الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي تَفْسِيرِ الصَّادِقِينَ: وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ الَّذِينَ اسْتَوَتْ ظَوَاهِرُهُمْ وَبَوَاطِنُهُمْ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} [البقرة: 177] إلَى قَوْله تَعَالَى {الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ الْمُهَاجِرُونَ؛ وَقَدْ رُوِيَ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ: إنَّ اللَّهَ سَمَّانَا الصَّادِقِينَ؛ فَقَالَ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} [الحشر: 8] إلَى قَوْله تَعَالَى {هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] ثُمَّ سَمَّاكُمْ الْمُفْلِحِينَ، فَقَالَ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ} [الحشر: 9]. وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا حَيْثُ كُنَّا، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]. الرَّابِعُ: أَنَّ الصَّادِقِينَ هُمْ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمُخَاطَبُونَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. الْخَامِسُ: الصَّادِقُونَ هُمْ الْمُوفُونَ بِمَا عَاهَدُوا، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]. السَّادِسُ: هُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ؛ أَوْ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، وَهُوَ السَّابِعُ. الثَّامِنُ: هُمْ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ الْحَقِيقَةُ وَالْغَايَةُ الَّتِي إلَيْهَا الْمُنْتَهَى فِي هَذِهِ الصِّفَةِ، وَبِهَا يَرْتَفِعُ النِّفَاقُ فِي الْعَقِيدَةِ، وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْفِعْلِ، وَصَاحِبُهَا يُقَالُ لَهُ صِدِّيقٌ، وَهِيَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَنْ دُونَهُمَا عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَأَزْمَانِهِمْ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالثَّانِي: فَهُوَ مُعْظَمُ الصِّدْقِ، وَمَنْ أَتَى الْمُعَظَّمَ فَيُوشِكُ أَنْ يَتْبَعَهُ الْأَقَلُّ، وَهُوَ مَعْنَى الْخَامِسِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ ذِكْرُهُ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: فَهُوَ الَّذِي يَعُمُّ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ مَوْجُودَةٌ فِيهِمْ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الرَّابِعُ: فَصَحِيحٌ وَهُوَ بَعْضُهُ أَيْضًا، وَيَكُونُ الْمُخَاطَبُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ. وَالسَّادِسُ: تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَالسَّابِعُ: يَكُونُ الْمُخَاطَبُ الثَّمَانِينَ رَجُلًا الَّذِينَ تَخَلَّفُوا وَاعْتَذَرُوا وَكَذَبُوا، أُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَ الثَّلَاثَةِ الصَّادِقِينَ؛ وَيَدْخُلُ هَذَا فِي جُمْلَةِ الصِّدْقِ. [مَسْأَلَة حَقِيقَةُ التَّقْوَى] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} [التوبة: 119]: قَدْ تَقَدَّمَتْ حَقِيقَةُ التَّقْوَى، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا فِيهَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتَلَقُوا الْكَذِبَ. وَالثَّانِي: فِي تَرْكِ الْجِهَادِ، وَهُمَا بَعْضُ التَّقْوَى، وَالصَّحِيحُ عُمُومُهَا. [مَسْأَلَة خَبَرُ الْكَاذِبِ وشَهَادَته] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْكَاذِبِ وَلَا شَهَادَتُهُ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْكَاذِبِ فِي حَدِيثِ النَّاسِ وَإِنْ صَدَقَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقْبَلُ حَدِيثُهُ، وَالْقَبُولُ فِيهِ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَوِلَايَةٌ لَا تَكُونُ إلَّا لِمَنْ كَرُمَتْ خِصَالُهُ، وَلَا خَصْلَةَ هِيَ أَشَرُّ مِنْ الْكَذِبِ، فَهِيَ تَعْزِلُ الْوِلَايَاتِ، وَتُبْطِلُ الشَّهَادَاتِ.