الباحث القرآني

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُرْوَةَ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَتْ: " هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ تُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالَهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَا يُقْسِطَ لَهَا فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ حَتَّى يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيُعْطُوهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} [النساء: 127]» قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: وَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِهِمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إنْ كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ "، وَهَذَا نَصُّ كِتَابَيْ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْحَشْوِ رِوَايَاتٌ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا هَاهُنَا، يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إلَى قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 3] قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَاهُ أَيْقَنْتُمْ وَعَلِمْتُمْ؛ وَالْخَوْفُ وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الظَّنِّ الَّذِي يَتَرَجَّحُ وُجُودَهُ عَلَى عَدَمِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ عَلَى بَابِهِ مِنْ الظَّنِّ لَا مِنْ الْيَقِينِ؛ التَّقْدِيرُ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ التَّقْصِيرُ فِي الْقِسْطِ لِلْيَتِيمَةِ فَلْيَعْدِلْ عَنْهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: دَلِيلُ الْخِطَابِ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهِ؛ فَإِنَّ دَلِيلَ خِطَابِ هَذِهِ الْآيَةِ سَاقِطٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْسِطُ لِلْيَتِيمَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ سِوَاهَا، كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ إذَا خَافَ أَلَّا يُقْسِطَ. [مَسْأَلَةٌ نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ {فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] فِي تَجْوِيزِ نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى تَبْلُغَ وَتُسْتَأْمَرَ وَيَصِحَّ إذْنُهَا. وَفِي بَعْضِ رِوَايَتِنَا إذَا افْتَقَرَتْ أَوْ عَدِمَتْ الصِّيَانَةَ جَازَ إنْكَاحُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَالْمُخْتَارُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ يَتِيمَةً قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ هِيَ امْرَأَةٌ مُطْلَقَةٌ لَا يَتِيمَةٌ. قُلْنَا: الْمُرَادُ بِهِ يَتِيمَةٌ بَالِغَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} [النساء: 127] وَهُوَ اسْمٌ إنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْكِبَارِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} [النساء: 127] فَرَاعَى لَفْظَ النِّسَاءِ، وَيُحْمَلُ الْيُتْمُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ لِلِاسْمِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ أَرَادَ الْبَالِغَةَ لَمَا نَهَى عَنْ حَطِّهَا عَنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهَا تَخْتَارُ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ إجْمَاعًا. قُلْنَا: إنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ ذَاتَ وَصِيٍّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى اسْتِظْهَارِ الْوَلِيِّ عَلَيْهَا بِالرُّجُولِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ، فَيَسْتَضْعِفُهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَيَتَزَوَّجُهَا بِمَا شَاءَ، وَلَا يُمَكِّنُهَا خِلَافَهُ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِالْحَقِّ الْوَافِرِ. وَقَدْ وَفَرَّنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّلْخِيصِ، وَرَوَيْنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثَ الْمُوَطَّأِ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا». وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَلَا إذْنَ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ: «زَوَّجَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ بِنْتَ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، فَجَاءَ الْمُغِيرَةُ إلَى أُمِّهَا فَرَغَّبَهَا فِي الْمَالِ فَرَغِبَتْ، فَقَالَ قُدَامَةُ: أَنَا عَمُّهَا وَوَصِيُّ أَبِيهَا، زَوَّجْتُهَا مِمَّنْ أَعْرِفُ فَضْلَهُ. فَتَرَافَعُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّهَا يَتِيمَةٌ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا». قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: تُحْمَلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ عَلَى الْبَالِغَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إلَّا بِإِذْنِهَا، وَلَيْسَ لِلصَّغِيرَةِ إذْنٌ. وَقَدْ أَطْنَبْنَا فِي الْجَوَابِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، أَقْوَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْيُتْمِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْبَالِغَةَ لَا يُزَوِّجُهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهَا. . [مَسْأَلَةٌ ثُبُوت مَهْرَ الْمِثْلِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ وَاجِبٌ فِي النِّكَاحِ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِإِسْقَاطِ الزَّوْجَةِ أَوْ مَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهَا مِنْ أَبٍ؛ فَأَمَّا الْوَصِيُّ فَمَنْ دُونَهُ فَلَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِمَهْرِ مِثْلِهَا وَسُنَّتِهَا. وَسُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ غَنِيَّةً مِنْ ابْنِ أَخٍ لَهُ فَقِيرٍ؛ فَاعْتَرَضَتْ أُمُّهَا؛ فَقَالَ: إنِّي لَأَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ مُتَكَلِّمًا، فَسَوَّغَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ حَتَّى يُظْهِرَ هُوَ فِي نَظَرِهِ مَا يُسْقِطُ اعْتِرَاضَ الْأُمِّ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ: مَا أَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ مُتَكَلِّمًا، بِزِيَادَةِ الْأَلْفِ عَلَى النَّفْيِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. [مَسْأَلَةٌ تَوَلَّى وَاحِد طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي النِّكَاح] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إذَا بَلَغَتْ الْيَتِيمَةُ وَأَقْسَطَ الْوَلِيُّ فِي الصَّدَاقِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَكُونَ هُوَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكِحَ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِنَفْسِهِ، فَيَكُونُ نَاكِحًا مُنْكِحًا حَتَّى يُقَدِّمَ الْوَلِيُّ مَنْ يَنْكِحُهَا. وَمَالَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ تَعْدِيدَ النَّاكِحِ وَالْمُنْكِحِ وَالْوَلِيِّ تَعَبُّدٌ، فَإِذَا اتَّحَدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ سَقَطَ وَاحِدٌ مِنْ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ حِينَ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» الْحَدِيثُ. الْجَوَابُ: إنَّا لَا نَقُولُ: إنَّ لِلتَّعَبُّدِ مَدْخَلًا فِي هَذَا، وَإِنَّمَا أَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ ارْتِبَاطَ الْعَقْدِ بِالْوَلِيِّ، فَأَمَّا التَّعَدُّدُ وَالتَّعَبُّدُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا نَظَرَ لَهُ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. [مَسْأَلَةٌ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ إلَى الْعَقْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ وَالصَّحِيحُ رُجُوعُهُ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. التَّقْدِيرُ: انْكِحُوا مَنْ حَلَّ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ، وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعَقْدِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: انْكِحُوا نِكَاحًا طَيِّبًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْله تَعَالَى: {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] قَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُبِيحُ لِلرَّجُلِ تِسْعَ نِسْوَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَثْنَى عِنْدَ الْعَرَبِ عِبَارَةٌ عَنْ اثْنَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثُلَاثَ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثٍ مَرَّتَيْنِ، وَرُبَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَعٍ مَرَّتَيْنِ، فَيَخْرُجُ مِنْ ظَاهِرِهِ عَلَى مُقْتَضَى اللُّغَةِ إبَاحَةُ ثَمَانِي عَشْرَةَ امْرَأَةً: لِأَنَّ مَجْمُوعَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ تِسْعَةٌ، وَعَضَّدُوا جَهَالَتَهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ تَحْتَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، وَقَدْ كَانَ تَحْتَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُ مِنْ تِسْعٍ، وَإِنَّمَا مَاتَ عَنْ تِسْعٍ، وَلَهُ فِي النِّكَاحِ وَفِي غَيْرِهِ خَصَائِصُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، بَيَانُهَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ. وَلَوْ قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا لَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ نِكَاحِ التِّسْعِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْكَلَامِ وَنِظَامِ الْمَعْنَى فِيهِ: فَلَكُمْ نِكَاحُ أَرْبَعٍ، فَإِنْ لَمْ تَعْدِلُوا فَثَلَاثَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْدِلُوا فَاثْنَتَيْنِ؛ فَإِنْ لَمْ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً؛ فَنَقْلُ الْعَاجِزِ عَنْ هَذِهِ الرُّتَبِ إلَى مُنْتَهَى قُدْرَتِهِ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْحِلِّ، وَهِيَ الْأَرْبَعُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ تِسْعَ نِسْوَةٍ لَكَانَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: فَانْكِحُوا تِسْعَ نِسْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً، وَهَذَا مِنْ رَكِيكِ الْبَيَانِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِالْقُرْآنِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرِهِمَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِغَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ حِينَ أَسْلَمَ، وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ». الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: مِنْ الْبَيِّنِ عَلَى مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي نِكَاحِ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهَا خِطَابٌ لِمَنْ وَلِيَ وَمَلَكَ وَتَوَلَّى وَتَوَصَّى، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتُ الْأَحْرَارِ الْمَالِكِينَ الَّذِينَ يَلُونَ الْأَيْتَامَ تَحْتَ نَظَرِهِمْ؛ يَنْكِحُ إذَا رَأَى، وَيَتَوَقَّفُ إذَا أَرَادَ. ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْكِحُ إلَّا اثْنَتَيْنِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَفِي مَشْهُورِ قَوْلَيْهِ إنَّهُ يَتَزَوَّجُ أَرْبَعًا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ [مَسْأَلَةٌ قَوْله تَعَالَى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا} [النساء: 3] قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَعْنَاهُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَالتَّسْوِيَةِ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَهُوَ فَرْضٌ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَمِدُهُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ، إذَا فَعَلَ الظَّاهِرَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ وَوَجَدَ قَلْبَهُ الْكَرِيمَ السَّلِيمَ يَمِيلُ إلَى عَائِشَةَ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُدْرَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» يَعْنِي قَلْبَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ أَحَدًا صَرْفَ قَلْبِهِ عَنْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَرُبَّمَا فَاتَ الْقُدْرَةَ؛ وَأَخَذَ الْخَلْقَ بِاعْتِدَادِ الظَّاهِرِ لِتَيَسُّرِهِ عَلَى الْعَاقِلِ، فَإِذَا قَدَرَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ وَمِنْ بِنْيَتِهِ عَلَى نِكَاحِ أَرْبَعٍ فَلْيَفْعَلْ، وَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلُ مَالُهُ وَلَا بِنْيَتُهُ فِي الْبَاءَةِ ذَلِكَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَاحِدَةٌ أَنَّهُ إنْ نَالَهَا فَحَسَنٌ وَإِنْ قَعَدَ عَنْهَا هَانَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ أُخْرَى فَإِنَّهُ إذَا أَمْسَكَ عَنْهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّهُ يَتَوَفَّرُ لِلْأُخْرَى، فَيَقَعُ النِّزَاعُ وَتَذْهَبُ الْأُلْفَةُ. [مَسْأَلَةٌ قَوْلُهُ تَعَالَى أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ لَا حَقَّ لِلْوَطْءِ فِيهِ وَلَا لِلْقَسْمِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فِي الْقَسْمِ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فَجَعَلَ مِلْكَ الْيَمِينِ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِمِلْكِهِ حَقٌّ فِي الْوَطْءِ. أَوْ فِي الْقَسْمِ، وَحَقُّ مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْعَدْلِ قَائِمٌ بِوُجُوبِ حَسَنِ الْمِلْكِيَّةِ وَالرِّفْقِ بِالرَّقِيقِ. [مَسْأَلَةٌ قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا} [النساء: 3] اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَلَّا يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. الثَّانِي: أَلَّا تَضِلُّوا؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ. الثَّالِثُ: أَلَّا تَمِيلُوا؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالنَّاسُ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي رِسَالَةِ " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " بِشَيْءٍ لَمْ نَرَ أَنْ نَخْتَصِرَهُ هَاهُنَا: قُلْنَا: أُعْجِبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِكَلَامِهِ هَذَا، وَقَالُوا: هُوَ حُجَّةٌ لِمَنْزِلَةِ الشَّافِعِيِّ فِي اللُّغَةِ، وَشُهْرَتِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَالِاعْتِرَافِ لَهُ بِالْفَصَاحَةِ حَتَّى لَقَدْ قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: هُوَ أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ، مَعَ غَوْصِهِ عَلَى الْمَعَانِي، وَمَعْرِفَتِهِ بِالْأُصُولِ؛ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: فَانْكِحُوا وَاحِدَةً إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، فَذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ تَنْتَفِيَ عَنْكُمْ كَثْرَةُ الْعِيَالِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ. وَقَالَ أَصْحَابُهُ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَوْلِ هَاهُنَا الْمَيْلَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَيْلَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ عَدَدِ النِّسَاءِ وَقِلَّتِهِنَّ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ إذَا كَثُرْنَ تَكَاثَرَتْ الْحُقُوقُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كُلُّ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَوْ قِيلَ عَنْهُ أَوْ وُصِفَ بِهِ فَهُوَ كُلُّهُ جُزْءٌ مِنْ مَالِكٍ، وَنَغْبَةٌ مِنْ بَحْرِهِ؛ وَمَالِكٌ أَوْعَى سَمْعًا، وَأَثْقَبُ فَهْمًا، وَأَفْصَحَ لِسَانًا، وَأَبْرَعُ بَيَانًا، وَأَبْدَعُ وَصْفًا، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ مُقَابَلَةُ قَوْلٍ بِقَوْلٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَفَصْلٍ. وَاَلَّذِي يَكْشِفُ لَكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْبَحْثُ عَنْ مَعَانِي قَوْلِكَ " عَالَ " لُغَةً حَتَّى إذَا عَرَفْتَهُ رَكَّبْتَ عَلَيْهِ مَعْنَى الْآيَةِ، وَحَكَمْتَ بِمَا يَصِحُّ بِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ سَبْعَةَ مَعَانٍ: الْأَوَّلُ: الْمَيْلُ؛ قَالَ يَعْقُوبُ: عَالَ الرَّجُلُ إذَا مَالَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا} [النساء: 3] وَفِي الْعَيْنِ: الْعَوْلُ: الْمَيْلُ فِي الْحُكْمِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَالَ السَّهْمُ عَنْ الْهَدَفِ: مَالَ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّهُ لِعَائِلِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَيَنْشُدُ لِأَبِي طَالِبٍ: بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَغُلُّ شَعِيرَةً ... لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ الثَّانِي: عَالَ: زَادَ. الثَّالِثُ عَالَ: جَارَ فِي الْحُكْمِ. قَالَتْ الْخَنْسَاءُ: وَلَيْسَ بِأَوْلَى وَلَكِنَّهُ ... وَيَكْفِي الْعَشِيرَةَ مَا عَالَهَا الرَّابِعُ: عَالَ: افْتَقَرَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 28] الْخَامِسُ: عَالَ: أَثْقَلَ؛ قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى بَيْتِ الْخَنْسَاءِ، وَكَانَ بِهِ أَقْعُدُ. السَّادِسُ: قَامَ بِمَؤُونَةِ الْعَائِلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». السَّابِعُ: عَالَ: غَلَبَ، وَمِنْهُ عِيلَ صَبْرُهُ، أَيْ غَلَبَ. هَذِهِ مَعَانِيهِ السَّبْعَةُ لَيْسَ لَهَا ثَامِنٌ، وَيُقَالُ: أَعَالَ الرَّجُلُ كَثُرَ عِيَالُهُ، وَبِنَاءُ " عَالَ " يَتَعَدَّى وَيَلْزَمُ، وَيَدْخُلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ "، كَمَا قَدَّمْنَا فِي مَسْأَلَةِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ مُفَصَّلًا بِجَمِيعِ وُجُوهِهِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ شَهِدَ لَكَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى بِمَا قَالَهُ مَالِكٌ؛ أَمَّا اللَّفْظُ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {تَعُولُوا} [النساء: 3] فِعْلٌ ثُلَاثِيٌّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَيْلِ الَّذِي تَرْجِعُ إلَيْهِ مَعَانِي " عَوَّلَ " كُلُّهَا، وَالْفِعْلُ فِي كَثْرَةِ الْعِيَالِ رُبَاعِيٌّ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْآيَةِ، فَقَدْ ذَهَبَتْ الْفَصَاحَةُ وَلَمْ تَنْفَعْ الضَّادُ الْمَنْطُوقُ بِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ذَلِكَ أَدْنَى، أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَنْتَفِيَ الْعَوْلَ يَعْنِي الْمَيْلَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً عُدِمَ الْمَيْلُ، وَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثًا فَالْمَيْلُ أَقَلُّ، وَهَكَذَا فِي اثْنَتَيْنِ؛ فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْخَلْقَ إذَا خَافُوا عَدَمَ الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ بِالْوُقُوعِ فِي الْمَيْلِ مَعَ الْيَتَامَى أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْأَجَانِبِ أَرْبَعًا إلَى وَاحِدَةٍ؛ فَذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَقِلَّ الْمَيْلَ فِي الْيَتَامَى وَفِي الْأَعْدَادِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، أَوْ يَنْتَفِيَ؛ وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ، فَأَمَّا كَثْرَةُ الْعِيَالِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى أَلَّا يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ.