الباحث القرآني

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي حِكْمَةِ الْآيَةِ: اُنْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ إلَى مُرَاعَاةِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ لِمَصَالِحِنَا وَحُسْنِ تَقْدِيرِهِ فِي تَدْبِيرِهِ لِأَحْكَامِنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ الرِّقَّ عَلَى الْخَلْقِ عُقُوبَةً لِلْجَانِي وَخِدْمَةً لِلْمَعْصُومِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْعَلَّاقَةَ قَدْ تَنْتَظِمُ بِالرِّقِّ فِي بَابِ الشَّهْوَةِ الَّتِي رَتَّبَهَا جِبِلَّةً، وَرَتَّبَ النِّكَاحَ عَلَيْهَا فِي اتِّحَادِ الْقُرُونِ وَتَرْتِيبِ النَّظَرِ، وَشَرَّفَهُ لِشَرَفِ فَائِدَتِهِ وَمَقْصُودِهِ مِنْ وُجُودِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ صَانَ عَنْهُ مَحِلَّ الْمَمْلُوكِيَّةِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِيهَا سَبَبَ الْحِلِّ وَطَرِيقَ التَّحْرِيمِ، وَالِاسْتِمْتَاعُ يَكْفِي. الثَّانِي: وَهُوَ الْمَقْصُودُ صِيَانَةُ النُّطْفَةِ عَنْ التَّصْوِيرِ بِصُورَةِ الْإِرْقَاقِ. الثَّالِثُ: صِيَانَةٌ لِعَقْدِ النِّكَاحِ حِينَ كَثَّرَ شُرُوطَهُ، وَأَعْلَى دَرَجَتَهُ، وَكَمَّلَ صِفَتَهُ؛ وَقَدْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ أَحْوَالَ الْخَلْقِ سَتَسْتَقِيمُ بِقِسْمَتِهِ إلَى ضِيقٍ وَسَعَةٍ وَضَرُورَةٍ أَذِنَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ لِلْحُرِّ فِي تَعْرِيضِ نُطْفَتِهِ لِلْإِرْقَاقِ، لِئَلَّا يَكُونَ مُرَاعَاةَ أَمْرٍ مَوْهُومٍ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ حَالٍ مُتَوَقَّعَةٍ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْهَوَى يُجِيزُ نِكَاحَ الْإِمَاءِ، وَهَذَا مُنْتَهَى نَظَرُ الْمُحَقِّقِينَ فِي مُطَالَعَةِ الْأَحْكَامِ مِنْ بَحْرِ الشَّرْعِ وَسَاحِلِ الْعَقْلِ؛ فَاِتَّخَذُوهَا مُقَدِّمَةً لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي فَهْمِ سِيَاقِ الْآيَةِ: اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي سِيَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهَا سِيقَتْ مَسَاقَ الرُّخَصِ، كَقَوْلِهِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] وَقَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَنَحْوُهُ. فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تُلْحَقَ بِالرُّخَصِ الَّتِي تَكُونُ مَقْرُونَةً بِأَحْوَالِ الْحَاجَةِ وَأَوْقَاتِهَا، وَلَا يَسْتَرْسِلُ فِي الْجَوَازِ اسْتِرْسَالَ الْعَزَائِمِ؛ وَإِلَى هَذَا مَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا أَصْلًا، وَجَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُطْلَقًا، وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَدْ جَهِلَ مَسَاقَ الْآيَةِ مَنْ ظَنَّ هَذَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبَحْ نِكَاحُ الْأَمَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ الطَّوْلِ، وَالثَّانِي خَوْفُ الْعَنَتِ؛ فَجَاءَ بِهِ شَرْطًا عَلَى شَرْطٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَرَائِرَ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْحَرَائِرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ذِكْرًا مُطْلَقًا؛ فَلَمَّا ذَكَرَ الْإِمَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ ذَكَرَهَا ذِكْرًا مَشْرُوطًا مُؤَكَّدًا مَرْبُوطًا. فَإِنْ قِيلَ: حَلَّقْتُمْ عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ بِأَلْفَاظٍ هَائِلَةٍ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ وَصْفًا أَوْ وَصْفَيْنِ فَأَرَدْتُمْ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا دَلِيلُ الْخِطَابِ الَّذِي نَازَعْنَاكُمْ فِيهِ مُذْ كُنَّا وَكُنْتُمْ. فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّا نَقُولُ: دَلِيلُ الْخِطَابِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِنَا، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَحَقَّقْنَاهُ تَحْقِيقًا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، وَمَنْ أَرَادَ دَرَاهُ. الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مَسُوقَةً مَسَاقَ دَلِيلِ الْخِطَابِ كَمَا بَيَّنَّا؛ وَإِنَّمَا هِيَ مَسُوقَةٌ مَسَاقَ الْإِبْدَالِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَكُونُ مَسُوقَةً مَسَاقَ شِبْهِ دَلِيلِ الْخِطَابِ لَوْ قُلْنَا: انْكِحُوا الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ بِطَوْلٍ وَعِنْدَ خَوْفِ عَنَتٍ، فَأَمَّا وَقَدْ قَالَ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ} [النساء: 25]؛ فَقَرَنَهُ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي رَتَّبَ عَلَيْهَا الْإِبْدَالَ فِي الشَّرِيعَةِ وَأَدْخَلَهَا فِي بَابِهَا بِعِبَارَتِهَا وَمَعْنَاهَا لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْهَا، فَلَيْسَ لِرَجُلٍ حَكَمَهُ اللَّهُ وَاضِعٌ. وَمِنْ غَرِيبِ دَلِيلِ الْخِطَابِ أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ يَخُصُّ الْوَصْفَ بِالذَّكَرِ لِلتَّنْبِيهِ، وَقَدْ يَخُصُّهُ بِالْعُرْفِ، وَقَدْ يَخُصُّهُ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ، فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء: 31] فَإِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى حَالَةِ الْإِثْرَاءِ، وَخَصَّ حَالَةَ الْإِمْلَاقِ بِالنَّهْيِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَرَّضَ الْأَبُ لَقَتْلِ الِابْنِ فِيهَا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] خَصَّ حَالَةَ الْإِكْثَارِ وَالْإِثْرَاءِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا النُّفُوسُ بِالنَّهْيِ؛ فَأَمَّا إذَا وَقَعَ شَرْطٌ بِقُدْرَةٍ فَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَدَلِيَّةِ وَالرُّخْصَةِ، وَإِنْ وَقَعَ بِتَنْبِيهٍ مَقْرُونًا بِحَالَةٍ أَوْ عَادَةً كَانَ ظَاهِرًا، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ». وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ خَمْسَةً مِنْ الْأَدِلَّةِ تَقْتَضِي فِي الْمَعْنَى أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ رُخْصَةٌ، فَلَمَّا انْتَهَى النَّظَرُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ، وَرَأَى الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ رُخْصَةٌ، وَأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بَعْدَ الطَّوْلِ تَحَكَّمَ فِي الطَّوْلِ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَقَالَ: إنَّ الطَّوْلَ هُوَ وُجُودُ الْحُرَّةِ تَحْتَهُ، فَإِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَهُوَ ذُو طَوْلٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، هَذَا تَأْوِيلُ أَبِي يُوسُفَ. وَتَحْقِيقُهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الطَّوْلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ الْقُدْرَةُ، وَالنِّكَاحُ هُوَ الْوَطْءُ حَقِيقَةً، فَمَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَطَأَ حُرَّةً فَلْيَتَزَوَّجْ أَمَةً، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةً فِي الَّذِي تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَلَا يُنْقَلُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلِيلٍ. أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنْ قَالُوا: الطَّوْلُ هُوَ الْغِنَى وَالسَّعَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ} [التوبة: 86]. وَالنِّكَاحُ هُوَ الْعَقْدُ، فَمَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَدَاقُ حُرَّةٍ فَلْيَتَزَوَّجْ أَمَةً، وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25]، وَهَذَا أَقْوَى أَلْفَاظِ الْحَصْرِ، كَقَوْلِهِ فِي شُرُوطِ الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]. وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَشْتَرِطُ خَوْفَ الْعَنَتِ. [مَسْأَلَة قَدَرَ عَلَى طَوْلِ كِتَابِيَّةٍ هَلْ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ] فَإِنْ قِيلَ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَإِنْ قَدَرَ عَلَى طَوْلِ كِتَابِيَّةٍ هَلْ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، يَتَزَوَّجُهَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْف هَذَا، وَهِيَ مِثْلُ الْمُسْلِمَةِ الْحُرَّةِ؟ وَالْقُدْرَةُ عَلَى مِثْلِ الشَّيْءِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. قُلْنَا: لَيْسَا مِثْلَيْنِ بِأَدِلَّةٍ لَا تُحْصَى كَثْرَةً وَقُوَّةً، مِنْهَا أَنَّ إمَاءَهُمْ لَمْ تَسْتَوِ فَكَيْفَ حَرَائِرُهُمْ؟ وَمَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا نَشْتَرِطُهُ نَحْنُ، وَلَا نُلْحِقُ مُسْلِمَةً بِكَافِرَةٍ، فَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ بِلَا كَلَامٍ. فَإِنْ قِيلَ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " لَهُ: لَيْسَ نِكَاحُ الْأَمَةِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ مَا يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُ النَّفْسِ أَوْ تَلَفُ عُضْوٍ، وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. قُلْنَا: هَذَا كَلَامُ جَاهِلٍ بِمِنْهَاجِ الشَّرْعِ أَوْ مُتَهَكِّمٍ لَا يُبَالِي بِمَا يَرِدُ الْقَوْلُ. نَحْنُ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ حُكْمٌ نِيطَ بِالضَّرُورَةِ، إنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ بِالرُّخْصَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْحَاجَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ، وَحَالَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا، وَمَنْ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ الَّتِي تَكُونُ مَعَهَا الرُّخْصَةُ فَلَا يُعْنَى بِالْكَلَامِ مَعَهُ، فَإِنَّهُ مُعَانِدٌ أَوْ جَاهِلٌ، وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ إتْعَابٌ لِلنَّفْسِ عِنْدَ مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ. [مَسْأَلَة كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ هَلْ يَتَزَوَّجُ الْأَمَة أَمْ لَا] فَإِنْ قِيلَ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فَإِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، هَلْ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ أَمْ لَا؟ قُلْنَا: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا؛ فَقَالَ مَالِكٌ: إذَا خَشِيَ الْعَنَتَ مَعَ حُرَّةٍ وَاحْتَاجَ إلَى أُخْرَى، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَدَاقِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ؛ وَهَكَذَا مَعَ كُلِّ حُرَّةٍ وَكُلِّ أَمَةٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْأَرْبَعِ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: إذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ رُدَّ نِكَاحُهُ؛ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ الْأُولَى أَصَحُّ فِي الدَّلِيلِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ بِشَرْطٍ قَدْ وُجِدَ وَكَمُلَ عَلَى الْأَمْرِ. فَإِنْ قِيلَ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فَهَلْ تَكُونُ الْحُرَّةُ بِالْخِيَارِ فِي الْبَقَاءِ مَعَهَا أَوْ الْفِرَاقِ؟ قُلْنَا: كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْوَاحِدَةِ، وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِالسَّبَبِ الْمُحَقَّقِ رَضِيَ بِالْمُسَبَّبِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ، وَأَلَّا يَكُونَ لَهَا خِيَارٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ لَهُ نِكَاحَ الْأَرْبَعِ، وَعَلِمَتْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ تَزَوَّجَ أَمَةً، وَمَا شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا كَمَا شَرَطَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي شُرُوطِ اللَّهِ عِلْمُهَا، وَهَذَا غَايَةُ التَّحْقِيقِ فِي الْبَابِ وَالْإِنْصَافِ فِيهِ. [مَسْأَلَة نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْله تَعَالَى: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]. بِهَذَا اسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَةِ، فَكَانَ شَرْطًا فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ الْإِيمَانُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ. قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا اسْتِدْلَالًا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالتَّعْلِيلِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْإِيمَانَ فِي نِكَاحِهِنَّ، وَذِكْرُ الصِّفَةِ فِي الْحُكْمِ تَعْلِيلٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمُوا الْعَالِمَ وَاحْفَظُوا الْغَرِيبَ لَكَانَ تَنْصِيصًا عَلَى الْحُكْمِ وَعَلَى عِلَّتِهِ، وَهِيَ الْعِلْمُ وَالْغُرْبَةُ فَيَتَعَدَّى الْإِكْرَامُ [وَالْحِفْظُ] لِكُلِّ عَالَمٍ وَغَرِيبٍ، وَلَا يَتَعَدَّى إلَى سِوَاهُمَا. الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5]؛ فَكَانَ هَذَا تَعْلِيلًا يَمْنَعُ مِنْ النِّكَاحِ فِي الْمُشْرِكَاتِ. الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5]، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِيمَانُ شَرْطًا فِي الْإِحْلَالِ وَلَا الْعِفَّةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا الْحُرِّيَّةُ. الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] فَلْيَنْكِحْ الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَالْإِحْصَانُ هَاهُنَا فِي الْحُرِّيَّةِ قَطْعًا، فَنَقَلْنَاهُ مِنْ حُرَّةٍ مُؤْمِنَةٍ إلَى أَمَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]. ثُمَّ قَالَ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} [المائدة: 5] يَعْنِي حِلٌّ لَكُمْ، {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] حِلٌّ لَكُمْ أَيْضًا، يُرِيدُ بِذَلِكَ الْحَرَائِرَ لَا مَعْنَى لَهُ سِوَاهُ، فَأَفَادَتْ الْآيَةُ حِلَّ الْكِتَابِيَّةِ، وَبَقِيَتْ الْأَمَةُ الْكَافِرَةُ تَحْتَ التَّحْرِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: {وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ} [البقرة: 221]، فَخَايَرَ بَيْنَهُمَا، وَالْمُخَايَرَةُ لَا تَكُونُ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: لَمَّا أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ الْمُحَرَّمَاتِ الْحَاضِرَاتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلتَّكْلِيفِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، فَلَوْ وَقَعَ هَذَا الْإِحْلَالُ بِنَصٍّ لَكَانَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي عَدَدْنَاهَا نَسْخًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ عُمُومًا، فَجَرَى عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ أَلْفًا مَا أَثَّرَ فِي الْعُمُومِ، فَكَيْفَ وَهِيَ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ؟ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] وَهُوَ عُمُومٌ خَرَجَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ وَبَقِيَ تَحْتَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَهُمْ الْمُحَارِبُونَ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ لَا فَصَاحَةً وَلَا حِكْمَةً وَلَا دِينًا وَلَا شَرِيعَةً. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25]: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمَّا شَرَطَ الْإِيمَانَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَخْفِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ أَحَالَ عَلَى الظَّاهِرِ فِيهِ، وَقَالَ: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25] فِيمَا أَضْمَرْتُمْ مِنْ الْإِيمَانِ، كُلُّكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَبِظَاهِرِهِ مَعْصُومٌ، حَتَّى يَحْكُمَ فِيهِ الْحَكِيمُ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا «جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ لَهُ: عَلَيَّ رَقَبَةٌ وَأُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ. قَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» حَمْلًا عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْإِيمَانِ، نَعَمْ وَعَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ. [مَسْأَلَة التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي الشَّرَفِ] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25]. قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْتُمْ الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي الشَّرَفِ، وَرَدَّ عَلَى الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تُسَمِّي وَلَدَ الْأَمَةِ هَجِينًا تَعْبِيرًا لَهُ بِنُقْصَانِ مَرْتَبَةِ أُمِّهِ، وَهَذَا أَمْرٌ أَدْخَلَتْهُ الْيَمَنِيَّةُ عَلَى الْمُضَرِيَّةِ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَشْعُرْ بِجَهْلِ الْعَرَبِ وَغَفَلْتهَا؛ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ ابْنُ أَمَةٍ، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى بَصِيرَةٍ مَا قَبِلَتْ هَذَا التَّعْبِيرَ، وَإِلَيْهَا يُرْجَعُ. [مَسْأَلَة تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ قَدَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى حُرَّةٍ فَتَزَوَّجَهَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً، ثُمَّ قَدَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى حُرَّةٍ فَتَزَوَّجَهَا ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: يَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ ارْتَفَعَتْ الْإِبَاحَةُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي اسْتِدَامَتِهِ، كَالْعِدَّةِ وَالْإِحْرَامِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ. وَهَذَا لَا جَوَابَ عَنْهُ. وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فِي الضَّرُورَةِ فَتُفَارِقُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا عَقْدٌ لَازِمٌ، وَتِلْكَ إبَاحَةٌ مُجَرَّدَةٌ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا عَقْدٌ بِشُرُوطٍ، فَيُعْتَبَرُ بِشُرُوطِهِ، بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ فِي الْمَيْتَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ صَدَاقٌ، وَكَيْفَ يَجُوزُ هَذَا وَنِكَاحٌ بِغَيْرِ صَدَاقٍ سِفَاحٌ؟ وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ نِكَاحَ كُلِّ امْرَأَةٍ، فَقَرَنَهُ بِذَكَرِ الصَّدَاقِ فَقَالَ فِي الْإِمَاءِ: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 25]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: 5]. وَقَالَ أَيْضًا: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الممتحنة: 10]؛ فَكَيْفَ يَخْلُو عَنْهُ عَقْدُ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ بِأَنْ يَجِبَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ فِي الْعَقْدِ عَنْهُ لَوَجَبَ بِالْوَطْءِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ لِلرَّدِّ عَلَى إسْمَاعِيلَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " لَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ الْهَرَّاسُ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ "، فَتَعَرَّضُوا لِلِارْتِقَاءِ فِي صُفُوفِهِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ. قَالَ الرَّازِيّ: يَجِبُ الْمَهْرُ وَيَسْقُطُ؛ لِئَلَّا تَكُونَ اسْتِبَاحَةُ الْبُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَيَسْقُطُ فِي الثَّانِي حِينَ يَسْتَحِقُّهُ الْمَوْلَى، لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ، وَالْمَوْلَى هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَالَهَا وَلَا يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الْمَهْرَ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِشَخْصٍ عَلَى شَخْصٍ، فَمَنْ الَّذِي أَوْجَبَهُ؟ وَعَلَى مَنْ وَجَبَ؟ فَإِنْ قُلْت: وَجَبَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ فَهَذَا مُحَالٌ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِهِ، وَوُجُوبِهِ لَا عَلَى أَحَدٍ مُحَالٌ، وَكَمَا أَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ كَذَلِكَ الْمِلْكُ يَقْتَضِي الْإِسْقَاطَ، وَلَيْسَ إيجَابُهُ ضَرُورَةَ الْإِسْقَاطِ، كَمَا يُقَالُ إنَّ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِلِابْنِ ضَرُورَةَ الْعِتْقِ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمِلْكِ، فَأَمَّا إسْقَاطُ الْمَهْرِ فَلَا يَقْتَضِي إثْبَاتَهُ، فَوَجَبَ أَلَّا يَجِبَ بِحَالٍ. وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ أَصْلًا، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ وَلَا بُدَّ مِنْ مَالِكٍ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ مَالِكًا؛ فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ، وَعَادَ الْكَلَامُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَمْلِكُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا قَوْلُ الرَّازِيّ: إنَّهُ يَجِبُ وَيَسْقُطُ فَكَلَامٌ لَهُ فِي الشَّرْعِ أَمْثِلَةٌ، مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا؛ فَمِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ هُوَ فِيمَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى أَلْفٍ. فَقَالَ سَيِّدُهُ: هُوَ حُرٌّ. فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَهُوَ كَلِمَةُ " هُوَ حُرٌّ " يَتَضَمَّنُ عَقْدَ الْبَيْعِ، وَوُجُوبَ الثَّمَنِ عَلَى الْمُبْتَاعِ، ثُمَّ وُجُوبَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَوُجُوبَ الْمِلْكِ لِلْمُبْتَاعِ، وَخُرُوجَهُ عَنْ يَدِ الْبَائِعِ وَمِلْكَهُ وَالْعِتْقَ، وَيَجِبُ الْمِلْكُ ثُمَّ يَسْقُطُ. كُلُّ ذَلِكَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ. كَذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ: يَجِبُ الصَّدَاقُ هَاهُنَا لِحِلِّ الْوَطْءِ، ثُمَّ يَكُونُ مَا كَانَ. وَمِمَّا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ نَحْنُ وَالشَّافِعِيَّةُ إذَا اشْتَرَى الِابْنُ أَبَاهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَقْدُ الشِّرَاءِ وَيَحْصُلُ الْمِلْكُ لِلِابْنِ، ثُمَّ يَسْقُطُ الْمِلْكُ وَيُعْتَقُ، وَيَجِبُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إذَا قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَيَسْقُطُ، فَوُجُوبُهُ لِوُجُودِ عِلَّةِ الْقِصَاصِ مِنْ الْعُدْوَانِ وَشَرْطُهُ مِنْ الْمُكَافَآتِ، وَيَسْقُطُ لِعَدَمِ الْمُسْتَحِقِّ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجِبَ لِلْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: يَنْتَقِلُ الْقِصَاصُ إلَى غَيْرِ الْأَبِ مِنْ الْوَرَثَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِرًا لَانْتَقَلَ الْمِيرَاثُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ قَتَلَ حُرٌّ عَبْدًا قُتِلَ بِهِ، وَلَوْ قَتَلَ مُكَاتَبًا لَمْ يُتْرَكْ وَفَاءً قُتِلَ بِهِ، وَلَوْ قَتَلَ مُكَاتَبًا تُرِكَ وَفَاءً لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَاتَ عَبْدًا وَالْقِصَاصُ لِسَيِّدِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَاتَ حُرًّا وَيُدْفَعُ مِنْ مَالِهِ كِتَابَتُهُ لِسَيِّدِهِ، وَيَرِثُ مَالَهُ بَقِيَّةُ وَرَثَتِهِ، وَيَرِثُونَ قِصَاصَهُ، فَانْتَصَبَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمُسْتَحَقِّ شُبْهَةً فِي دَرْكِ الْقِصَاصِ. وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيجَابَ حُكْمٌ، وَالِاسْتِيفَاءُ حُكْمٌ آخَرُ مُغَايِرٌ لَهُ، وَأَسْبَابُهُمَا تَخْتَلِفُ؛ وَإِذَا اخْتَلَفَا سَبَبًا وَاخْتَلَفَا ذَاتًا كَيْفَ يَصِحُّ لِمُحِقٍّ أَنْ يُنْكِرَ انْفِرَادَ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ؟ بَلْ هُنَالِكَ أَغْرُبُ مِنْ هَذَا؛ وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ حُكْمٌ وَالِاسْتِقْرَارُ حُكْمٌ آخَرُ؛ فَإِنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَلَا يَسْتَقِرُّ بِالْوَطْءِ؛ إذْ يَتَطَرَّقُ السُّقُوطُ إلَى جَمِيعِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ بِالرِّدَّةِ، وَإِلَى نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ. وَقَدْ انْبَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الزَّكَاةِ، إذَا كَانَ الصَّدَاقُ مَاشِيَةً وَغَيْرَهَا؛ فَإِذَا كَانَ الِاسْتِقْرَارُ وَهُوَ وَصْفُ الْوُجُوبِ حُكْمًا انْفَرَدَ عَنْ الْوُجُوبِ بِانْفِرَادِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ وَهُوَ غَيْرُهُ أَصْلًا وَصِفَةً فَذَلِكَ أَوْلَى. وَأَمَّا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ: مَنْ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَيْهِ؟ وَلِمَنْ وَجَبَ؟ فَيُقَالُ لَهُ: نَقَصَكَ قِسْمٌ ثَالِثٌ عَدَلْتَ عَنْهُ أَوْ تَعَمَّدْتَ تَرْكَهُ تَلْبِيسًا: وَهُوَ أَنْ يَجِبَ لِلْأَمَةِ وَهِيَ الزَّوْجُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا، كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لَهَا. فَإِنْ قَالَ: لَيْسَتْ الْأَمَةُ أَهْلًا لِلْمِلْكِ وَلَا لِلتَّمْلِيكِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ؛ بَلْ الْعَبْدُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ وَالتَّمْلِيكِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ تَخْلِيصًا وَتَلْخِيصًا وَإِنْصَافًا، وَحَقَّقْنَا فِي الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ عِلَّةَ الْمِلْكِ الْحَيَاةُ وَالْآدَمِيَّةُ، وَإِنَّمَا انْغَمَرَ وَصْفُ الْعَبْدِ بِالرِّقِّ لِلسَّيِّدِ، وَلَكِنَّ الْعِلَّةَ بَاقِيَةٌ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ الْغَامِرِ لَهَا. وَكَيْفَ لَا تَمْلِكُ الْأَمَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْإِمَاءِ: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24]. فَأَضَافَ الْأُجُورَ إلَيْهِنَّ إضَافَةَ تَمْلِيكٍ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْعَقْدَ كَمَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ كَذَلِكَ [الْمِلْكُ] يَقْتَضِي الْإِسْقَاطَ. قُلْنَا لَهُ: فَذَكَرَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُقْتَضَاهُ أَوْجَبَ بِالْعَقْدِ وَأَسْقَطَ بِالْمِلْكِ وَوَفَّرَ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ حُكْمَهُ كَمَا فَعَلْنَا فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ إيجَابَهُ لَيْسَ ضَرُورَةً لِلْإِسْقَاطِ بِخِلَافِ عِتْقِ الْقَرِيبِ فَإِنَّ إيجَابَهُ هُنَاكَ ضَرُورَةَ الْعِتْقِ. قُلْنَا: وَإِيجَابُهُ الصَّدَاقُ هَاهُنَا ضَرُورَةَ الْحِلِّ؛ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ عِلْمًا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ، وَنَصَّ عَلَى إيجَابِهِ فِي كُلِّ نِكَاحٍ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ النَّاكِحِينَ مِنْ مَلِكٍ أَوْ مَمْلُوكٍ؛ فَيَجِبُ لِلْأَمَةِ، ثُمَّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا، وَلَيْسَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجِبَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ حَقٌّ، فَلَا تُغَرَّ غُرُورًا بِمَا لَا تَحْصِيلَ فِيهِ وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ. وَهَلَّا قُلْتُمْ: يَجِبُ لِلْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ، ثُمَّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مِنْ الْأَمَةِ، ثُمَّ يَسْقُطُ؛ وَسُقُوطُ الْحَقِّ بِانْتِقَالِهِ مِنْ مَحِلٍّ إلَى مَحِلٍّ لَيْسَ غَرِيبًا فِي مَسَائِلِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ وَالدُّيُونِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْعِتْقَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمِلْكِ، فَكَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ الْحِلُّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إنَّ الْقَوْلَ عَادَ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ فَيَا حَبَّذَا عَوْدُهُ إلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ظَهَرْنَا فِيهِ عَلَيْكُمْ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. [مَسْأَلَة الْمَمْلُوكَةَ لَا تُنْكَحَ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَسَيِّدِهِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ لَا تُنْكَحَ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَسَيِّدِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ لَا أَمْرَ لَهُ، وَبَدَنُهُ كُلُّهُ مُسْتَغْرِقٌ بِحَقِّ السَّيِّدِ؛ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا فُسِخَ النِّكَاحُ وَلَمْ يَجُزْ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ، وَإِذَا جَوَّزَ السَّيِّدُ نِكَاحَ الْعَبْدِ جَازَ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْأُنُوثَةِ فِي الْأَمَةِ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ النِّكَاحِ أَلْبَتَّةَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا بِإِذْنِ أَهْلِهَا وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ السَّيِّدُ الْعَقْدَ. قُلْنَا: نَعَمْ، يَجُوزُ؛ وَلَكِنْ لَا تُبَاشِرُهُ هِيَ، بَلْ يَتَوَلَّاهُ مَنْ تَوَلَّاهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ». خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هُوَ حَسَنٌ. وَحَدِيثٌ يَرْوِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا. [مَسْأَلَة الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 25]: هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى أُجْرَةً، وَدَلِيلُ هَذَا أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ الْبُضْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ الْمَنْفَعَةَ يُسَمَّى أُجْرَةً. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ النِّكَاحُ مَا هُوَ؟ بَدَنُ الْمَرْأَةِ، أَوْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ، أَوْ الْحِلُّ؟ وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ عِنْدَ ذِكْرِنَا مَا تُرَدُّ بِهِ الزَّوْجَةُ مِنْ الْعُيُوبِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ لِلْأَمَةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَةٍ لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ، أَصْلُهُ إجَازَةُ الْمَنْفَعَةِ فِي الرَّقَبَةِ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّ السَّيِّدَ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ فَقَدْ مَلَكَ مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ غَشَيَانِهَا بِالتَّزْوِيجِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَهَذَا الْعَقْدُ لَهَا لَا لَهُ، فَعِوَضَهُ لَهَا بِخِلَافِ مَنَافِعِ الرَّقَبَةِ فَإِنَّهَا وَالْعَقْدُ عَلَيْهَا لِلسَّيِّدِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إطْنَابٍ. [مَسْأَلَة مَا يَعْنِي بِالْمَعْرُوفِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مَا يَعْنِي بِالْمَعْرُوفِ؟ يَعْنِي الْوَاجِبَ، وَهُوَ ضِدُّ الْمُنْكَرِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْمَعْرُوفَ الَّذِي هُوَ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ؛ وَسَتَرَاهُ مُبَيَّنًا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النساء: 25]: يَعْنِي عَفَائِفَ غَيْرَ زَانِيَاتٍ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ حَرَّمَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ، وَهُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَالَ إنَّهُ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ الْإِحْصَانَ وَهُوَ الْعِفَّةُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ النُّورِ: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَعْنَى قَوْلُهُ: مُحْصَنَاتٍ، أَيْ بِنِكَاحٍ لَا بِزِنًى، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]، فَكَيْفَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْكُوحَاتٌ، فَيَكُونُ تَكْرَارًا فِي الْكَلَامِ قَبِيحًا فِي النِّظَامِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ اللَّهُ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْمَاءِ الْحَلَالِ عَنْ الْمَاءِ الْحَرَامِ؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا نِكَاحُهَا حَتَّى تُسْتَبْرَأَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ نِكَاحُهَا الْيَوْمَ لِمَنْ زَنَى بِهَا الْبَارِحَةَ، وَلِمَنْ لَمْ يَزْنِ بِهَا مَعَ شَغْلِ رَحِمِهَا بِالْمَاءِ، فَهَذِهِ هِيَ الزَّانِيَةُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ نِكَاحَهَا؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ». وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ»، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ فِي وَطْءٍ وَنَسَبٍ لَهُمَا حُرْمَةٌ. وَذَلِكَ فِي وَطْءِ الْكُفَّارِ؛ لَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَاءِ الْمُسْتَقِرِّ فِي الرَّحِمِ حُرْمَةٌ فَلِلْمَاءِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ حُرْمَةٌ، فَكَيْفَ يَمْتَزِجُ مَاءٌ بِمَاءٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، وَفِي ذَلِكَ خَلْطُ الْأَنْسَابِ الصَّحِيحَةِ بِالْمِيَاهِ الْفَاسِدَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً} [النور: 3]، فَهِيَ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ، اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَالْمُتَحَصِّلُ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُسَافِحُ وَتَشْتَرِطُ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ كُنَّ نِسَاءٌ مَعْلُومَاتٌ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فَيَتَزَوَّجْنَ الرَّجُلَ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِتُنْفِقَ الْمَرْأَةُ مِنْهُنَّ عَلَيْهِ، فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ». الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَنَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ عَنْ بَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ كَرَايَةِ الْبَيْطَارِ، وَكَانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمَّى الْمَوَاخِيرَ، لَا يَدْخُلُ إلَيْهِنَّ إلَّا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَوْ مُشْرِكٍ، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. الثَّالِثُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَزْنِي الزَّانِي إلَّا بِزَانِيَةٍ مِثْلِهِ أَوْ مُشْرِكَةٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ. الرَّابِعُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]. وَقَالَ أَنَسٌ: مِنْ أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَكَّدَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَكَانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمْ الْمَدِينَةَ. قَالَ: وَكَانَتْ امْرَأَةُ بَغْيٍ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهَا، وَإِنَّهُ وَاعَدَ رَجُلًا مِنْ أَسْرَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ. قَالَ: فَجِئْت حَتَّى انْتَهَيْت إلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ قَالَ: فَجَاءَتْ عَنَاقُ فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي بِجَنْبِ الْحَائِطِ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إلَيَّ عَرَفَتْنِي، فَقَالَتْ: مَرْثَدٌ، فَقُلْت: مَرْثَدٌ. فَقَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ. قَالَ: قُلْت: يَا عَنَاقُ، حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا قَالَتْ: يَا أَهْلَ الْخِيَامِ، هَذَا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أَسْرَاكُمْ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَأَنْكِحُ عَنَاقَ؟ فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3]. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا مَرْثَدُ، الزَّانِي لَا يَنْكِحُ وَقَرَأَهَا إلَى آخِرِهَا، وَقَالَ لَهُ: فَلَا تَنْكِحْهَا». فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَغَايَا مَعْلُومَاتٍ فَكَلَامٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ مَعْنَاهُ الزَّانِي لَا يُزَانِي إلَّا زَانِيَةً فَمَا أَصَابَ فِيهِ غَيْرَهُ، وَهِيَ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ مُعَلِّمِهِ الْمُعَظَّمِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَنْكِحُ الْمَحْدُودُ إلَّا مَحْدُودَةً، وَهُوَ الْحَسَنُ، يُرِيدُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: الزَّانِيَةُ الَّتِي تَبَيَّنَ زِنَاهَا، وَيَصِحُّ أَنْ يُخْبِرَ عَنْهَا بِهِ؛ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَنْ نَفَذَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ وَقَبْلَ نُفُوذِ الْحَدِّ هِيَ مُحْصَنَةٌ يَحُدُّ قَاذِفُهَا، وَهُوَ الَّذِي مَنَعَ مِنْ نِكَاحِهَا وَمَعَهُ نَتَكَلَّمُ وَعَلَيْهِ نَحْتَجُّ. وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: إنَّ مَعْنَاهُ إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَا يَتَزَوَّجُهَا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا، لَكِنَّ مَخْرَجَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَتَكُونُ الْآيَةُ مَسُوقَةً لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَسْتَرْسِلُ عَلَى الْمِيَاهِ الْفَاسِدَةِ بِالنِّكَاحِ إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٍ كَمَا سَبَقَ، أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ مَا اخْتَارَهُ عَالِمُ الْقُرْآنِ؛ قَالَ: الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءِ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْبَغَايَا الْمُشْرِكَاتِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الزَّانِيَةَ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ حَرَامٌ عَلَى الْمُشْرِكِ، وَأَنَّ الزَّانِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ عَلَيْهِ الْمُشْرِكَاتُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الزَّانِي لَا يَزْنِي إلَّا بِزَانِيَةٍ لَا تَسْتَحِلُّ الزِّنَا أَوْ بِمُشْرِكَةٍ تَسْتَحِلُّهُ، وَالزَّانِيَةُ لَا يَزْنِي بِهَا إلَّا زَانٍ لَا يَسْتَحِلُّ الزِّنَا أَوْ مُشْرِكٌ يَسْتَحِلُّهُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ فَمَا فَهِمَ النَّسْخَ؛ إذْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ بَلْ الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَاضِدَةٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَمُوَافَقَةٌ لَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ نِكَاحَ الزُّنَاةِ وَالزَّوَانِي، وَأَمَرَ بِنِكَاحِ الصَّالِحَاتِ وَالصَّالِحِينَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ فَكَذَلِكَ هُوَ مَعْنَاهَا، وَهِيَ خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإِنْ وُجِدَ خِلَافُ الْمَخْبَرِ فَلَيْسَ مِنْ الشَّرْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25]: كَانَتْ الْبَغَايَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَشْهُورَاتٌ وَمُتَّخِذَاتُ أَخْدَانٍ، وَكَانُوا بِعُقُولِهِمْ يُحَرِّمُونَ مَا ظَهَرَ مِنْ الزِّنَا وَيَحِلُّونَ مَا بَطَنَ؛ فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ الْجَمِيعِ. [مَسْأَلَة لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْله تَعَالَى: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَتَى وَفَتَاةً وَصْفٌ لِلْعَبِيدِ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي». وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ كَانَ عَبْدًا لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} [الكهف: 60]؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَعْنَى الْإِحْصَانِ هَاهُنَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْإِسْلَامُ؛ قَائِلُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: أُحْصِنَّ: تَزَوَّجْنَ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْعَبْدُ حُرَّةً وَالْأَمَةُ حُرًّا، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُحَدُّ الْكَافِرَةُ عَلَى الزِّنَا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ وَلَا النِّكَاحُ. وَقُرِئَ أَحْصَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَأُحْصِنَّ بِضَمِّهَا، فَمَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ قَالَ مَعْنَاهُ: أَسْلَمْنَ، وَالْإِسْلَامُ أَحَدُ مَعَانِي الْإِحْصَانِ. وَمَنْ قَرَأَ أُحْصِنَّ بِالضَّمِّ قَالَ مَعْنَاهُ: زُوِّجْنَ. وَقَدْ يُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحْصَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ زُوِّجْنَ، فَيُضَافُ الْفِعْلُ إلَيْهِنَّ لِمَا وُجِدَ بِهِنَّ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُحْصِنَّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ: أَسْلَمْنَ: مَعْنَاهُ مُنِعْنَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ أَحْكَامِ الْكُفْرِ. وَالظَّاهِرُ فِي الْإِطْلَاقِ هُوَ الْأَوَّلُ. وَمَنْ شَرَطَ نِكَاحَ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَالْإِحْصَانُ هُوَ الْإِسْلَامُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الْإِحْصَانِ، فَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْكِحَ الْحَرَائِرَ الْمُؤْمِنَاتِ فَلْيَنْكِحْ الْمَمْلُوكَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْحَرَائِرِ مِنْ الْحَدِّ. وَلَا يَتَنَصَّفُ الرَّجْمُ، فَلْيَسْقُطْ اعْتِبَارُهُ. وَيَكُونُ الْمُرَادُ مَا يَتَشَطَّرُ وَهُوَ الْجَلْدُ، وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإِذَا تَزَوَّجْنَ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْأَبْكَارِ مِنْ الْعَذَابِ، وَهُوَ الْجَلْدُ. وَنَحْنُ أَسَدُّ تَأْوِيلًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: الْمُؤْمِنَاتُ، يَقْتَضِي الْإِسْلَامَ. فَقَوْلُهُ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25] يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَرَّدَةٍ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمَةَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فَتَنَاوَلَهَا عُمُومُ هَذَا الْخِطَابِ. فَإِنْ قِيلَ: فَخُذُوا الْكَافِرَ بِهَذَا الْعُمُومِ. قُلْنَا: الْكَافِرُ لَهُ عَهْدٌ أَلَّا نَعْتَرِضَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالرَّقِيقُ لَا عَهْدَ لَهُ. قُلْنَا: الرِّقُّ عَهْدٌ إذَا ضُرِبَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ سَبِيلٌ إلَيْهِ إلَّا بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ وَالْمَصْلَحَةِ لِتَظَاهُرِهِ بِالْفَاحِشَةِ إنْ أَظْهَرَهَا. [مَسْأَلَة الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: رَوَى الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ. قَالَ: إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثَلَاثًا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ». وَهَذَا نَصُّ عُمُومٍ فِي جَلْدِ مَنْ تَزَوَّجَ وَمَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُقِيمُ السَّيِّدُ الْحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهِ دُونَ رَأْي الْإِمَامِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقِيمُهُ إلَّا نَائِبُ اللَّهِ وَهُوَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ} [النساء: 25] وَلَمْ يُعَيِّنْ مَنْ يُقِيمُهُ؛ فَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ ذَلِكَ إلَى السَّادَاتِ، وَهُمْ نُوَّابُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، كَمَا يَنُوبُ آحَادُ النَّاسِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. فَإِنْ قِيلَ: وَكَيْفَ يَتَّفِقُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ حَدَّ الزِّنَا؛ أَيُقِيمُهُ بِعِلْمِهِ أَمْ بِالشُّهُودِ فَيَتَصَدَّى مَنْصِبَ قَاضٍ وَتُؤَدَّى عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ؟ قُلْنَا: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبُ عَلَيْهَا». وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ. وَالزِّنَا يَتَبَيَّنُ بِالشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ أَوْ بِالْحَمْلِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ السَّيِّدُ إلَى الْإِمَامِ، وَلَكِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَيْهَا بِمَا ظَهَرَ مِنْ حَمْلِهَا إذَا وَضَعَتْهُ وَفَصَلَتْ مِنْ نِفَاسِهَا؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الصَّحِيحِ: «إنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا الْحَدَّ، فَوَجَدْتهَا حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخِفْت إنْ أَنَا جَلَدْتهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَتَرَكْتهَا فَأَخْبَرْته. فَقَالَ: أَحْسَنْت». وَلِهَذَا خَاطَبَ السَّادَاتِ بِذِكْرِ الْإِمَاءِ اللَّاتِي يَتَبَيَّنُ زِنَاهُنَّ بِالْحَمْلِ، وَسَكَتَ عَنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ لَا يَظْهَرُ زِنَاهُمْ إلَّا بِالشَّهَادَةِ. [مَسْأَلَة دُخُول الذُّكُورُ تَحْت الْإِنَاثِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: دَخَلَ الذُّكُورُ تَحْتَ الْإِنَاثِ فِي قَوْلِهِ: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] بِعِلَّةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، كَمَا دَخَلَ الْإِمَاءُ تَحْتَ قَوْلِهِ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ»؛ بِعِلَّةِ سِرَايَةِ الْعِتْقِ وَتَغْلِيبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَلَى حَقِّ الْمِلْكِ. وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4] دُخُولَ الْمُحْصَنِينَ فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة اخْتِلَاف النَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25]: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَنَتِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ الزِّنَا؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ الْإِثْمُ. الثَّالِثُ: الْعُقُوبَةُ. الرَّابِعُ: الْهَلَاكُ. الْخَامِسُ: قَالَ الطَّبَرِيُّ: كُلُّ مَا يُعْنِتُ الْمَرْءَ عَنَتٌ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُعْنِتُهُ، وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَمَنْ خَافَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهُ، وَأَصْلُهُ الزِّنَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَعَلَيْهِ عُوِّلَ. [مَسْأَلَة نِكَاحِ الْأَمَةِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النساء: 25]: يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ إرْقَاقِ الْوَلَدِ وَجَوَازِ خَوْفِ هَلَاكِ الْمَرْءِ؛ فَاجْتَمَعَتْ فِيهِ مَضَرَّتَانِ دُفِعَتْ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى، فَقُدِّمَ الْمُتَحَقِّقُ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَزْلَ حَقُّ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لِلرَّجُلِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيَعْزِلَ، فَيَنْقَطِعَ خَوْفُ إرْقَاقِ الْوَلَدِ فِي الْغَالِبِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ حَقٌّ إلَّا فِي الْإِيلَاجِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا عَقْدٌ لِلْوَطْءِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، وَكَمَا أَنَّ لِلرَّجُلِ فِيهِ حَقَّ الْغَايَةِ وَهُوَ الْإِيلَاجُ وَالتَّكْرَارُ فَلِلْمَرْأَةِ فِيهِ غَايَةُ الْإِنْزَالِ وَتَمَامُ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ، فَبِهِ تُتِمُّ اللَّذَّةُ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّجُلُ إسْقَاطَ حَقِّهِ وَالْوُقُوفَ دُونَ هَذِهِ الْغَايَةِ فَلِلْمَرْأَةِ حَقُّ بُلُوغِهَا.