الباحث القرآني

يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي نُزُولِهَا: قِيلَ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، أُمِرُوا بِاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالزَّجَّاجُ: نَزَلَتْ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَيْسَ يُدَافِعُ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً فَتَقُولُ: مَنْ تُعِيرُنِي تِطْوَافًا؟ فَتَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ جَهْمٌ مِنْ الْجَهْمِ عَظِيمٌ ظِلُّهُ ... كَمْ مِنْ لَبِيبٍ عَقْلُهُ يُضِلُّهُ وَنَاظِرٍ يَنْظُرُ مَا يَمَلُّهُ فَنَزَلَتْ: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ ضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنُ قُرْطٍ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، إلَّا الْحُمْسَ: قُرَيْشٌ وَأَحْلَافُهُمْ، فَمَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَضَعَ ثِيَابَهُ وَطَافَ فِي ثَوْبٍ أَحْمَسِيٍّ، فَيَحِلُّ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِيرُهُ مَا يَلْبَسُ مِنْ الْحُمْسِ فَإِنَّهُ يُلْقِي ثَوْبَهُ وَيَطُوفُ عُرْيَانًا، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ». فَنُودِيَ بِهَا فِي الْمَوْسِمِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي سَبَبِ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لِذَلِكَ: إنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ رَأَتْ رَأْيًا تَكِيدُ بِهِ الْعَرَبَ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؛ لَا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنْ الْبُلْدَانِ كَتَعْظِيمِ حَرَمِكُمْ، فَتَزْهَدَ الْعَرَبُ؛ فِي حَرَمِكُمْ إذَا رَأَوْكُمْ قَدْ عَظَّمْتُمْ مِنْ الْبُلْدَانِ غَيْرَهُ كَتَعْظِيمِهِ، فَعَظِّمُوا أَمْرَكُمْ فِي الْعَرَبِ؛ فَإِنَّكُمْ وُلَاةُ الْبَيْتِ وَأَهْلُهُ دُونَ النَّاسِ؛ فَوَضَعُوا لِذَلِكَ الْأَمْرِ أَنْ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُعَظِّمَ غَيْرَهُ، وَلَا نَخْرُجَ مِنْهُ؛ فَكَانُوا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهَا خَارِجٌ مِنْ الْحَرَمِ، وَكَانَتْ سُنَّةَ إبْرَاهِيمَ وَعَهْدًا مِنْ عَهْدِهِ، ثُمَّ قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ أَنْ يَطُوفَ إلَّا فِي ثِيَابِنَا، وَلَا يَأْكُلَ إذَا دَخَلَ أَرْضَنَا إلَّا مِنْ طَعَامِنَا، وَلَا يَأْكُلَ الْأَقِطَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ بِالْأَدَمِ إلَّا الْحُمْسُ، وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَمَا وَلَدَتْ مِنْ الْعَرَبِ وَمَنْ كَانَ يَلِيهَا مِنْ حُلَفَائِهَا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ؛ فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ الْمَرْأَةُ يَأْتِيَانِ حَاجَّيْنِ، حَتَّى إذَا أَتَيَا الْحَرَمَ وَضَعَا ثِيَابَهُمَا وَزَادَهُمَا، وَحَرُمَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَدْخُلَا مَكَّةَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ صَدِيقٌ مِنْ الْحُمْسِ اسْتَعَارَ مِنْ ثِيَابِهِ وَطَافَ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَدِيقٌ مِنْهُمْ، وَكَانَ لَهُ يَسَارٌ اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْحُمْسِ ثِيَابَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَدِيقٌ وَلَا يَسَارٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ كَانَ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا، وَإِمَّا أَنْ يَتَكَرَّمَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا فَيَطُوفَ فِي ثِيَابِهِ؛ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَمَسَّهُ، وَلَمْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ؛ فَكَانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ يُسَمَّى اللَّقَى قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْعَرَبِ: كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ ... لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ وَلَمْ تَجِدْ مَنْ يُعِيرُهَا وَلَا كَانَ لَهَا يَسَارٌ تَسْتَأْجِرُ بِهِ [خَلَعَتْ] ثِيَابَهَا كُلَّهَا إلَّا دِرْعًا مُفْرَدًا، ثُمَّ طَافَتْ فِيهِ؛ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ كَانَتْ جَمِيلَةً تَامَّةً ذَاتَ هَيْئَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْزَلَ فِيمَنْ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ} [الأعراف: 31] إلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَوَضَعَ اللَّهُ مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ ابْتَدَعَتْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي تَرْكِهِمْ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] يَعْنِي بِذَلِكَ قُرَيْشًا وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِمْ. [مَسْأَلَة سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ، هَلْ هِيَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ؟ فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فَقَالُوا: إنَّهَا فَرْضٌ فِيهَا. وَأَمَّا مَالِكٌ فَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهَا فَرْضٌ إسْلَامِيٌّ لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ؛ وَهُوَ أَشْهَرُ أَقْوَالِنَا. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مِثْلَ قَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ «أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ»، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا إسْلَامِيًّا فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي الصَّلَاةِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْعَوْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلِ: جَمِيعُ الْبَدَنِ؛ فَيَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ؛ قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ عَنْهُ. الثَّانِي: أَنَّهَا مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ؛ إنَّمَا الْخِلَافُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ هَلْ هُوَ عَوْرَةٌ مُثَقَّلَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ عَوْرَةٌ مُثَقَّلَةٌ، وَالْفَخِذَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ؛ «لِأَنَّهَا ظَهَرَتْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ جَرَى فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصِلُهَا بِأَفْخَاذِ أَصْحَابِهِ، وَلَوْ كَانَتْ عَوْرَةً مَا وَصَلَهَا بِهَا». قَالَ زَيْدٌ: «نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَحْيُ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي»، أَمَّا إنَّهُ يُكْرَهُ كَشْفُهَا فَإِنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ قَدْ رَوَى حَدِيثَ جَرْهَدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «غَطِّ فَخِذَك؛ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ»؛ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ. [مَسْأَلَة الطَّوَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ " قَوْله تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} [الأعراف: 31] وَإِنْ كَانَ وَارِدًا عَلَى طَوَافِ الْعُرْيَانِ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ؛ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّوَافَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ. وَاَلَّذِي يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ هُوَ الصَّلَاةُ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ مَقَاصِدُ اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً فِي الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، لِيَكُونَ الْعُمُومُ شَامِلًا لِكُلِّ مَسْجِدٍ، وَالسَّبَبُ الَّذِي أَثَارَ ذَلِكَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي أَفْضَلِ الْمَسَاجِدِ، وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ هُمْ أَرْبَابُ اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ نِظَامُ الْكَلَامِ، وَلَا كَيْفَ كَانَ وُرُودُهُ، اجتزءوا بِوُرُودِ الْآيَةِ وَمَنْحَاهَا، فَلَا مَطْمَعَ لِعَالِمٍ فِي أَنْ يَسْبِقَ شَأْوَهُمْ فِي تَفْسِيرٍ أَوْ تَقْدِيرٍ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] قَالَ بَعْضُهُمْ: ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ الْوُرُودُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ لِلْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي الْمَسْجِدِ، تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ السَّتْرِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، فَزَادَ النَّاسُ، فَقَالُوا: " هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْفِعْلِ لِلْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ بِالسَّتْرِ فِي الْمَسْجِدِ لِبَيْنِ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي الْمَسْجِدِ. وَالْفِعْلُ الْوَاقِعُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: طَوَافٍ، وَلَا يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ وَاعْتِكَافٍ، وَلَمْ يَشْرُفْ لِأَجْلِهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الصَّلَاةُ؛ وَقَدْ أُلْزِمَ السَّتْرَ لَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهَا. وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ مَا زَادَ عَلَى الْعَوْرَةِ، وَبَقِيَ مَا قَابَلَ الْعَوْرَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا مِنْ قَبْلُ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ. فَإِنْ قِيلَ: وَيَجْتَمِعُونَ فِي الْأَسْوَاقِ. قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ اجْتِمَاعًا مَشْرُوعًا؛ بَلْ يَجُوزُ تَفَرُّقُهُمْ. وَهَا هُنَا إنْ تَفَرَّقُوا فِي الْمَسَاجِدِ كَانَ ذَلِكَ قَطْعًا لِلْجَمَاعَةِ، وَخَرْقًا لِلصُّفُوفِ؛ إذْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ». خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الطَّوَافَ لَا يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ. [مَسْأَلَة سَقَطَ ثَوْبُ إمَامٍ فَانْكَشَفَ دُبُرُهُ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَغَطَّاهُ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا قُلْنَا: إنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ فَسَقَطَ ثَوْبُ إمَامٍ فَانْكَشَفَ دُبُرُهُ، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَغَطَّاهُ أَجْزَأَهُ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَكُلُّ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ أَعَادَ. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ أَنَّهُ يُعِيدُ، وَيُعِيدُونَ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا بَطَلَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ. فَهَذَا طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ النَّظَرِ. وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ صَلَاتَهُمْ لَا تَبْطُلُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْقِدُوا شَرْطًا. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنْ أَخَذَهُ مَكَانَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ، فَصَحِيفَةٌ يَجِبُ مَحْوُهَا، وَلَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ أَوْ كَانَ إمَامًا فَلَا يُصَلِّي إلَّا بِرِدَائِهِ أَوْ شَيْءٍ يَجْعَلُهُ عَلَى مَنْكِبِهِ، وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إنَّهُ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؛ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] قَالُوا: «صَلُّوا فِي النِّعَالِ»، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. [مَسْأَلَة عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: هَذَا خِطَابٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إلَّا أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْعَوْرَةِ، فَعَوْرَةُ الرَّجُلِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَفِي الْمُصَنِّفِينَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ». وَهَذَا فِي الْحُرَّةِ؛ ثَبَتَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا»، فَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّهَا تُصَلِّي كَمَا تَمْشِي حَاسِرَةَ الرَّأْسِ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: تَسْتُرُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَسْتُرُ الرَّجُلُ، حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ بَطْنُهَا لَمْ يَضُرَّهَا. وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ انْكَشَفَتْ فَخِذُهَا أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] الْإِسْرَافُ: تَعَدِّي الْحَدِّ؛ فَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَدِّي الْحَلَالِ إلَى الْحَرَامِ. وَقِيلَ: أَلَّا يَزِيدُوا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقِيلَ: هُوَ حَرَامٌ. وَقِيلَ: هُوَ مَكْرُوهٌ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ فَإِنَّ قَدْرَ الشِّبَعِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَسْنَانِ وَالطَّعْمَانِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ لِرَجُلٍ كَافِرٍ بِحِلَابِ سَبْعِ شِيَاهٍ، فَشَرِبَهَا ثُمَّ آمَنَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حَلْبِ شَاةٍ. قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ»؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ لَمَّا تَنَوَّرَ بِالتَّوْحِيدِ نَظَرَ إلَى الطَّعَامِ بِعَيْنِ التَّقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَحِينَ كَانَ مُظْلِمًا بِالْكُفْرِ كَانَ أَكْلُهُ كَالْبَهِيمَةِ تَرْتَعُ حَتَّى تَثْلِطَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ: إنَّ الْأَمْعَاءَ السَّبْعَةَ كِنَايَةٌ عَنْ أَسْبَابٍ سَبْعَةٍ يَأْكُلُ بِهَا النَّهِمُ: يَأْكُلُ لِلْحَاجَةِ، وَالْخَبَرِ، وَالنَّظَرِ، وَالشَّمِّ، وَاللَّمْسِ، وَالذَّوْقِ، وَيَزِيدُ اسْتِغْنَامًا. وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.