الباحث القرآني

اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
قَوْله تَعَالَى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]. فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْحَبْرُ: هُوَ الَّذِي يُحْسِنُ الْقَوْلَ وَيُنَظِّمُهُ وَيُتْقِنُهُ، وَمِنْهُ ثَوْبٌ مُحَبَّرٌ، أَيْ جَمَعَ الزِّينَةَ. وَيُقَالُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا، وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَقَالَ: إنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِحَمْلِ الْحِبْرِ وَهُوَ الْمِدَادُ وَالْكِتَابَةُ. وَالرَّاهِبُ هُوَ مِنْ الرَّهْبَةِ: الَّذِي حَمَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَلَى أَنْ يُخْلِصَ إلَيْهِ النِّيَّةَ دُونَ النَّاسِ، وَيَجْعَلَ زِمَامَهُ لَهُ، وَعَمَلَهُ مَعَهُ، وَأُنْسَهُ بِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64]: رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَدِيُّ؟ اطْرَحْ عَنْك هَذَا الْوَثَنَ. وَسَمِعْته يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]. قَالَ: أَمَا إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ». وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 29]؛ بَلْ يَجْعَلُونَ التَّحْرِيمَ لِغَيْرِهِ. .