الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
أما قوله ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فمن العرب من يهمِزُ ومنهم من لا يهمز. ومنه من يقول ﴿إسرَائِل﴾ يحذف الياء التي بعد الهمزة ويفتح الهمزة ويكسرها. باب المجازاة. فاما قوله ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فانما جزم الآخر لانه جواب الامر، وجواب الامر مجزوم مثل جواب ما بعد حروف المجازاة، كأنه تفسير "إنْ تَفْعلوا" أُوفِ بَعَهْدِكُم وقال في موضع آخر ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ وقال ﴿فَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ فلم يجعله جوابا، ولكنه كأنهم كانوا يلعبون فقال "ذَرْهُم في حال لعبهم" وقال ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ﴾ وليس من أجل الترك يكون ذلك، ولكن قد علم الله انه يكون وجرى على الاعراب كأنه قال: "إنْ تركتهم أَلْهاهُم الامل" وهم كذلك تركهم او لم يتركهم. كما ان بعض الكلام يعرف لفظه والمعنى على خلاف ذلك، وكما ان بعضهم يقول: "كَذَبَ عليكُمُ الحجّ". فـ"الحجُّ" مرفوع وانما يريدون ان يأمروا بالحج. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثامن والاربعون]: كَذَبَ العتيقُ وماءُ شنٍّ باردٍ * إن كنتِ سائِلتي غَبوقاً فاذْهَبي وقال: [من الوافر وهو الشاهد التاسع والاربعون]: وذُبْيانِية توصي بينها * أَلا كَذَبَ القراطِفُ والقُروفُ قال ابو عبد الله: "القَراطِفُ"، واحدها "قَرْطَفٌ": وهو كل ما له خَمَلٌ من الثياب. و "القُروفُ"، واحدها "قَرْفٌ": وهو وعاءٌ من جلود الابل كانوا يَغَلون اللحم ويحملونه فيه في أسفارهم". ويقولون "هذا جُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" والخرب هو الجُحْرُ. ويقولون، [أحدهم]: "هذا حبُّ رُمّاني". فيضيف الرُمّان اليه وانما له الحبّ وهذا في الكلام كثير. وقوله ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾ و﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فأجراه على اللفظ حتى صار جوابا للامر. وقد زعم قوم ان هذا انما هو على "فَلْيَغْفِروا" و"قُلْ لَعِبادي فَليَقولوا" وهذا لا يضمر كله يعني الفاء واللام. ولو جاز هذا [لَـ] جاز قول الرجل: "يَقُمْ زَيْدٌ"، وهو يريد "لَيَقُمْ زَيْدٌ". وهذا الكلمة أيضاً أمثل لانك لم تضمر فيها الفاء مع اللام. وقد زعموا ان اللام قد جاءت مضمرة، قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الخمسون]: مُحَمَّدُ تَفْد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ * إذا ما خِفْتَ من شَيْءٍ تَبالا يريد: "لِتَفْدِ"، وهذا قبيح. وقال: "تَقِ اللّهَ امرُؤٌ فعل كذا وكذا" ومعناه: "ليَتَّق اللّهَ". فاللفظ يجيء كثيرا مخالفاً للمعنى. وهذا يدل عليه. قال الشاعر في ضمير اللام: [من الطويل وهو الشاهد الحادي والخمسون]: على مثلِ أصحاب البعوضَةِ فَاخمِشي * لكِ الويلُ حُرَّ الوَجْهِ أو يَبْكِ من بكى يريد "ليبكِ مَنْ بكى" فحذف وسمعت من العرب من ينشد هذا البيت بغير لام: [من الطويل وهو الشاهد الثاني والخمسون]: فَيَبْكِ على المِنْجابِ أضيافُ قَفْرةٍ * سَرَوْا وأُسارى لم تُفَكَّ قيودُها يريد: "فَلْيَبْكِ" فحذف اللام. باب تفسير أنا وأنت وهو باب تفسير أنا وأنت وهو. وأما قوله ﴿وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ﴾ [و] ﴿وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ﴾ فقال ﴿وَإيّايَ﴾ وقد شغلت الفعل بالاسم المضمر الذي بعده الفعل. لان كل ما كان من الأمر والنهي في هذا النحو فهو منصوب نحو قولك: "زيداً فَاضْرِبْ أَخاهُ". لان الامر والنهي مما يضمران كثيراً ويحسن فيهما الاضمار، والرفع ايضاً جائز على ان لا يضمر. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون]: وقائِلَةٍ خولانَ فانكَحْ فتاتَهُمْ * وأُكْرومَةُ الحَيَّيْنِ خِلّوُكما هِيا وأما قوله ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ [و] ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ فزعموا - والله أعلم - ان هذا على الوحي، كأنه يقول "ومِمّا أَقُصُّ عليكمُ الزانيةُ والزاني، والسارقة والسارقُ". ثم جاء بالفعل من بعد ما اوجب الرفع على الاول على الابتداء وهذا على المجاز كأنه قال "أمرُ السارقِ والسارِقة وشأنُهما مما نَقُصَّ عليكم" ومثله قوله ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ ثم قال ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ﴾ كأنه قال: "وَمِمّا أقُصُّ عليكُمْ مَثَلُ الجنة" ثم أقبل يذكر ما فيها بعد أن اوجب الرفع في الاول على الابتداء. وقد قرأها قوم نصبا اذ كان الفعل يقع على ما هو من سبب الاول، وهو في الامر والنهي. وكذلك ما وقع عليه حرف الاستفهام نحو قوله ﴿أَبَشَرَاً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُه﴾. وانما فُعِلَ هذا في حروف الاستفهام لانه اذا كان بعده اسم وفعل كان أحسن ان يبتدأ بالفعل قبل الاسم، فان بدأت بالاسم أضمرت له فعلا حتى تحسن الكلام به واظهار ذلك الفعل قبيح. وما كان من هذا في غير الامر والنهي والاستفهام والنفي فوجه الكلام فيه الرفع، وقد نصبه ناس من العرب كثير. وهذا الحرف قد قرىء نصباً ورفعا ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. وأما قوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فهو يجوز فيه الرفع وهي اللغة الكثيرة غير ان الجماعة اجتمعوا على النصب، وربما اجتمعوا على الشيء كذلك مما يجوز والاصل غيره. لان قولك: "إنّا عَبدُ اللّهِ ضَرَبْناهُ". مثل قولك: "عبدُ اللّهِ ضَرَبْناهُ" لان معناهما في الابتداء سواء. قال الشاعر [من المتقارب وهو الشاهد الرابع والخمسون]: فأَمّا تَمِيمٌ تَميمُ بنُ مُرٍّ * فأَلْفاهُمُ القومُ رَوْبى نِياما وقال [من الطويل وهو الشاهد الخامس والخمسون]: إذا ابنُ أبي مُوسى بلالٌ بلغتِهِ * فقامَ بفأسٍ بينَ وَصْلَيكِ جازِرُ ويكون فيهما النصب. فمن نصب ﴿وأَما ثَمُودَ﴾ نصب على هذا. وأما قوله ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ وقوله ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا﴾ ثم قال ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ وقال ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ [1] عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ [2] خَلَقَ ٱلإِنسَانَ [3] عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ﴾ ثم قال ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ وقال ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾ فهذا انما ينصب وقد سقط الفعل على الاسم بعده لان الاسم الذي قبله قد عمل فيه فأضمرت فعلا فأعملته فيه حتى يكون العمل من وجه واحد. وكان ذلك أحسن قال [الشاعر]: [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون]. نغالي اللحمَ للأضيافِ نَيْئاً * ونُرْخِصُه إذا نَضِجَ القُدورَ يريد "نُغالي باللحم" فان قلت ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ﴾ ليس بنصب في اللفظ فهو في موضع نصب قد عمل فيه فعل كما قلت: "مررت بزيدٍ وعَمْراً ضربتُه، كأنك قلت: "مررت زيداً" وقد يقول هذا بعض الناس. قال الشاعر: [من المنسرح وهو الشاهد السابع والخمسون]: أَصبحتُ لا أَحْمِلُ السلاحَ ولا * آمِلْكُ رأسَ البعيِرِ إنْ نَفَرا والذيبَ أخشاهُ إنْ مَرَرْتُ بهِ * وَحدِي وأَخشى الرياحَ والمَطَرا وكلُّ هذا يجوز فيه الرفع على الابتداء والنصب أجود وأكثر. وأما قوله ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ فانما هو على قوله "يَغْشى طائفةً منكم وطائفةٌ في هذهِ الحال". [و] هذه واو ابتداء لا واو عطف، كما تقول: "ضربتُ عبْدَ اللّهِ وزيدٌ قائم". وقد قرئت نصبا لأنها مثل ما ذكرنا، وذلك لانه قد يسقط الفعل على شيء من سببها وقبلها منصوب بفعل فعطفتها عليه وأضمرت لها فعلها فنصبتها به. وما ذكرنا في هذا الباب من قوله ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [وقوله] ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ﴾ ليس في قوله ﴿فَٱقْطَعُوۤاْ﴾ و﴿فَٱجْلِدُواْ﴾ خبر مبتدأ لان خبر المبتدأ هكذا لا يكون بالفاء. [فـ] لو قلت "عبدُ اللّهِ فَيَنْطَلِقُ" لم يحسن. وانما الخبر هو المضمر الذي فسرت لك من قوله "ومما نقص عليكم" وهو مثل قوله: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون]: وقائلةٍ خولانُ فانكحْ فتاتَهُم * [وأكرومةُ الحَيَّيْنِ خلوٌ كَما هِيا] كأنه قال: "هؤلاءِ خَولانُ" كما تقول: "الهلالُ فانظرْ اليهِ" كأنك قلت: "هذا الهلالُ فانظُر إليه" فأضمر الاسم. فأما قوله ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ فقد يجوز ان يكون هذا خبر المبتدأ، لان "الذي" اذا كان صلته فعل جاز ان يكون خبره بالفاء نحو قول الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ ثم قال﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.