الباحث القرآني

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]. فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} [الأنفال: 41] قَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ. فَأَمَّا الْأَحْكَامِيُّونَ، فَقَالُوا: إنَّ الْغَنِيمَةَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ، وَالْفَيْءُ: الْأَرْضُونَ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: إنَّ الْغَنِيمَةَ مَا أُخِذَ عَنْوَةً. وَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ عَلَى صُلْحٍ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَقِيلَ: إنَّ الْفَيْءَ وَالْغَنِيمَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَصَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْفَيْءَ فِي الْقُرَى، وَذَكَرَ الْغَنِيمَةَ مُطْلَقًا، فَفَصَّلَ الْفَرْقَ هَكَذَا. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَبَنَاهُ عَلَى الْعُرْفِ، وَأَنَّ الْغَنِيمَةَ تَنْطَلِقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْأَمْوَالِ الْقَهْرِيَّةِ، وَيَنْطَلِقُ الْفَيْءُ عُرْفًا عَلَى مَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ قَهْرٍ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ الْفَيْءُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَمْوَالِ بِقَهْرٍ وَبِغَيْرِ قَهْرٍ. وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، وَجَعَلَ الْأَمْوَالَ لَهُمْ لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى مَا يُرْضِيهِ، وَرُبَّمَا صَارَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْبَاطِلِ، فَإِذَا صَارَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْحَقِّ فَقَدْ صَرَفَهَا عَنْ طَرِيقِ الْإِرَادَةِ إلَى طَرِيقِ الْأَمْرِ وَالْعِبَادَةِ. [مَسْأَلَة الْغَنِيمَةَ خُمُسَهَا لِلْخَمْسَةِ الْأَسْمَاءِ وَسَائِرَهَا لِمَنْ غَنِمَهَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا عَرَفْتُمْ أَنَّ الْغَنِيمَةَ هِيَ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ فِيهَا بِحُكْمِهِ، وَأَنْفَذَ فِيهَا سَابِقَ عِلْمِهِ، فَجَعَلَ خُمُسَهَا لِلْخَمْسَةِ الْأَسْمَاءِ، وَأَبْقَى سَائِرَهَا لِمَنْ غَنِمَهَا؛ وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا، ثُمَّ نَعْطِفُ عَلَى الْوَاجِبِ فِيهَا فَنَقُولُ: أَمَّا سَهْمُ اللَّهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَسَهْمَ الرَّسُولِ وَاحِدٌ، وَقَوْلُهُ: {لِلَّهِ} [الأنفال: 41] اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ، فَلِلَّهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْخَلْقُ أَجْمَعُ. الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْتَى بِالْغَنِيمَةِ فَيَقْسِمُهَا عَلَى خَمْسَةٍ، يَكُونُ أَرْبَعُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ شَهِدَهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ الْخُمُسَ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ، وَهُوَ سَهْمُ اللَّهِ ثُمَّ يُقَسِّمُ مَا بَقِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ». وَأَمَّا سَهْمُ الرَّسُولِ فَقِيلَ: هُوَ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: لِلَّهِ، لَيْسَ لِلَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا لِلرَّسُولِ، وَيُقَسِّمُ الْخُمُسَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ سَهْمٌ، وَلِلْيَتَامَى سَهْمٌ، وَالْمَسَاكِينِ سَهْمٌ [وَلِابْنِ السَّبِيلِ سَهْمٌ]؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُوَ لِلرَّسُولِ، فَفِي كَيْفِيَّةِ كَوْنِهِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: لِقَرَابَتِهِ إرْثًا، وَقِيلَ: لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: هُوَ يَلْحَقُ بِالْأَسْهُمِ الْأَرْبَعِ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْرُوفٌ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَصْرُوفٌ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَأَمَّا سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فَقِيلَ: هُمْ قُرَيْشٌ، وَقِيلَ: بَنُو هَاشِمٍ [وَقِيلَ بَنُو هَاشِمٍ] وَبَنُو الْمُطَّلِبِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: ذَهَبَ ذَلِكَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَكُونُ لِقَرَابَةِ الْإِمَامِ بَعْدَهُ. وَقِيلَ: هُوَ لِلْإِمَامِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ. وَأَمَّا سَهْمُ الْيَتَامَى فَإِنَّ الْيَتِيمَ مَنْ فِيهِ ثَلَاثَةٌ أَوْصَافٍ: مَوْتُ الْأَبِ، وَعَدَمُ الْبُلُوغِ، وَوُجُودُ الْإِسْلَامِ أَصْلًا فِيهِ أَوْ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَحَاجَتُهُ إلَى الرَّفْدِ. وَأَمَّا الْمِسْكِينُ فَهُوَ الْمُحْتَاجُ. وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الطَّرِيقُ مُحْتَاجًا، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي التَّنْقِيحِ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ فَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعَالِيَةِ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا لِلَّهِ مِلْكًا وَخَلْقًا، وَهِيَ لِعِبَادِهِ رِزْقًا وَقِسْمًا. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ مِمَّنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَمَلَّكَهُ. وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ». وَهَذَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَصَالِحِ الْعَامَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَرْجِعُ لِقَرَابَتِهِ إرْثًا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَرْسَلَتْ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهَا: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «نَحْنُ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ». وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ، وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ دَعَاوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا. أَمَّا سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فَأَصَحُّهَا أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ صَحِيحَةٌ فِي الْأَقْوَالِ وَالتَّوْجِيهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَيْءَ وَالْخُمُسَ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُعْطِي الْإِمَامُ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمَا. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْفَيْءَ وَالْخُمُسَ وَاحِدٌ. [مَسْأَلَة لَا يُعْطِي الْقَرَابَةَ مِنْ الْغَنِيمَة إلَّا أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ] وَرَوَى دَاوُد بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْقَرَابَةَ لَا لِلسَّلْمِ مِنْهُ إلَّا بِالْفَقْرِ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ مَالِكٌ: وَبِهِ أَقُولُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُعْطِي الْقَرَابَةَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ: فَزَادَ الْفَقْرَ عَلَى النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ إلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ. فَأَمَّا مَالِكٌ فَاحْتَجَّ بِأَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ لَهُمْ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَوْلُهُ: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] يَعْنِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كُلُّهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَصَابُوا فِي سُهْمَانِهِمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا». وَثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ». وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَدَّ سَبْيَ هَوَازِنَ وَفِيهِ الْخُمُسُ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «آثَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ أُنَاسًا فِي الْغَنِيمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا، أَوْ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ. فَقُلْت: وَاَللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَخِي مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». وَفِي الصَّحِيحِ: «إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، بُعِثْت أَنْ أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ فَاَللَّهُ حَاكِمٌ، وَالنَّبِيُّ قَاسِمٌ، وَالْحَقُّ لِلْخَلْقِ». وَصَحَّ عَنْ «عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ». وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: «اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَا: وَاَللَّهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ فَقَالَا لِي، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: اذْهَبَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ فَكَلِّمَاهُ يُؤَمِّنْكُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ، فَأَدِّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، بِشِرَاءٍ مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ إذْ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَفْعَلَا، فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ. فَابْتَدَأَهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا هَذَا إلَّا نَفَاسَةٌ مِنْك عَلَيْنَا، فَوَاَللَّهِ لَقَدْ نِلْت صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْك. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَبُو حَسَنِ الْقَوْمِ أَرْسِلُوهُمَا، فَانْطَلَقَا، وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ سَبَقْنَاهُ إلَى الْحُجْرَةِ، فَقُمْنَا عِنْدَهَا حَتَّى جَاءَ، فَأَخَذَ بِآذَانِنَا، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ ثُمَّ دَخَلَ، وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَ: فَتَزَايَلْنَا الْكَلَامَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ بِشِرَاءِ النَّاسِ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ، فَجِئْنَاك لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّيَ إلَيْك مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ. قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلًا حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ. قَالَ: وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ يُزَالُ إلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَلَّا تَكَلَّمَاهُ. ثُمَّ قَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ؛ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، اُدْعُوَا لِي مَحْمِيَّةَ وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ: فَجَاءَاهُ. فَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ: أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَك لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي لِي، فَأَنْكَحَهُ. وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ بِنْتَك يَعْنِي لِي، فَأَنْكَحَنِي. وَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ: أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنْ مَالِ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا.» وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا: «إنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَلَكِنْ اُنْظُرُوا إذَا أَخَذْت بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ، هَلْ أُوثِرُ عَلَيْكُمْ أَحَدًا؟» وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: خُمُسُ الْخُمُسِ لِلرَّسُولِ، وَالْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ مِنْ الْخُمُسِ لِلْأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ، وَلَهُ سَهْمٌ كَسَائِرِ سِهَامِ الْغَانِمِينَ إذَا حَضَرَ الْغَنِيمَةَ، وَلَهُ سَهْمُ الصَّفِيِّ يَصْطَفِي سَيْفًا أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً. فَأَمَّا سَهْمُ الْقِتَالِ فَبِكَوْنِهِ أَشْرَفَ الْمُقَاتِلِينَ، وَأَمَّا سَهْمُ الصَّفِيِّ فَمَنْصُوصٌ لَهُ فِي السِّيَرِ، مِنْهُ ذُو الْفُقَّارِ، وَصَفِيَّةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَأَمَّا خُمُسُ الْخُمُسِ فَبِحَقِّ التَّقْسِيمِ فِي الْآيَةِ. قَالَ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَدْ بَيَّنَّا الرَّدَّ عَلَيْهِ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا ذَكَرَ نَفْسَهُ تَشْرِيفًا لِهَذَا الْمُكْتَسَبِ، وَأَمَّا رَسُولُهُ فَقَدْ قَالَ: «إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَاَللَّهُ الْمُعْطِي». وَقَالَ: «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» وَقَدْ أَعْطَى جَمِيعَهُ وَبَعْضَهُ، وَأَعْطَى مِنْهُ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي التَّقْسِيمِ، وَرَدَّهُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ بِأَعْيَانِهِمْ تَارَةً أُخْرَى؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بَيَانُ مَصْرِفٍ وَمَحَلٍّ، لَا بَيَانُ اسْتِحْقَاقٍ وَمِلْكٍ؛ وَهَذَا مَا لَا جَوَابَ عَنْهُ لِمُنْصِفٍ. وَأَمَّا الصَّفِيُّ فَحَقٌّ فِي حَيَاتِهِ، وَقَدْ انْقَطَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ رَآهُ بَاقِيًا لِلْإِمَامِ، فَجَعَلَهُ مَجْعَلَ سَهْمِ النَّبِيِّ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَرَوْنَ لِلرَّئِيسِ فِي الْغَنِيمَةِ مَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا ... وَحُكْمُك وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ فَكَانَ يَأْخُذُ بِغَيْرِ شَرْعٍ وَلَا دِينٍ الرُّبُعَ مِنْ الْغَنِيمَةِ؛ وَيَصْطَفِي مِنْهَا، ثُمَّ يَتَحَكَّمُ بَعْدَ الصَّفِيِّ فِي أَيِّ شَيْءٍ أَرَادَ، وَكَانَ مَا شَذَّ مِنْهَا لَهُ، وَمَا فَضَلَ مِنْ خُرْثِيٍّ وَمَتَاعٍ؛ فَأَحْكَمَ اللَّهُ الدَّيْنَ بِقَوْلِهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] وَأَبْقَى سَهْمَ الصَّفِيِّ لِرَسُولِهِ، وَأَسْقَطَ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا أَوْ أَوْسَعُ مِنْهُ عِلْمًا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: ادَّعَى الْمُقَصِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُهُ: فِي كِفَايَةِ أَوْلَادِهِ وَنِسَائِهِ، وَيَدَّخِرُ مِنْ ذَلِكَ قُوتَ سَنَتِهِ، وَيَصْرِفُ الْبَاقِيَ إلَى الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ كُلَّهُ لِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ». الثَّانِي: مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ عُمَرَ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَأُ يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا فَسَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ. فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا تُيَّدُ، كَمْ أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟» يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ. قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاَللَّهِ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ: إنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [الحشر: 6]. فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَاَللَّهِ مَا اخْتَارَهَا دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، قَدْ أَعْطَاكُمُوهَا، وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ، فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ. فَهَذَا حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ فِيهِ: إنَّ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ: «تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ وَفَدَكَ وَصَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ»؛ فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ. وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ، وَأَمْرُهَا إلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ. فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ خَيْبَرَ وَفَدَكَ وَبَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ لِقُوتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ سَنَةً، وَلِحُقُوقِهِ وَنَوَائِبِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ، لَا خُمُسَ الْخُمُسِ الَّذِي ادَّعَاهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ. وَهَذَا نَصٌّ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا كَلَامَ لِأَحَدٍ فِيهِ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى لِذِي الْقُرْبَى] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41]؛ فَنَظَرَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهَا قُرْبَى مِنْ قُرَيْشٍ، لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأُخْرَى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ». وَلَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]. وَرَهْطَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ. وَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ؛ يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ؛ يَا بَنِي هَاشِمٍ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ؛ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا». فَهَذِهِ قَرَابَاتُهُ الَّتِي دَعَا عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ حِينَ دُعِيَ إلَى أَنْ يَدْعُوَهُمْ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَعْطَيْتَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكَتْنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَقَالَ: «إنَّ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ». أَمَّا قَوْلُهُ: " وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ". فَلِأَنَّ هَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ وَعَبْدَ شَمْسٍ بَنُو عَبْد مُنَافٍ. وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ» إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأُلْفَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعَبِ، وَخَرَجَتْ عَنْهُمْ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ إلَى الْمُبَايَنَةِ، فَاتَّصَلَتْ الْقَرَابَةُ الْجَاهِلِيَّةُ بِالْمَوَدَّةِ، فَانْتَظَمَا. وَهَذَا يُعَضِّدُ أَنَّ بَيَانَ اللَّهِ لِلْأَصْنَافِ بَيَانٌ لِلْمَصْرِفِ وَلَيْسَ بَيَانًا لِلْمُسْتَحِقِّ. [مَسْأَلَة الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ مِنْ الْغَيْمَة مِلْكٌ لِلْغَانِمَيْنِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ فَهِيَ مِلْكٌ لِلْغَانِمَيْنِ: مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْأَمَةِ، بَيْدَ أَنَّ الْإِمَامَ إنْ رَأَى أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْأَسْرَى بِالْإِطْلَاقِ فَعَلَ وَتَبْطُلُ حُقُوقُ الْغَانِمِينَ فِيهِمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ الثَّنِيِّ لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ»، وَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ جَمِيعَهُمْ، وَيُبْطِلَ حَقَّ الْغَانِمِينَ بِالْقِتَالِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ؛ وَذَلِكَ بِحُكْمِ مَا يَرَى أَنَّهُ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحُ لَهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. [مَسْأَلَة الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ فِي الْغَنِيمَة] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَطْلَقَ اللَّهُ الْقَوْلَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمَيْنِ تَضْمِينًا، وَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَاضَلَ بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. الثَّانِي: لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلِلْفَارِسِ سَهْمٌ الثَّالِثُ: يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ، فَيُنَفِّذُ مَا رَأَى مِنْهُ. وَقَدْ رُوِيَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثَيْنِ. وَالصَّحِيحُ أَنْ يُعْطَى الْفَارِسُ سَهْمَيْنِ، وَيُعْطَى لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْعَنَاءِ، وَعِظَمِ الْمَنْفَعَةِ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ التَّقْدِيرَ فِي الْغَنِيمَةِ بِقَدْرِ الْعَنَاءِ فِي أَخْذِهَا حِكْمَةً مِنْهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا. [مَسْأَلَة وَلَا يُفَاضِلُ بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ بِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ فِي الْغَنِيمَة] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وَلَا يُفَاضِلُ بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ بِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْهِمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ غَنَاءً، وَأَعْظَمُ مَنْفَعَةً، وَهَذَا فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يُسْهِمَ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ فِي أَصْلِ الْغَنَاءِ وَالْمَنْفَعَةِ قَدْ رُوعِيَتْ؛ فَأَمَّا زِيَادَتُهَا فَزِيَادَةُ تَفَاصِيلِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، وَلَا يَنْضَبِطُ ذَلِكَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهَا فِي الْمَآلِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ؛ فَلَا حَظَّ فِي الِاعْتِبَارِ لِذَلِكَ. [مَسْأَلَة أَحْوَالَ الْمُقَاتِلِينَ وَأَهْلِ الْمَعَاشِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: لَا حَقَّ فِي الْغَنَائِمِ لِلْحَشْوَةِ كَالْأُجَرَاءِ وَالصُّنَّاعِ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الْجُيُوشَ لِلْمَعَاشِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا قِتَالًا، وَلَا خَرَجُوا مُجَاهِدِينَ. وَقِيلَ: يُسْهَمُ لَهُمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ». وَهَذَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا جَاءَ لِبَيَانِ خُرُوجِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقِتَالَ عَنْ الِاسْتِهَامِ، وَأَنَّهَا لِمَنْ بَاشَرَهُ وَخَرَجَ إلَيْهِ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحْوَالَ الْمُقَاتِلِينَ وَأَهْلِ الْمَعَاشِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ مُتَمَيِّزَتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ حَالُهَا وَحُكْمُهَا، فَقَالَ: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20]. إلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ إذَا قَاتَلُوا لَمْ يَضُرَّهُمْ كَوْنُهُمْ عَلَى مَعَاشِهِمْ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ. وَتَفْصِيلُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَنْ قَاتَلَ أُسْهِمَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا لِلْخِدْمَةِ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: لَا سَهْمَ لَهُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ قَاتَلَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. [مَسْأَلَة الْعَبْدُ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَة] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْعَبْدُ لَا سَهْمَ لَهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ خُوطِبَ بِالْقِتَالِ، لِاسْتِغْرَاقِ بَدَنِهِ بِحُقُوقِ السَّيِّدِ. فَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا سَهْمَ لَهُ: أَيْضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقًا لِلْبُلُوغِ مُطِيقًا لِلْقِتَالِ فَيُسْهَمُ لَهُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسْهَمُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي». فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا ذَلِكَ حَدُّ الْبُلُوغِ. وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ حَبِيبٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى إطَاقَتِهِ لِلْقِتَالِ، فَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ، وَقَدْ أَمَرَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ مِنْ أَنْبَتَ، وَيُخَلَّى مَنْ لَمْ يُنْبِتْ؛ وَهَذِهِ مُرَاعَاةٌ لِإِطَاقَةِ الْقِتَالِ أَيْضًا لَا لِلْبُلُوغِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. [مَسْأَلَة الْمَرْأَةُ لَا سَهْمَ لَهَا فِي الْغَنِيمَة وَإِنْ قَاتَلَتْ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] هَذَا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْكُفَّارِ وَلَا لِلنِّسَاءِ، وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ مَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، وَخُوطِبَ بِهِ مَنْ يُقَاتِلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مَنْ لَا يُقَاتِلُ. فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا سَهْمَ لَهَا فِيهِ، وَإِنْ قَاتَلَتْ إلَّا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «إنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُسْهَمُ لَهُنَّ»؛ فَإِنَّ الْقِتَالَ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِنَّ، وَالسَّهْمُ لَمْ يُقْضَ بِهِ لَهُنَّ. وَأَمَّا الْعَبِيدُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فَإِذَا خَرَجُوا لُصُوصًا، وَأَخَذُوا مَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ فَهُوَ لَهُمْ، وَلَا يُخَمَّسُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْخِطَابِ أَحَدٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُخَمَّسُ مَا يَنُوبُ الْعَبْدَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُخَمَّسُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْقِتَالِ، وَيُقَاتِلَ عَنْ الدِّينِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ. فَأَمَّا إذَا كَانُوا فِي جُمْلَةِ الْجَيْشِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُسْهَمَ لِعَبْدٍ وَلَا لِلْكَافِرِ يَكُونُ فِي الْجَيْشِ؛ قَالَهُ مَالِكٌ، وَابْنُ الْقَاسِمِ. زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي: وَلَا نَصِيبَ لَهُمْ. الثَّالِثُ: قَالَ سَحْنُونٌ: إنْ قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنِيمَةِ دُونَهُمْ لَمْ يُسْهَمْ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْغَنِيمَةِ إلَّا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أُسْهِمَ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ مَعَ الْأَحْرَارِ. الرَّابِعُ: قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إذَا خَرَجَ الْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ مِنْ الْجَيْشِ وَغَنِمَ فَالْغَنِيمَةُ لِلْجَيْشِ دُونَهُمْ. [مَسْأَلَة الْغَنِيمَة لِمِنْ حضر القتال] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ لِمَنْ حَضَرَ، فَأَمَّا مَنْ غَابَ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَالْمَغِيبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا بِمَرَضٍ، أَوْ بِضَلَالٍ، أَوْ بِأَسْرٍ. فَأَمَّا الْمَرِيضُ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ رَأْيٌ، وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا: إنْ مَرِضَ بَعْدَ الْقِتَالِ أُسْهِمَ لَهُ، وَإِنْ مَرِضَ بَعْدَ الْإِرَادَةِ وَقَبْلَ الْقِتَالِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ ذَلِكَ لَهُ. وَاخْتُلِفَ فِي الضَّالِّ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ وَقَالَ أَشْهَبُ: يُسْهَمُ لِلْأَسِيرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَدِيدِ. وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا سَهْمَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ يُسْتَحَقُّ بِالْقِتَالِ، فَمَنْ غَابَ خَابَ، وَمَنْ حَضَرَ مَرِيضًا كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ. وَأَمَّا الْغَائِبُ الْمُطْلَقُ فَلَمْ يُسْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ لِغَائِبٍ إلَّا يَوْمَ خَيْبَرَ؛ قَسَمَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ وَمَنْ غَابَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} [الفتح: 20]، وَقَسَمَ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُثْمَانَ لِبَقَائِهِ عَلَى ابْنَتِهِ، وَقَسَمَ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَطَلْحَةَ وَكَانَا غَائِبَيْنِ. فَأَمَّا أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ فَكَانَ مِيعَادًا مِنْ اللَّهِ اخْتَصَّ بِأُولَئِكَ النَّفَرِ، فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ. وَأَمَّا عُثْمَانُ وَسَعِيدٌ وَطَلْحَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَسْهَمَ لَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ مَنْ بَقِيَ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ، بَيْدَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمَوَّازِ قَالَ: إذَا أَرْسَلَ الْإِمَامُ أَحَدًا فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ فَإِنَّهُ يُشْرِكُ مَنْ غَنِمَ بِسَهْمِهِ؛ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ. وَقِيلَ عَنْهُ أَيْضًا: لَا شَيْءَ لَهُ، وَهَذَا أَحْسَنُ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْضَخُ لَهُ، وَلَا يُعْطَى مِنْ الْغَنِيمَةِ لِعَدَمِ السَّبَبِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ عِنْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا لَبَابُ مَا فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ، فَمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَنْظُرْهُ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.