الباحث القرآني

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ
باب الواو. أما قوله ﴿وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ فلأنه حمل الكلام على "الصلاةِ". وهذا كلام منه ما يحمل على الاول ومنه ما يحمل على الاخر. وقال ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فهذا يجوز على الاول والآخر، وأقيس هذا اذا ما كان بالواو ان يحمل عليهما جميعاً. تقول: "زيد وعمرو ذاهبان". وليس هذا مثل "أو" لان "أو" انما يخبر فيه عن أحد الشيئين. وأنت في "أو" بالخيار ان شئت جعلت الكلام على الاول وان شئت على الآخر، وأن تحمله على الآخر أقيس لانك ان تجعل الخبر على الاسم الذي يليه [الخبر] فهو أمثل من أن تجاوزه الى اسم بعيد منه. قال ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾ فحمله على الاول، وقال في موضع آخر ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ وقال ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ فحمله على الآخر. قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الثامن والخمسون]: أمّا الوَسامَةُ أو حُسْنُ النِساءِ فَقَدْ * أُوتيتِ مِنْهُ لو انَّ العقلَ محتَنِكُ وقال ابنُ أحمر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والخمسون]: رماني بداءٍ كنتُ منهُ ووالدي * بريئاً ومن أَجْلِ الطَوِيِّ رماني وقال الآخر: [من المنسرح وهو الشاهد الستون]: نحنُ بِما عندَنا وأنتَ بما * عندَكَ راضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ وهذا مثل قول البرجمي: [من الطويل وهو الشاهد الحادي والستون]: مَنْ يكُ أمْسى بالمدينةِ دارُهُ * فإنّي وَقَيّاراً بِها لَغَرِيبُ وأما قوله ﴿بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ﴾ فانتصب ﴿ٱلْعِجْلَ﴾ لانه مفعول به، تقول: "عجبت من ضربِكَ زيداً". وقوله ﴿بَارِئِكُمْ﴾ مهموز لانه من "برأ اللّهُ الخلقَ" "يَبْرأُ" "بَرْءاً". وقد قرأ بعضهم هذه الهمزة بالتخفيف فجعلها بين الهمزة وبين الياء. وقد زعم قوم انها تجزم ولا أرى ذلك الا غلطا منهم، سمعوا التخفيف فظنوا انه مجزوم والتخفيف لا يفهم الا بمشافهة* ولا يعرف في الكتاب. ولا يجوز الاسكان، الا ان يكون اسكن وجعلها نحو "عَلْمَ" و"قَدْ ضُرْبَ" و"قَدْ سَمْعَ" ونحو ذلك. سمعت من العرب من يقول: ﴿جَآءَتْ رُسُلْنا﴾ جزم اللام وذلك لكثرة الحركة قال الشاعر: [من السريع وهو الشاهد الثاني والسبعون]: وأنتِ لو باكرتِ مَشْمولَةً * صهباءَ مثلَ الفَرَسِ الأشْقَرِ رُحْتِ وفي رجلَيكِ ما فيهما * وقد بَداهَنْكِ من المِئزِرِ وقال امرؤ القيس [من السريع وهو الشاهد الثالث والسبعون]: فاليومَ أشربْ غيرَ مُستحقبٍ * إِثماً من اللّهِ ولا واغِلِ وقال آخر: [من الرجز وهو الشاهد الرابع والسبعون]: * إنَّ بَنِي ثَمَرَةْ فُؤادي * وقال آخر: [من الرجز وهو الشاهد الخامس والسبعون]: يا عَلْقَمة يا عَلْقَمة يا علقمة * خيرَ تميمٍ كلِّها وأَكرمَهْ وقال: [من الرجز وهو الشاهد السادس والسبعون]: إذا اعوججْنَ صاحبْ قَوِّمِ * بالدَّوِّ أمثالَ السفينِ العُوَّمِ ويكون "رُسُلْنا" على الادغام، يدغم اللام في النون ويجعل فيها غنة. والاسكان في ﴿بارئْكُم﴾ على البدل لغة الذين قالوا: "أَخْطَيْت" وهذا لا يعرف.