الباحث القرآني

وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةٍ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ رَوَى عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِتَالٌ بِالسَّعَفِ وَالنِّعَالِ وَنَحْوِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ. الثَّانِي: مَا رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُلَاحَاةٌ فِي حَقٍّ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: لَآخُذَنَّهُ عَنْوَةً لِكَثْرَةِ عَشِيرَتِهِ، وَإِنَّ الْآخَرَ دَعَاهُ إلَى الْمُحَاكِمَةِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبَى أَنْ يَتْبَعَهُ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ الْأَمْرُ حَتَّى تَدَافَعُوا، وَتَنَاوَلَ بَعْضُهُمْ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ. الثَّالِثُ مَا رَوَاهُ أَسْبَاطُ عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تُدْعَى أُمَّ زَيْدٍ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَزُورَ أَهْلَهَا فَحَبَسَهَا زَوْجُهَا، وَجَعَلَهَا فِي عِلِّيَّةٍ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ بَعَثَتْ إلَى أَهْلِهَا، فَجَاءَ قَوْمُهَا فَأَنْزَلُوهَا لِيَنْطَلِقُوا بِهَا، فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَاسْتَغَاثَ بِأَهْلِهِ؛ فَجَاءَ بَنُو عَمِّهِ لِيَحُولُوا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أَهْلِهَا؛ فَتَدَافَعُوا وَاجْتَلَدُوا بِالنِّعَالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ. الرَّابِعُ مَا حَكَى قَوْمٌ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مِنْ الْخَزْرَجِ وَرَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ مِنْ الْأَوْسِ، وَسَبَبُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِ قَوْمِهِ، فَرَاثَ حِمَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سَطَعَ غُبَارُهُ، فَأَمْسَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ آذَانَا نَتِنُ حِمَارِك. فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَقَالَ: إنَّ حِمَارَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْيَبُ رِيحًا مِنْك وَمِنْ أَبِيك؛ فَغَضِبَ قَوْمُهُ وَاقْتَتَلُوا بِالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ». الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ: الْأَخِيرَةُ، وَالْآيَةُ تَقْتَضِي جَمِيعَ مَا رُوِيَ لِعُمُومِهَا وَمَا لَمْ يُرْوَ، فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهَا بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الطَّائِفَةُ كَلِمَةٌ تُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْعَدَدِ، وَعَلَى مَا لَا يَحْصُرُهُ عَدَدٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ. [مَسْأَلَة حَرْبِ الْمُتَأَوِّلِينَ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُمْدَةُ فِي حَرْبِ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَعَلَيْهَا عَوَّلَ الصَّحَابَةُ، وَإِلَيْهَا لَجَأَ الْأَعْيَانُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَإِيَّاهَا عَنَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «يَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» وَقَوْلُهُ فِي شَأْنِ الْخَوَارِجِ: «يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ» أَوْ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ لِقَتْلِهِمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [وَمَنْ كَانَ مَعَهُ] فَتَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَثَبَتَ بِدَلِيلِ الدِّينِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ إمَامًا، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ بَاغٍ، وَأَنَّ قِتَالَهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَفِيءَ إلَى الْحَقِّ، وَيَنْقَادَ إلَى الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُتِلَ، وَالصَّحَابَةُ بُرَآءُ مِنْ دَمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ قِتَالِ مَنْ ثَارَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ خَلَفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُمَّتِهِ بِالْقَتْلِ؛ فَصَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ، وَاسْتَسْلَمَ لِلْمِحْنَةِ، وَفَدَى بِنَفْسِهِ الْأُمَّةَ، ثُمَّ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُ النَّاسِ سُدًى، فَعُرِضَتْ الْإِمَامَةُ عَلَى بَاقِي الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ عُمَرُ فِي الشُّورَى، وَتَدَافَعُوهَا، وَكَانَ عَلِيٌّ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، فَقَبِلَهَا حَوْطَةً عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُسْفَكَ دِمَاؤُهَا بِالتَّهَارُجِ وَالْبَاطِلِ، وَيُتَخَرَّقُ أَمْرُهَا إلَى مَا لَا يَتَحَصَّلُ، وَرُبَّمَا تَغَيَّرَ الدِّينُ، وَانْقَضَّ عَمُودُ الْإِسْلَامِ؛ فَلَمَّا بُويِعَ لَهُ طَلَبَ أَهْلِ الشَّامِ فِي شَرْطِ الْبَيْعَةِ التَّمْكِينَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَخْذَ الْقَوَدِ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: اُدْخُلُوا فِي الْبَيْعَةِ، وَاطْلُبُوا الْحَقَّ تَصِلُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: لَا تَسْتَحِقُّ بَيْعَةً وَقَتَلَةُ عُثْمَانَ مَعَك نَرَاهُمْ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَكَانَ عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ أَسَدَّ رَأْيًا، وَأَصْوَبَ قَوْلًا؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَوْ تَعَاطَى الْقَوَدَ مِنْهُمْ لَتَعَصَّبَتْ لَهُمْ قَبَائِلُ، وَصَارَتْ حَرْبًا ثَالِثَةً فَانْتَظَرَ بِهِمْ أَنْ يَسْتَوْثِقَ الْأَمْرُ، وَتَنْعَقِدَ الْبَيْعَةُ الْعَامَّةُ، وَيَقَعَ الطَّلَبُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَيَجْرِي الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُ الْقِصَاصِ إذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى إثَارَةِ الْفِتْنَةِ أَوْ تَشْتِيتِ الْكَلِمَةِ، وَكَذَلِكَ جَرَى لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ؛ فَإِنَّهُمَا مَا خَلَعَا عَلِيًّا عَنْ وِلَايَةٍ، وَلَا اعْتَرَضَا عَلَيْهِ فِي دَيَّانَةٍ، وَإِنَّمَا رَأَيَا أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِقَتْلِ أَصْحَابِ عُثْمَانَ أَوْلَى، فَبَقِيَ هُوَ عَلَى رَأْيِهِ لَمْ يُزَعْزِعْهُ عَمَّا رَأَى وَهُوَ كَانَ الصَّوَابُ كَلَامُهُمَا، وَلَا أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ قَوْلُهُمَا. وَكَذَلِكَ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُثْنِي عَلَى صَاحِبِهِ [وَيَذْكُرُ مَا فِيهِ] وَيَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَيَذْكُرُ مَنَاقِبَهُ؛ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ هَذَا لَتَبْرَأَ كُلُّ وَاحِدٍ [مِنْهُمَا] مِنْ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَكُنْ تَقَاتُلُ الْقَوْمِ عَلَى دُنْيَا، وَلَا بَغْيًا بَيْنَهُمْ فِي الْعَقَائِدِ، وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِلَافًا فِي اجْتِهَادٍ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ جَمِيعُهُمْ فِي الْجَنَّةِ. [مَسْأَلَة قِتَالَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] أَمَرَ اللَّهُ بِالْقِتَالِ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَعْضِ الْبَاقِينَ؛ وَلِذَلِكَ تَخَلَّفَ قَوْمٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ، كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ. وَصَوَّبَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَهُمْ، وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُذْرٍ قَبِلَهُ مِنْهُ. وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَفْضَى إلَيْهِ الْأَمْرُ عَاتَبَ سَعْدًا عَلَى مَا فَعَلَ، وَقَالَ لَهُ: لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ أَصْلَحَ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ حِينَ اقْتَتَلَا، وَلَا مِمَّنْ قَاتَلَ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ؛ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: نَدِمْت عَلَى تَرْكِي قِتَالَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْكُلِّ دَرَكٌ فِيمَا فَعَلَ، وَإِنَّمَا كَانَ تَصَرُّفًا بِحُكْمِ الِاجْتِهَادِ وَإِعْمَالًا بِمَا اقْتَضَاهُ الشَّرْعُ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُقْسِطِ كَلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ وَمُتَعَلِّقَهُ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالصُّلْحِ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَعَيَّنَ الْقِتَالَ عِنْدَ الْبَغْيِ؛ فَعَلَ عَلِيٌّ بِمُقْتَضَى حَالِهِ فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْبَاغِيَةَ الَّتِي أَرَادَتْ الِاسْتِبْدَادَ عَلَى الْإِمَامِ، وَنَقْضَ مَا رَأَى مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالتَّحَيُّزِ عَنْ دَارِ النُّبُوَّةِ وَمَقَرِّ الْخِلَافَةِ بِفِئَةٍ تَطْلُبُ مَا لَيْسَ لَهَا طَلَبُهُ إلَّا بِشَرْطِهِ، مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَالْقِيَامِ بِالْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ؛ وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَقُدْ عَلَيَّ مِنْهُمْ مَا احْتَاجُوا إلَى مُجَاذَبَةٍ؛ فَإِنَّ الْكَافَّةَ كَانَتْ تَخْلَعُهُ، وَاَللَّهُ قَدْ حَفِظَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَصَانَهُ. وَعَمِلَ الْحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمُقْتَضَى حَالِهِ، فَإِنَّهُ صَالَحَ حِينَ اسْتَشْرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِأَسْبَابٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَمَقَادِيرَ أَزَلِيَّةٍ، وَمَوَاعِيدَ مِنْ الصَّادِقِ صَادِقَةٍ، وَمِنْهَا مَا رَأَى مِنْ تَشَتُّتِ آرَاءِ مَنْ مَعَهُ، وَمِنْهَا أَنَّهُ طُعِنَ حِينَ خَرَجَ إلَى مُعَاوِيَةَ فَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ وَدَاوَى جُرْحَهُ حَتَّى بَرِئَ؛ فَعَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَنْ يُنَافِقُ عَلَيْهِ وَلَا يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ رَأَى الْخَوَارِجَ أَحَاطُوا بِأَطْرَافِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِحَرْبِ مُعَاوِيَةَ اسْتَوْلَى الْخَوَارِجُ عَلَى الْبِلَادِ، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِالْخَوَارِجِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مُعَاوِيَةُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ تَذَكَّرَ وَعْدَ جَدِّهِ الصَّادِقِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ»، وَإِنَّهُ لَمَا سَارَ الْحَسَنُ إلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكِتَابِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَقَدِمَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ بِعَشَرَةِ آلَافٍ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: إنِّي أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّي أُولَاهَا حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرٍو: مَنْ لِي بِذَرَارِيّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: تَلْقَاهُ فَتَقُولُ لَهُ: الصُّلْحَ؛ فَصَالَحَهُ، فَنَفَذَ الْوَعْدُ الصَّادِقُ فِي قَوْلِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ». وَبِقَوْلِهِ: «الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَعُودُ مُلْكًا»، فَكَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٌّ، وَلِلْحَسَنِ [مِنْهَا] ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ لَا تَزِيدُ [يَوْمًا] وَلَا تَنْقُصُ يَوْمًا، فَسُبْحَانَ الْمُحِيطِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ. [مَسْأَلَة حِكْمَةَ اللَّهِ فِي قِتَالِ الصَّحَابَةِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} [الحجرات: 9] وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90]. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ وَهُمْ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا». وَمِنْ الْعَدْلِ فِي صُلْحِهِمْ أَلَّا يُطَالِبُوا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ فَإِنَّهُ تَلَفٌ عَلَى تَأْوِيلٍ. وَفِي طَلَبِهِمْ لَهُ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَنْ الصُّلْحِ وَاسْتِشْرَاءٌ فِي الْبَغْيِ. وَهَذَا أَصْلٌ فِي الْمَصْلَحَةِ؛ وَقَدْ قَالَ لِسَانُ الْأُمَّةِ: إنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي قِتَالِ الصَّحَابَةِ التَّعَرُّفُ مِنْهُمْ لِأَحْكَامِ قِتَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ؛ إذْ كَانَتْ أَحْكَامُ قِتَالِ التَّنْزِيلِ قَدْ عُرِفَتْ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِهِ. [مَسْأَلَة قَاتَلَ الصِّدِّيق الْبُغَاةَ وَالْمُرْتَدِّينَ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} [الحجرات: 9] بِنَاءُ (ب غ ي) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الطَّلَبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف: 64]؛ وَوَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ هَاهُنَا عَمَّنْ يَبْغِي مَا لَا يَنْبَغِي عَلَى عَادَةِ اللُّغَةِ فِي تَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْإِمَامِ يَبْغِي خَلْعَهُ أَوْ يَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي طَاعَةٍ لَهُ، أَوْ يَمْنَعُ حَقًّا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ؛ فَإِنْ جَحَدَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ. وَقَدْ قَاتَلَ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْبُغَاةَ وَالْمُرْتَدِّينَ؛ فَأَمَّا الْبُغَاةُ فَهُمْ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ بِتَأْوِيلٍ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا سَقَطَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَهُمْ الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُوبَهَا، وَخَرَجُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِدَعْوَى نُبُوَّةِ غَيْرِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَاَلَّذِي قَاتَلَ عَلِيٌّ طَائِفَةٌ أَبَوْا الدُّخُولَ فِي بَيْعَتِهِ، وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ؛ وَطَائِفَةٌ خَلَعَتْهُ، وَهُمْ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ. وَأَمَّا أَصْحَابُ الْجَمَلِ فَإِنَّمَا خَرَجُوا يَطْلُبُونَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ. وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْجَمِيعِ أَنْ يَصِلُوا إلَيْهِ وَيَجْلِسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُطَالِبُوهُ بِمَا رَأَوْا أَنَّهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمَّا تَرَكُوا ذَلِكَ بِأَجْمَعِهِمْ صَارُوا بُغَاةً بِجُمْلَتِهِمْ، فَتَنَاوَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَمِيعَهُمْ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ: إنَّمَا يُقَاتِلُ مَعَ الْإِمَامِ الْعَدْلِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الْخَارِجَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ فَأَمْسِكْ عَنْهُمَا إلَّا أَنْ تُرَادَ بِنَفْسِك أَوْ مَالِكَ أَوْ ظُلْمَ الْمُسْلِمِينَ فَادْفَعْ ذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: لَا تُقَاتِلُ إلَّا مَعَ إمَامٍ [عَادِلٍ] يُقَدِّمُهُ أَهْلُ الْحَقِّ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَكُونُ إلَّا قُرَشِيًّا، وَغَيْرُهُ لَا حُكْمَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَدْعُو إلَى الْإِمَامِ الْقُرَشِيِّ؛ قَالَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِقُرَشِيٍّ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: إذَا خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ خَارِجٌ وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْهُ، مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَدَعْهُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ ظَالِمٍ بِمِثْلِهِ ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا} [الإسراء: 5]. قَالَ مَالِكٌ: إذَا بُويِعَ لِلْإِمَامِ فَقَامَ عَلَيْهِ إخْوَانُهُ قُوتِلُوا إذَا كَانَ الْأُوَلُ عَدْلًا، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا بَيْعَةَ لَهُمْ إذَا كَانَ بُويِعَ لَهُمْ عَلَى الْخَوْفِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ إمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثٍ يَرْوِيه مُعَاوِيَةُ: «إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَتَانِ فَاقْتُلُوا أَحَدَهُمَا؛ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا تَكْرَهُوا الْفِتْنَةَ فَإِنَّهَا حَصَادُ الْمُنَافِقِينَ». الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُتْبَعُ مُنْهَزِمُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُمْ لَا قَتْلُهُمْ. وَأَمَّا الَّذِي يُتْلِفُونَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ فَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُونَ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إتْلَافٌ بِعِدْوَانٍ، فَلْيَلْزَمْ الضَّمَانَ. وَالْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَنَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي خُرُوجِهِمْ لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرًا وَلَا ذَفَّفُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا قَتَلُوا أَسِيرًا، وَلَا ضَمِنُوا نَفْسًا وَلَا مَالًا؛ وَهُمْ الْقُدْوَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ الْحِكْمَةِ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ قِتَالِ الْبُغَاةِ بِخِلَافِ الْكَفَرَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ إنْ وَلَّوْا قَاضِيًا، وَأَخَذُوا زَكَاةً، وَأَقَامُوا حَقًّا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ جَازَ؛ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ بِحَالٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ جَائِزٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانُوا بُغَاةً. الْعُمْدَةُ لَنَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -[فِي خُرُوجِهِمْ] لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرًا، وَلَا ذَفَّفُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا قَتَلُوا أَسِيرًا، وَلَا ضَمِنُوا نَفْسًا وَلَا مَالًا، وَهُمْ الْقُدْوَةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا انْجَلَتْ الْفِتْنَةُ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِالْهُدْنَةِ وَالصُّلْحِ لَمْ يَعْرِضُوا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ لَمَّا انْجَلَتْ كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْبَاغِي، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَرِضُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَهْلُ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إمَامٌ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ لَهُمْ حُكْمٌ، قُلْنَا: وَلَا سَمِعْنَا أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ حُكْمٌ؛ وَإِنَّمَا كَانُوا فِتْنَةً مُجَرَّدَةً، حَتَّى انْجَلَتْ مَعَ الْبَاغِي لَسَكَتَ عَنْهُمْ لِئَلَّا يُعَضِّدَ بِاعْتِرَاضِهِ مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.