحُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْبُيُوعِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ بَيْنَ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ، وَهُوَ شَبَهُهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الرَّجُلَيْنِ يَجْمَعَانِ سِلْعَتَهُمَا، وَإِذَا كَانَتَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ جَازَ، وَالْعَاقِدُ هُنَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوَلِيُّ. [مَسْأَلَة نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا] الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ إلَى الْوَلِيِّ، لَا حَظَّ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ، لِأَنَّ صَالِحَ مَدْيَنَ تَوَلَّاهُ. وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَفْتَقِرُ النِّكَاحُ إلَى وَلِيٍّ، وَعَجَبًا لَهُ، مَتَى رَأَى امْرَأَةً قَطُّ عَقَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، وَمِنْ الْمَشْهُورِ فِي الْآثَارِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ». وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ. [مَسْأَلَة الْأَبَ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَارٍ] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَارٍ؛ قَالَ مَالِكٌ. وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ فِي الْبَابِ. وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ فَلَا يُزَوِّجُهَا أَحَدٌ إلَّا بِرِضَاهَا؛ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّكْلِيفِ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا، وَلَا رِضَاءَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «الْأَيِّمُ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا». فَقَوْلُهُ: " الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا " دَلِيلٌ قَوِيٌّ فِي الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي كَوْنِ الْمَرْأَةِ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا كَوْنَهَا أَيِّمًا؛ وَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهَا مَقَاصِدَ فِي النِّكَاحِ. وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِكُلِّ فَائِدَةٍ وَلَطِيفَةٍ. وَاحْتِجَاجُ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعَوِّلُ عَلَى الإسرائليات، وَفِيهَا أَنَّهُمَا كَانَتَا بِكْرَيْنِ، وَبَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ. وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَنَاتِ تَرْكُ النِّكَاحِ، حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُنَّ مُتَزَوِّجَاتٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ النِّسَاءِ النِّكَاحُ، وَمَتَى اجْتَمَعَ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ: إنَّ أَبَاهَا لَمَّا قَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ، فَأَشَارَ إلَيْهِمَا، كَانَ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِئْمَارِ أَوْ مِثْلَهُ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ مَعَ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا بِضَمِيرِ الْحَاضِرِ إسْمَاعٌ لَهَا. وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ الْآيَةِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ الِاكْتِفَاءُ بِصَمْتِ الْبِكْرِ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَاهِرٌ، وَفِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ أَبْيَنُ مِنْهُ فِي شَرْعِ مُوسَى، وَبِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَتَبَيَّنُ لَك وَجْهُ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ، وَمَا يَعْرِضُ عَلَى الْأَدِلَّةِ مِنْ الشَّبَهِ، فَيُقَابَلُ كُلُّ فَنٍّ بِمَا يَصْلُحُ لَهُ، وَيُرَجَّحُ الْأَظْهَرُ وَيُقْضَى بِهِ. [مَسْأَلَة الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَدْ بَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ أَنَّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ. وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهَا؛ هَلْ هِيَ فِي الدِّينِ وَالْمَالِ وَالْحَسَبِ، أَوْ فِي بَعْضِهَا؟ وَحَقَّقْنَا جَوَازَ نِكَاحِ الْمَوَالِي لِلْعَرَبِيَّاتِ وَلِلْقُرَشِيَّاتِ، وَأَنَّ الْمُعَوِّلَ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. وَقَدْ جَاءَ مُوسَى إلَى صَالِحِ مَدْيَنَ غَرِيبًا طَرِيدًا، وَحِيدًا جَائِعًا عُرْيَانًا، فَأَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ لَمَّا تَحَقَّقَ مِنْ دِينِهِ، وَرَأَى مِنْ حَالِهِ، وَأَعْرَضَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَلَا خِلَافَ فِي إنْكَاحِ الْأَبِ؛ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي إنْكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، إلَّا أَنْ يَطْرَحَهَا الْأَبُ فِي عَارٍ يَلْحَقُ الْقَبِيلَ، فَفِيهِ خِلَافٌ، وَتَفْصِيلٌ عَرِيضٌ طَوِيلٌ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْفُرُوعِ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ. [مَسْأَلَة هَلْ دَخَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ عَقَدَ أَمْ حِينَ سَافَرَ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ؛ هَلْ دَخَلَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ عَقَدَ؟ أَمْ حِينَ سَافَرَ؟ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ حِينَ عَقَدَ فَمَاذَا نَقَدَ؟ وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ الدُّخُولِ حَتَّى يَنْقُدَ وَلَوْ رُبْعَ دِينَارٍ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ مَضَى، لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا: تَعْجِيلُ الصَّدَاقِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ مُسْتَحَبٌّ، عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّدَاقُ رَعْيَهُ الْغَنَمَ فَقَدْ نَقَدَ الشُّرُوعَ فِي الْخِدْمَةِ. وَإِنْ كَانَ دَخَلَ حِينَ سَافَرَ أَوْ أَكْمَلَ الْمُدَّةَ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: وَطُولُ الِانْتِظَارِ فِي النِّكَاحِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مَدَى الْعُمْرِ، بِغَيْرِ شَرْطٍ. وَأَمَّا إنْ كَانَ بِشَرْطٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مِثْلِ التَّأَهُّبِ لِلْبِنَاءِ، أَوْ انْتِظَارِ صَلَاحِيَّةِ الزَّوْجَةِ لِلدُّخُولِ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً. نَصَّ عَلَيْهَا عُلَمَاؤُنَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْحَالِ. وَمَا كَانَ صَالِحُ مَدْيَنَ يَحْبِسُهُ عَنْ الدُّخُولِ يَوْمًا، وَقَدْ عَقَدَهُ عَلَيْهَا حَالًا. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ثَمَانِيَ حِجَجٍ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: {ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] فَنَصَّ عَلَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوسَى مُدَّةً مِنْ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ عَلَى رَعْيِهِ الْغَنَمَ وَالْحَيَوَانَ، فَتَغَيَّرَ فِي الْآمَادِ الطَّوِيلَةِ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْعِشْرِينَ سَنَةً فِي الْعَقْدِ طُولًا، وَلَا رَأَى فِي الْمُدَوَّنَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ طُولًا. وَمَنَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي الْعَشْرِ سِنِينَ، وَهُوَ أَصَحُّ لِسُرْعَةِ التَّغَيُّرِ فِي الْغَالِبِ إلَى الْأَبَدَانِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي ثَمَانِيَ سِنِينَ، وَبَلَغَهَا بِالطَّوْعِ الَّذِي لَا يُلْزَمُ عَشْرًا، وَهُوَ الْعَدْلُ. [مَسْأَلَة التَّطَوُّع بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: لَمَّا ذَكَرَ الشَّرْطَ، وَأَعْقَبَهُ بِالتَّطَوُّعِ فِي الْعَشْرِ؛ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حُكْمِهِ، وَلَمْ يَلْحَقْ الْآخَرُ بِالْأَوَّلِ، وَلَا اشْتَرَكَ الْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ؛ وَلِذَلِكَ يُكْتَبُ فِي الْعُقُودِ الشُّرُوطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يُقَالُ: وَتَطَوَّعَ بِكَذَا، فَيَجْرِي الشَّرْطُ عَلَى سَبِيلِهِ، وَالتَّطَوُّعُ عَلَى حُكْمِهِ. وَقَدْ أَفْرَطَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: يُقَالُ فِي الْعَقْدِ: وَتَطَوَّعَ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ. وَهَذَا إفْرَاطٌ يَخْرُجُ بِقَائِلِهِ إلَى التَّفْرِيطِ فَإِنَّهُ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِيهِ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: عَقَدَ مَعَهُ كَذَا، وَشَرَطَ كَذَا، وَتَطَوَّعَ بِكَذَا، فَقَدْ انْفَصَلَ الْوَاجِبُ مِنْ التَّطَوُّعِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّطَوُّعَ أَخْرَجَهُ عَنْ لَوَازِمِ الْعَقْدِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ حَشْوٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَتَكْرَارٌ لَا مَعْنَى لَهُ. [مَسْأَلَة اسْتَأْجَرَ عَلَى عَمَلِ حَائِطٍ مَثَلًا] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: {أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} [القصص: 28] الْمَعْنَى لَيْسَ لَك إنْ وَفَّيْت أَحَدَ الْأَجَلَيْنِ أَنْ تَتَعَدَّى عَلَيَّ بِالْمُطَالَبَةِ بِالزَّائِدِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قَصَّرَ فِي الْعَامَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ قَصَّرَ فِي الثَّمَانِي لَكَانَ عَلَيْهِ عُدْوَانٌ، وَهُوَ أَنْ يُعْدِيَ عَلَيْهِ. وَكَيْفِيَّةُ الْعُدْوَانِ نُبَيِّنُهُ بِأَنْ نَقُولَ: اخْتَلَفَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى عَمَلِ حَائِطٍ مَثَلًا يُتِمُّهُ فَلَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مُقَاطَعَةً، فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُتِمَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ بِالنَّقْدِ فَيَنْقُدَهُ، وَيَلْزَمَهُ تَمَامُهُ. وَأَكْثَرُ بِنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمُقَاطَعَةِ، إذَا سَمَّى لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُك عَلَى بُنْيَانِ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ نِصْفًا، أَوْ شَهْرَيْنِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ وَقَالَ: تَبْنِي هَذِهِ الدَّارَ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ، فَكُلَّمَا بَنَى أَخَذَ، أَوْ تَبْنِي هَذَا الْبَابَ، أَوْ هَذَا الْحَائِطَ، فَهُوَ مِثْلُهُ. وَكَذَلِكَ كَانَتْ إجَارَةُ مُوسَى مُقَاطَعَةً، فَلَهَا حُكْمُ الْمُقَاطَعَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ يَأْتِي فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ. تَحْرِيرُهُ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِجَارَةِ إمَّا يَتَقَدَّرُ بِالزَّمَانِ، أَوْ بِصِفَةِ الْعَمَلِ الَّذِي يَضْبِطُ؛ فَإِنْ كَانَ بِالزَّمَانِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ، لَازِمٌ فِي مُدَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ بِالْعَمَلِ فَإِنَّهُ يُضْبَطُ بِصِفَتِهِ، وَيَلْزَمُ الْأَجِيرَ تَمَامُ الْمُدَّةِ، أَوْ تَمَامُ الصِّفَةِ. وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ إذَا كَانَ هَكَذَا إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ. [مَسْأَلَة الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 28] اكْتَفَى الصَّالِحَانِ بِاَللَّهِ فِي الْإِشْهَادِ، وَلَمْ يُشْهِدَا أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ عَلَى قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يَنْعَقِدُ دُونَ شُهُودٍ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِعْلَانُ وَالتَّصْرِيحُ. وَقَدْ مَهَّدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِهِ الْإِشْهَادُ كَالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْإِعْلَانَ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ: «فَرْقُ مَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ الدُّفُّ». وَرُبَّمَا نَزَعَ نَازِعٌ بِأَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ لَازِمٌ وَاجِبٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَدْ أَخْبَرْنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّفَّاءُ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا آدَم، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ: أَتَيْتنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، قَالَ: كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: أَتَيْتنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْت. فَدَفَعَهَا إلَيْهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَالْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهُ، لِئَلَّا يَقْدَمَ عَلَيْهِ الْأَجَلُ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا. ثُمَّ جَاءَ بِهَا إلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي تَسَلَّفْت مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْت لَهُ: كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا فَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْت لَهُ: كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِنِّي جَهَدْت أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إلَيْهِ بِاَلَّذِي لَهُ، فَلَمْ أَقْدِرْ؛ وَإِنِّي قَدْ اسْتَوْدَعْتُكَهَا. وَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إلَى بَلَدِهِ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، وَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا زِلْت أَجْهَدُ فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَك بِمَالِك، فَمَا وَجَدْت مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْت فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْت بَعَثْت إلَيَّ بِشَيْءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَخْبَرْتُك، أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُك فِيهِ. قَالَ: بَلَى، وَاَللَّهِ، قَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْك الَّذِي بَعَثْت بِهِ، فَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا». [مَسْأَلَة لِلرَّجُلِ أَنْ يَذْهَبَ بِأَهْلِهِ حَيْثُ شَاءَ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص: 29]. دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَذْهَبَ بِأَهْلِهِ حَيْثُ شَاءَ، لِمَا لَهُ عَلَيْهَا مِنْ فَضْلِ الْقَوَامِيَّةِ، وَزِيَادَةِ الدَّرَجَةِ، إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ لَهَا أَمْرًا فَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَأَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ. الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ طَلَبَ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ، وَحَنَّ إلَى وَطَنِهِ، وَفِي الرُّجُوعِ إلَى الْأَوْطَانِ تُقْتَحَمُ الْأَغْرَارُ، وَتُرْكَبُ الْأَخْطَارُ، وَتُعَلَّلُ الْخَوَاطِرُ، وَيَقُولُ: لَمَّا طَالَتْ الْمُدَّةُ لَعَلَّهُ قَدْ نُسِيَتْ التُّهْمَةُ، وَبَلِيَتْ الْقِصَّةُ.