الباحث القرآني

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
{لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163]. فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ صَلاتِي} [الأنعام: 162] الْآيَةَ: مَقَامُ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَدَرَجَةُ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ بِنَاءً عَنْ مُشَاهَدَةِ تَوْحِيدٍ وَمُعَايَنَةِ يَقِينٍ وَتَحْقِيقٍ؛ فَإِنَّ الْكُلَّ مِنْ الْإِنْسَانِ لِلَّهِ أَصْلٌ وَوَصْفٌ، وَظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، وَاعْتِقَادٌ وَعَمَلٌ، وَابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ، وَتَوَقُّفٌ وَتَصَرُّفٌ، وَتَقَدُّمٌ وَتَخَلُّفٌ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، لَا مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ يُضَاهِيهِ أَوْ يُدَانِيهِ. [مَسْأَلَة مِنْ سُنَنِ الصَّلَوَاتِ الِاسْتِفْتَاح بِقَوْلِهِ قل إنَّ صَلَاتِي ونسكي] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهِ صَلَاتَهُ، وَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي اسْتِفْتَاحِهَا أَيْضًا: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك». وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَرَ مَالِكٌ هَذَا الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك. وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ فِي خَاصَّتِهِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ بِهِ؛ وَكَانَ لَا يُرِيهِ لِلنَّاسِ مَخَافَةَ أَنْ يَعْتَقِدُوا وُجُوبَهُ. وَرَآهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ سُنَنِ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَقُولُهَا فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي آخِرِهَا: وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَقُولُ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ؛ إذْ لَيْسَ أَحَدٌ بِأَوَّلِهِمْ إلَّا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنْ قِيلَ: أَوَلَيْسَ إبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ؟ قُلْنَا: عَنْهُ أَجْوِبَةً، أَظْهَرُهَا الْآنَ أَنَّ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.