الباحث القرآني

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
باب اسم الفاعل. قال ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ فأضاف قوله ﴿مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ ولم يقع الفعل. وانما يضاف اذا كان قد وقع الفعل تقول: "هم ضاربوا ابيك" اذا كانوا قد ضربوه. واذا كانوا في حال الضرب او لم يضربوا قلت: "هم ضاربون أخاك" الا ان العرب قد تستثقل النون فتحذفها في معنى اثباتها وهو نحو ﴿مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ مثل ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ ولم تذق بعد. وقد قال بعضهم: ﴿ذائقةٌ الموتَ﴾ على ما فسرت لك. وقال الله جل ثناؤه ﴿إِنَّا مُرْسِلُو ٱلنَّاقَةِ﴾ وهذا قبل الارسال ولكن حذفت النون استثقالا. وقال ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ فأثبت التنوين لانه كان في الحال. وقال ﴿إِنَّا كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾ على ذلك ايضاً. وزعموا ان هذا البيت ينشد هكذا: [من البسيط وهو الشاهد الثاني والستون]: هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجَتِنا‌ * او عبد ربٍّ أخا عمرو بنِ مِخْراقِ فأضاف ولم يقع الفعل ونصب الثاني على المعنى لان الاول فيه نية التنوين، كقول الله جل وعزّ ﴿وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾ ولو جررت "الشمس" و"القمر" و"عبد رب اخا عمرو" على ما جررت عليه الاول جاز وكان جيدا. وقال ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ﴾ فالنصب وجه الكلام لأنَّك لا تجرى الظاهر على المضمر، والكاف في موضع جرّ لذهاب النون. وذلك لان هذا اذا سقط على اسم مضمر ذهب منه التنوين والنون ان كان في الحال وان لم يفعل، تقول: "هو ضاربُك الساعةَ أو غداً" و"هم ضاربوك". واذا أدخلت الالف واللام قلت: "هو الضارب زيداً" ولا يكون ان تجرّ زيداً لأن التنوين كأنه باق في "الضارب" اذا كان فيه الالف واللام، لأن الالف واللام تعاقبان التنوين. وتقول: "هما الضاربانِ زيداً" و"هما الضاربا زيدٍ" لأن الألف واللام لا تعاقبان التنوين في الاثنين والجمع. فاذا أخرجت النون من الاثنين والجمع من اسماء الفاعلين أضفت وان كان فيه الالف واللام، لأن النون تعاقب الاضافة وطرح النون ها هنا كطرح النون في قولك: "هما ضاربا زيد" ولم يفعلا، لأن الأصل في قولك: "الضاربان" اثبات النون لأن معناه واعماله مثل معنى "الذي فعل" واعماله. قال الشاعر: "من المنسرح وهو الشاهد الثالث والستون]: الحافظو عورةِ العشيرِ لا * يأتيُهمُ من ورائِنا نطف وفي كتاب الله ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ﴾ وقد نصب بعضهم فقال ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاةَ﴾ و"الحافظو* عورةَ" استثقالاً للاضافة كما حذفت نون "اللَذينِ" و "الذينَ". قال الشاعر: [ من الكامل وهو الشاهد الرابع والستون]: أَبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَذا * قَتَلا المُلوكَ وَفَكَّكا الأغْلالا وقال: ﴿من الطويل وهو الشاهد الخامس والستون]: فإنّ الذي حانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهم * همُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالد فالقى النون. وزعموا أن عيسى بنَ عمر كان يجيز: [من المتقارب وهو الشاهد السادس والستون] فألفيتُهُ غيرَ مُستَعْتِبٍ * ولا ذاكِرَ اللّهَ الاّ قليلا كأنه انما طرح التنوين لغير معاقبة اضافة وهو قبيح الا في كل ما كان معناه "اللذين" و "الذين" فحينئذ يطرح منه ما طرح من ذلك. ولو جاز هذا البيت لقلت: "هم ضاربو زيدا" وهذا لا يحسن. وزعموا أن بعض العرب قال ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ﴾ وهو أبو السَمّال وكان فصيحا. وقد قرىء هذا الحرف ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمِ﴾ وهو في البيت أمثل لانه اسقط التنوين لاجتماع الساكنين. واذا ألحَقْتَ النونَ نصبت لان الاضافة قد ذهبت، قال ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ [و] وقال ﴿وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والستون] النازلونَ بكلِّ معتَرَكِ * والطيبونُ معاقدَ الأُزْرِ