الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، جَلَسُوا فِي الْبُيُوتِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِ النَّصَارَى مِنْ تَحْرِيمِ طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَهَمَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَجُبَّ نَفْسَهُ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ كَانَ مِمَّنْ حَرَّمَ النِّسَاءَ وَالزِّينَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَتَرَهَّبُوا، وَلَا يَأْكُلُوا لَحْمًا وَلَا وَدَكًا؛ وَقَالُوا: نَقْطَعُ مَذَاكِيرَنَا، وَنَسِيحُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا فَعَلَ الرُّهْبَانُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَنْكِحُ النِّسَاءَ، وَيَأْكُلُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ، وَيُفْطِرُ وَيَصُومُ، وَأَنَّهُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سَنَتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَقَالَ لَهُمْ: «إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ، فَشَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. أُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ، اُعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، وَاسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ لَكُمْ». وَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. الثَّانِي: رُوِيَ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ضَافَهُ ضَيْفٌ، فَانْقَلَبَ ابْنُ رَوَاحَةَ وَلَمْ يَتَعَشَّ. فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: مَا عَشَّيْتِيهِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا، فَانْتَظَرْتُك أَنْ تَأْتِيَ. قَالَ: حَرَمْت ضَيْفِي مِنْ أَجْلِي، فَطَعَامُك عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ ذُقْته. فَقَالَتْ هِيَ: وَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ لَمْ تُذَقْهُ. وَقَالَ الضَّيْفُ: هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ ذُقْته إنْ لَمْ تَذُوقُوهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ رَوَاحَةَ قَالَ: قَرِّبِي طَعَامَك، كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، وَغَدَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَحْسَنْت. وَنَزَلَتْ الْآيَةُ: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ.» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ: «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا، فَنَزَلَتْ: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225]». الثَّالِثُ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنِّي إذَا أَصَبْت اللَّحْمَ انْتَشَرْت لِلنِّسَاءِ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَةٌ، فَحَرَّمْت عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] إلَى مُؤْمِنِينَ». قَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحَةُ الْإِرْسَالِ. [مَسْأَلَة تَحْرِيم مَا أحل اللَّه مِنْ الْمُبَاحَات] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ظَنَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُمْ طَرِيقُ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ رَفْضِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّسَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] فَكَانَتْ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَشَرِيعَتُنَا بِالسَّمْحَةِ الْحَنِيفِيَّةِ. وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ نَهَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّبَتُّلِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا». وَاَلَّذِي يُوجِبُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمَ، وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ، وَيُوَضِّحُ الْأَمْرَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ لِنَبِيِّهِ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا} [المزمل: 8] فَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّبَتُّلَ بِفِعْلِهِ؛ وَشَرَحَ أَنَّهُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ، وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ، وَلَيْسَ بِتَرْكِ الْمُبَاحَاتِ، «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ اللَّحْمَ إذَا وَجَدَهُ، وَيَلْبَسُ الثِّيَابَ تُبْتَاعُ بِعِشْرِينَ جَمَلًا، وَيُكْثِرُ مِنْ الْوَطْءِ، وَيَصْبِرُ إذَا عَدِمَ ذَلِكَ»، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ لِسُنَّةِ عِيسَى فَلَيْسَ مِنْهُ. [مَسْأَلَة إذَا فَسَدَ الدِّينُ عِنْدَ النَّاسِ وَعَمَّ الْحَرَامُ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا إذَا كَانَ الدِّينُ قِوَامًا، وَلَمْ يَكُنْ الْمَالُ حَرَامًا؛ فَأَمَّا إذَا فَسَدَ الدِّينُ عِنْدَ النَّاسِ، وَعَمَّ الْحَرَامُ فَالتَّبَتُّلُ وَتَرْكُ اللَّذَّاتِ أَوْلَى، وَإِذَا وُجِدَ الْحَلَالُ فَحَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ وَكَانَ داتشمند - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُول: إذْ عَمَّ الْحَرَامُ وَطَبَقَ الْبِلَادَ، وَلَمْ يُوجَدْ حَلَالٌ اُسْتُؤْنِفَ الْحُكْمُ، وَصَارَ الْكُلُّ مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ أَحَقَّ بِمَا فِي يَدِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبَهُ. وَأَنَا أَقُولُ: إنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُنْقَاسٌ إذَا انْقَطَعَ الْحَرَامُ، فَأَمَّا وَالْغَصْبُ مُتَمَادٍ، وَالْمُعَامَلَاتُ الْفَاسِدَةُ مُسْتَمِرَّةٌ، وَلَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ مِنْ حَرَامٍ إلَّا إلَى حَرَامٍ فَأَشْبَهَ الْمَعَاشُ مَنْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ قَدِيمُ الْمِيرَاثِ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّتِهُ، وَمَا رَأَيْت فِي رِحْلَتِي أَحَدًا يَأْكُلُ مَالًا حَلَالًا مَحْضًا إلَّا سَعِيدًا الْمَغْرِبِيَّ، كَانَ يَخْرُجُ فِي صَائِفَةِ الْخِطْمِيِّ، فَيَجْمَعُ مِنْ زَرِيعَتِهِ قُوَّتَهُ وَيَطْحَنُهَا وَيَأْكُلُهَا بِزَيْتٍ يَجْلِبُهُ الرُّومُ مِنْ بِلَادِهِمْ. [مَسْأَلَة قَالَ هَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ لِشَيْءٍ مِنْ الْحَلَالِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا قَالَ: هَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ لِشَيْءٍ مِنْ الْحَلَالِ عَدَا الزَّوْجَةَ فَإِنَّهُ كِذْبَةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا حَرَّمَهُ. هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ؛ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ الْمُتَقَدِّمُ. وَفِي حَدِيثِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُمْ «أَنَّهُمْ حَلَفُوا بِاَللَّهِ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْكَفَّارَةِ»، فَتَعَلَّقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ، وَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَمَوْضِعُهَا سُورَةُ التَّحْرِيمِ، وَاَللَّهُ يُسَهِّلُ فِي الْبُلُوغِ إلَيْهَا بِعَوْنِهِ.