الباحث القرآني

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ: رَضِيت بِفُلَانٍ فَإِذَا شَهِدَ أَنْكَرَهُ، وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَلْزَمُهُ مَا قَالَ. وَلِلْمَالِكِيَّةِ الْقَوْلَانِ. وَمَشْهُورٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ الرِّضَا بِالشَّهَادَةِ ثُمَّ الْإِنْكَارُ؛ إنَّمَا فِيهَا طَلَبُ الدَّلِيلِ وَاسْتِدْعَاءُ الْبُرْهَانِ عَلَى الدَّعْوَى؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَحَكَّمَتْ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: قُلْ لَهُمْ: هَاتُوا شُهَدَاءَكُمْ بِأَنَّ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَيْ حُجَّتَكُمْ حَتَّى نَسْمَعَهَا، وَنَنْظُرَ فِيهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: {فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: 150]؟ قُلْنَا: هَذَا تَحْذِيرٌ مِنْ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لِتَعْلَمَ أُمَّتُهُ الْمَعْنَى. فَإِنْ قَالَ شُهَدَاؤُهُمْ مِثْلَ مَا يَقُولُونَ فَلَا تَقُلْهُ مَعَهُمْ؛ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.