الباحث القرآني

لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ: قَوْله تَعَالَى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء: 148]. فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهَا؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ يَظْلِمُ الرَّجُلَ، فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَذْكُرَهُ بِمَا ظَلَمَهُ فِيهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَآخَرُونَ: إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الضِّيَافَةِ؛ إذَا نَزَلَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ضَيْفًا فَلَمْ يَقُمْ بِهِ جَازَ لَهُ إذَا خَرَجَ عَنْهُ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ. وَقَالَ رَجُلٌ لِطَاوُسٍ: إنِّي رَأَيْت مِنْ قَوْمٍ شَيْئًا فِي سَفَرٍ، أَفَأَذْكُرُهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ؛ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ». وَقَالَ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». وَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعُمَرَ بِحَضْرَةِ أَهْلِ الشُّورَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الظَّالِمِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حُكُومَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُهَا لِنَفْسِهِ حَتَّى أَنْفَذَ فِيهَا عَلَيْهِمْ عُمَرُ لِلْوَاجِبِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا اسْتَوَتْ الْمَنَازِلُ أَوْ تَقَارَبَتْ؛ فَأَمَّا إذَا تَفَاوَتَتْ فَلَا تُمَكَّنُ الْغَوْغَاءُ مِنْ أَنْ تَسْتَطِيلَ عَلَى الْفُضَلَاءِ، وَإِنَّمَا تَطْلُبُ حَقَّهَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِظُلْمٍ وَلَا غَضَبٍ؛ وَهَذَا صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآثَارُ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ»، بِأَنْ يَقُولَ مَطَلَنِي، وَعُقُوبَتُهُ بِأَنْ يُحْبَسَ لَهُ حَتَّى يُنْصِفَهُ. [مَسْأَلَة يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ وَصِفَةُ دُعَائِهِ عَلَى الظَّالِمِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَإِنْ صَبَرَ وَغَفَرَ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ؛ وَصِفَةُ دُعَائِهِ عَلَى الظَّالِمِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعْنِي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ مَنْ يَدْعُو عَلَى سَارِقٍ سَرَقَهُ، فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي عَنْهُ، أَيْ لَا تُخَفِّفْ عَنْهُ بِدُعَائِك، وَهَذَا إذَا كَانَ مُؤْمِنًا؛ فَأَمَّا إذَا كَانَ كَافِرًا فَأُرْسِلْ لِسَانَك وَادْعُ بِالْهَلَكَةِ، وَبِكُلِّ دُعَاءٍ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّصْرِيحِ عَلَى الْكُفَّارِ بِالدُّعَاءِ وَتَعْيِينِهِمْ وَتَسْمِيَتِهِمْ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ دَعَا عَلَيْهِ جَهْرًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِرْضٌ مُحْتَرَمٌ، وَلَا بَدَنٌ مُحْتَرَمٌ، وَلَا مَالٌ مُحْتَرَمٌ. وَقَدْ فَصَّلْنَا ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ. [مَسْأَلَةُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {إِلا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]: قُرِئَ بِفَتْحِ الظَّاءِ، وَقُرِئَ بِضَمِّهَا، وَقَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى: لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعَ " مَنْ " رَفْعًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ أَحَدٍ. التَّقْدِيرُ: لَا يُحِبُّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ. وَاَلَّذِي قَرَأَهَا بِالْفَتْحِ هُوَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَكَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ أَغْفَلَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى الْآيَةِ تَقْدِيرَهَا وَإِعْرَابَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ. وَاخْتِصَارُهُ أَنَّ الْآيَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حَذْفٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ فِي فَاتِحَةِ الْآيَةِ لِيَأْتِيَ الِاسْتِثْنَاءُ مُرَكَّبًا عَلَى مَعْنًى مُقَدَّرٍ خَيْرٌ مِنْ تَقْدِيرِهِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ فَنَقُولُ: مَعْنَى الْآيَةِ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ بِضَمِّ الظَّاءِ. أَوْ نَقُولُ مُقَدَّرًا لِلْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ، فَهَذَا خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَقُولَ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ بِضَمِّ الظَّاءِ فَإِنَّهُ كَذَا. أَوْ مَنْ ظُلِمَ فَإِنَّهُ كَذَا، التَّقْدِيرُ أَبْعَدُ مِنْهُ وَأَضْعَفُ، كَمَا قَدَّرَ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10] {إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النمل: 11]. قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ تَقْدِيرًا انْتَظَمَ بِهِ الْكَلَامُ وَاتَّسَقَ بِهِ الْمَعْنَى؛ قَالُوا: تَقْدِيرُ الْآيَةِ إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، لَكِنْ يَخَافُ الظَّالِمُونَ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ، فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.