الباحث القرآني

وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا} [الأنعام: 146] فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: هَادُوا: تَابُوا. هَادَ يَهُودُ: تَابَ. الثَّانِي: هَادَ: إذَا سَكَنَ. الثَّالِثُ: هَادَ: فَتَرَ. الرَّابِعُ: هَادَ: دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {كُونُوا هُودًا} [البقرة: 135] أَيْ يَهُودًا. ثُمَّ حَذَفَ الْيَاءَ. فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ التَّائِبُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أَيْ تُبْنَا، وَكُلُّ تَائِبٍ إلَى رَبِّهِ: سَاكِنٌ إلَيْهِ فَاتِرٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وَهَذَا مَعْنَى مُتَقَارِبٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] يَعْنِي مَا لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الْأَصَابِعِ، كَالْإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَالْإِوَزِّ وَالْبَطِّ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَصِيدُ بِظُفْرِهِ: مِنْ [سِبَاعِ] الطَّيْرِ وَالْكِلَابِ. وَالْحَوَايَا: وَاحِدُهَا حَاوِيَاءُ أَوْ حَوِيَّةٌ، وَهِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلِ: الْمَبَاعِرُ. الثَّانِي: أَنَّهَا خَزَائِنُ اللَّبَنِ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا الْأَمْعَاءُ الَّتِي عَلَيْهَا الشُّحُومُ. [مَسْأَلَة ذَبَحَ الْيَهُود أَنْعَامَهُمْ فَأَكَلُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَتَرَكُوا مَا حَرَّمَ فَهَلْ يَحِلُّ لَنَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَاحَ لَهُمْ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى طَرِيقِ التَّشْدِيدِ فِي التَّكْلِيفِ لِعَظِيمِ الْحُرْمِ، وَزَوَالِ الْحَرَجِ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَأُمَّتِهِ]، وَأَلْزَمَ جَمِيعَ الْخَلِيقَةِ دِينَ الْإِسْلَامِ بِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ؛ فَإِذَا ذَبَحُوا أَنْعَامَهُمْ فَأَكَلُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَتَرَكُوا مَا حَرَّمَ، فَهَلْ يَحِلُّ لَنَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: هِيَ مُحَرَّمَةٌ [عَلَيْهِمْ]. وَقَالَ فِي سَمَاعِ الْمَبْسُوطِ: هِيَ مُحَلَّلَةٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَكْرَهُهُ. وَالصَّحِيحُ أَكْلُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بِالْإِسْلَامِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ بَقِيَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ عِنْدَ الذَّكَاةِ. قُلْنَا: هَذَا لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَلَوْ ذَبَحُوا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ؛ فَقَالَ أَصْبَغُ: كُلُّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ. وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ مِنْهُمْ لَيْسَ بِذَكَاةٍ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ ذَنْبٍ؛ لِأَنَّهُ ضَيِّقٌ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ السِّعَةِ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْمَوْجِدَةِ.