الباحث القرآني

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ
{إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} [ص: 22]. الْآيَةُ فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْخَصْمُ كَلِمَةٌ تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وُقُوعَ الْمَصَادِرِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمَا كَانَا اثْنَيْنِ، فَيَنْتَظِمُ الْكَلَامُ بِهِمَا، وَيَصِحُّ الْمُرَادُ فِيهِمَا. [مَسْأَلَة معني قَوْله تَعَالَى تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى: {تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] يَعْنِي جَاءُوا مِنْ أَعْلَاهُ. وَالسُّورَةُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ كَانَتْ بُقْعَةً مَحْسُوسَةً أَوْ مَنْزِلَةً مَعْقُولَةً؛ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاك سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ فَهَذَا هُوَ الْمَنْزِلَةُ. وَسُورُ الْمَدِينَةِ الْمَوْضِعُ الْعَالِي مِنْهَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَالسُّؤْرُ مَهْمُوزٌ: بَقِيَّةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْإِنَاءِ. وَالسُّؤْرُ: الْوَلِيمَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: يَأْهَلَ الْخَنْدَقِ؛ إنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُؤْرًا فَحَيَّ هَلَّا بِكُمْ». الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْمِحْرَابِ، قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ سَبَأٍ. [مَسْأَلَة الْخَصْمَانِ اللَّذَانِ دَخَلَا عَلَى دَاوُد] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ: {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ} [ص: 22]: قِيلَ: إنَّهُمَا كَانَا إنْسِيَّيْنِ؛ قَالَهُ النَّقَّاشُ. وَقِيلَ: مَلَكَيْنِ؛ قَالَهُ جَمَاعَةٌ. وَعَيَّنَهُمَا جَمَاعَةٌ، فَقَالُوا: إنَّهُمَا كَانَا جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَرَبُّك أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ، بَيْدَ أَنِّي أَقُولُ لَكُمْ قَوْلًا تَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى الْغَرَضِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مِحْرَابَ دَاوُد كَانَ مِنْ الِامْتِنَاعِ بِالِارْتِفَاعِ بِحَيْثُ لَا يَرْقَى إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ إلَّا أَنْ يُقِيمَ إلَيْهِ أَيَّامًا أَوْ أَشْهُرًا بِحَسْبِ طَاقَتِهِ، مَعَ أَعْوَانٍ يَكْثُرُ عَدَدُهُمْ، وَآلَاتٍ جَمَّةٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَنْوَاعِ. وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ يُوصَلُ إلَيْهِ مِنْ بَابِ الْمِحْرَابِ لَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ: {تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21]؛ إذْ لَا يُقَالُ تَسَوَّرَ الْمِحْرَابَ وَالْغُرْفَةَ لِمَنْ طَلَعَ إلَيْهَا مِنْ دَرَجِهَا، وَجَاءَهَا مِنْ أَسْفَلِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَجَازًا. وَإِذَا شَاهَدْت الْكُوَّةَ الَّتِي يُقَالُ إنَّهُ دَخَلَ مِنْهَا الْخَصْمَانِ عَلِمْت قَطْعًا أَنَّهُمَا مَلَكَانِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْعُلُوِّ بِحَيْثُ لَا يَنَالُهَا إلَّا عُلْوِيٌّ، وَلَا نُبَالِي مَنْ كَانَا فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُك بَيَانًا، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ وَرَاءَ ذَلِكَ. [مَسْأَلَة لِمَ فَزِعَ دَاوُد وَهُوَ نَبِيٌّ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} [ص: 22]: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ فَزِعَ وَهُوَ نَبِيٌّ وَقَدْ قَوِيَتْ نَفْسُهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِالْوَحْيِ، وَوَثِقَتْ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ الْمَنْزِلَةِ، وَأَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْآيَاتِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ الْعِصْمَةَ، وَلَا أَمِنَ مِنْ الْقَتْلِ وَالْإِذَايَةِ، وَمِنْهُمَا. كَانَ يَخَافُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا تَخَفْ. وَقَبْلَهُ قِيلَ ذَلِكَ لِلُوطٍ؛ فَهُمْ فَزِعُونَ مِنْ خَوْفٍ مَا لَمْ يَكُنْ قِيلَ لَهُمْ [فِيهِ]: إنَّكُمْ مِنْهُ مَعْصُومُونَ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} [ص: 22]: أَيْ نَحْنُ خَصْمَانِ. وَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ يَأْمُرْ بِإِخْرَاجِهِمْ إذْ عَلِمَ مَطْلَبَهُمْ، وَقَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَهَلَّا أَدَّبَهُمْ عَلَى تَعَدِّيهِمْ؟ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ شَرْعِهِ فِي الْحِجَابِ وَالْإِذْنِ، فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى حَسْبِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ شَرْعِنَا مُهْمَلًا عَنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، حَتَّى أَوْضَحَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْبَيَانِ. الثَّانِي: إنَّا لَوْ نَزَّلْنَا الْجَوَابَ عَلَى أَحْكَامِ الْحِجَابِ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْفَزَعُ الطَّارِئُ عَلَيْهِ أَذْهَلَهُ عَمَّا كَانَ يَجِبُ فِي ذَلِكَ لَهُ. الثَّالِثُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ كَلَامَهُمَا الَّذِي دَخَلَا لَهُ حَتَّى يَعْلَمَ آخِرَ الْأَمْرِ مِنْهُ، وَيَرَى هَلْ يَحْتَمِلُ التَّقَحُّمُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنٍ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ عُذْرٌ لَهُمَا، أَمْ لَا يَكُونُ لَهُمَا عُذْرٌ عَنْهُ. وَكَانَ مِنْ آخِرِ الْحَالِ مَا انْكَشَفَ مِنْ أَنَّهُ بَلَاءٌ وَمِحْنَةٌ وَمَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ فِي الْقِصَّةِ، وَأَدَبٌ وَقَعَ عَلَى دَعْوَى الْعِصْمَةِ. الرَّابِعُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا إذْنَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَحَدٍ، وَلَا حَجْرَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ.