الباحث القرآني

إِنَّ لَكَ فِی ٱلنَّهَارِ سَبۡحࣰا طَوِیلࣰا
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنَاهُ اضْطِرَابًا وَمَعَاشًا وَتَصَرُّفًا، سَبَّحَ يُسَبِّحُ: إذَا تَصَرَّفَ وَاضْطَرَبَ، وَمِنْهُ سِبَاحَةُ الْمَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] يُعْنَى يَجْرُونَ. وَقَالَ: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} [النازعات: 3]؛ قِيلَ: الْمَلَائِكَةُ تُسَبِّحُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَيْ تَجْرِي وَقِيلَ: هِيَ السُّفُنُ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ تَخْرُجُ بِسُهُولَةٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَعْنَاهُ فَرَاغًا طَوِيلًا؛ وَسَاعَدَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. فَأَمَّا حَقِيقَةُ (س ب ح) فَالتَّصَرُّفُ وَالِاضْطِرَابُ؛ فَأَمَّا الْفَرَاغُ فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ تَفَرُّغَهُ لِأَشْغَالِهِ وَحَوَائِجِهِ عَنْ وَظَائِفَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ؛ فَأَحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ لَفْظِيٌّ وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قُرِئَ سَبْخًا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَمَعْنَاهُ رَاحَةً وَقِيلَ نَوْمًا. وَالتَّسْبِيخُ: النَّوْمُ الشَّدِيدُ، يُقَالُ سَبَّخَ، أَيْ نَامَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسَبَّحَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ تَصَرَّفَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ «سَمِعَ عَائِشَةَ تَدْعُو عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ بِدُعَائِك»، أَيْ لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ، فَإِنَّ السَّارِقَ أَخَذَ مَالَهَا، وَهِيَ أَخَذَتْ مِنْ عِرْضِهِ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ كَانَ تَخْفِيفًا مِمَّا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ السَّرِقَةِ. وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى فِي الْأَثَرِ: «مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدْ انْتَصَرَ» وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّيْلَ عِوَضُ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ النَّهَارُ عِوَضُ اللَّيْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] [مَسْأَلَة نَوْمِ الْقَائِلَةِ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى نَوْمِ الْقَائِلَةِ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْعِلْمِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي حَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ: فَقَدْ كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَرُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ تِسْعًا مِنْهَا الْوِتْرُ، وَكَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْيِي آخِرَهُ، وَمَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ إلَّا عِنْدَ أَهْلِهِ قَائِمًا وَكَانَ يُوتِرُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ حَتَّى انْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ، وَمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ قَطُّ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إلَى الصُّبْحِ، وَكَانَ إذَا فَاتَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ يَقُولُ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» وَيَقُولُ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» وَقَالَ «صَلَاةُ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ» وَذَلِكَ أَفْضَلُ وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْجَمْعَ بَيْنَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي عَدَدِ صَلَاتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَهِيَ كَانَتْ وَظِيفَتَهُ الدَّائِمَةَ، وَكَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَكَانَ يُصَلِّي إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهَا الْوِتْرُ» وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ ضَعُفَ وَأَسَنَّ وَحَطَّمَهُ الْبَأْسُ، أَوْ كَانَ لِأَلَمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.