الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
قال ﴿ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ و"السِّلْمُ": الإِسْلامُ. وقوله ﴿وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ﴾ ذلك: الصُلْح. وقد قال بعضهم في "الصلح": "السِّلم. وقال ﴿وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾ وهو الاستسلام. وقال ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ أي: قالوا "بَراءَةً مِنْكُم" لأنّ "السَّلام" في بعض الكلام هو: البراءة. تقول: "إنّما فلانٌ سَلامٌ بِسلام" أي: لا يُخالِطُ إِحداً. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والاربعون بعد المئة]: سَلامَكَ رَبَّنا في كلِّ فَجْرٍ * بَريئا ما تَغَنَّثُكَ* الذُّمومُ يعني تَأَوَّبكَ، يقول: "براءَتَكَ". وقال ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ﴾ وهذا فيما يزعم المفسرون: قالوا خيراً. كأنه - والله اعلم - سمع منهم التوحيد فقد قالوا خيرا، فلما عرف انهم موحدون قال: "سلامٌ عَلَيْكُم" فسلمَ عليهم. فهذا الوجه رفع على الابتداء. وقال بعضهم: "ما كان من كلام الملائكة فهو نصب وما كان من الانسان فهو رفع في السلام". وهذا ضعيف ليس بحجة. وقال ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾ فهذا يجوز على معنى: "سلامٌ عَلَيْكُم" في التسليم. او يكون على البراءة الا انه جعله خبر المبتدأ كأنه قال "أمِري سَلامٌ". اي: أمري براءة منكم، وأضمر الاسم كما يضمر الخبر. وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع عشر]: فَيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جَلاجِلٍ * وَبَينَ النَّقا آأَنْتِ أَمْ أُمُ سالِمِ على: "أَ أَنْتِ هِي أَمْ أم سالِمِ" أيْ: أَشْكَلْتِ عليَّ بِشَبَهِ أمِّ سالِمِ بِكِ. وكل هذا قد اضمر الخبر فيه. ومثل ذلك ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾فلما قال ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ كان فيه دليلٌ* على معنى ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ﴾ "ومن أنفق من بعد الفتح" أي لا يستوي هؤلاء وهؤلاء. وقال ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ لان كل اسم على "فُعْلَة" خفيف اذا جمع حرك ثانية بالضم نحو" ظُلُمات" و"غُرُفات" لان مخرج الحرفين بلفظ واحد اذا قرب أحدهما من صاحبه [كان]** أيسر عليهم. وقد فتحه بعضهم فقال: "الرُكَبات" و"الغُرفاَت" و"الظُلُمات"، واسكن بعضهم ما كان من الواو كما يسكن ما كان من الياء نحو "كُلْيات" أسكن اللام لئلا تحوّل الياء واوا فاسكنها في "خُطْوات" لان الواو اخت الياء. وما كان على "فَعْلة" نحو: "سَلْوَة" و"شَهْوَة" حرّك ثانية في الجمع بالفتح نحو "سَلَوات" و"شَهَوات" فاذا كان أوله مكسورا كسر ثانيه نحو "كِسْره" و"كِسِرات"، و"سِدْرة"، و"سِدِرات". وقد فتح بعضهم ثاني هذا كما فتح ثاني المضموم واستثقل الضمتين والكسرتين. وما كان من نحو هذا ثانيه واو أو ياء أو التقى فيه حرفان من جنس واحد لم يحرّك، نحو: "دُوْمَة" و"دُومات"، و"وعُوذَة" و"عوذات" وهي: المعاذة، و"بَيْضَة" و"بَيْضات" ، و"مَيْتةَ" و"مَيْتات". لان هذا لو حرّك لتغير وصار الفا فكان يغير بناء الاسم فاستثقلوا ذلك. وقالوا: "عِضَةٌ" و"عِضات" فلم يحركوا لان هذا موضع تتحرك فيه لام الفعل فلا يضعف ولولا انه حرك لضعف وأكثر [ما] في "الظُلُمات" و"الكِسِرات" وما أشبههما ان يحرك الثاني على الاول. وقد دعاهم ذلك إلى أَن قالوا "أذْكُر" فضموا الالف لضمة الكاف وبينها حرف فذلك أخلق. وقد قال بعضهم: "أَنَا أُنْبُوك" و"أَنا أُجُوك" فضم الباء والجيم لضمة الهمزة ليجعلها على لفظ واحد، فهذا اشد من ذاك. وقال: "هذا هُو مُنْحَدُرٌ من الجَبَل" يريد "مُنْحَدَرٌ" فضم الدال لضمة الراء، كما ضم الباء والجيم في "أُنْبُوكَ" و "أُجُوكَ".