الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ
باب اضافة الزمان الى الفعل. قال ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ فنون اليوم لانه جعل "فيه" مضمرا، وجعله من صفة اليوم كأنه قال "يوماً لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ فيه شيئاً". وانما جاز إضمار "فيه" كما جاز اضافته الى الفعل تقول: "هذا يومُ يفعل زيد". وليس من الاسماء شيء يضاف الى الفعل غير اسماء الزمان، وذلك جاز اضمار "فيه". وقال قوم: "إنَّما أضمر الهاء اراد "لا تَجْزِيهِ" وجعل هذه الهاء اسما لليوم مفعولا، كما تقول: "رأيتُ رجلاً يحبُّ زيدٌ" تريد: "يحبُّه زيد". وهو في الكلام يكون مضافا، تقول: "اذكر يومَ لا ينفعُكَ شيء" أي: "يومَ لا منفعة" وذلك أن اسماء الحين قد تضاف الى لفعل قال ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ أي "يومُ لا نطقَ"، وقد يجوز فيه "هذا يومُ لا ينطِقون" اذا أضمرت "فيهِ" وجعلته من صفة "يوم" لأنّ يوما نكرة وقد جعلت الفعل لشيء من سببه وقدمت الفعل. فالفعل يكون كله من صفة النكرة كأنك أجريته على اليوم صفة له اذا كان ساقطا على سببه، وقد قال بعضهم ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ وكذلك ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾ وكل ما أشبه هذا فهو مثله. ولا يضاف الى الفعل شيء الا الحين، الا انهم قد قالوا [من الوافر وهو الشاهد الثامن والستون]: بآيةِ تقدِمون الخيلَ زُورا * كأنَّ على سنابِكِها مُداما [وقالوا] [من الوافر وهو الشاهد التاسع والستون]: أَلا من مُبْلِغٌ عَنّي تَميماً * بآيةِ ما تُحِبّونَ الطَّعاما فأضاف "آية" الى الفعل. وقالوا: "إذهبْ بذي تَسْلَم" و"بذي تَسْلَمان" فقوله: "ذي" مضاف الى "تسلم" كأنه قال: "اذهبْ بِذِي سلامَتِكَ" وليس يضاف الى الفعل غير هذا. ولو قلت في الكلام: "واتقوا يومَ لا تَجزى نفسٌ فيهِ" فلم تنون اليوم جاز، كأنك أضفت وأنت لا تريد ان تجيء بـ"فيهِ" ثم بدالك بعد فجئت به، كما تقول: "اليومَ آتيكَ فيه" فنصبت "اليوم" لانك جئت بـ"فيه" بعد ما أوجبت النصب وقال قوم: "لا يجوز اضمار "فيه". الا ترى انك لا تقول: "هذا رجلٌ قصدتُ" وأنت تريد "إليه" ولا "رأيتُ رجلاً أرغَبُ" وأنت تريد "فيهِ" والفرقُ بينَهما أن اسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها، وان شئت حملتها* على المفعول في السَعَةَ كأنك قلت: "واتقوا يوما لا تجزيه نفسٌ" ثم القيت الهاء كما تقول: "رأيتُ رجلاً أُحِبُّ" وأنت تريد "أحبه". باب من التأنيث والتذكير. اما قوله ﴿تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ فهو مثل قولك: "لا تَجْزِي عنك شاة" و"يجزى عنك درهم" و "جَزى عنك درهمٌ" و"وجَزَتْ عنك شاةٌ". فهذه لغة أهل الحجاز لا يهمزون. وبنو تميم يقولون في هذا المعنى: "أَجْزَأَتْ عنهُ وتُجزِىءُ عنه شاة" وقوله "شيئا" كأنه قال: "لا تُجْزِىءُ الشاةُ مُجْزى ولا تُغْنِي غَناءٌ". وقوله ﴿عَن نَّفْسٍ﴾ يقول: "مِنْها" أي: لا تكون مكانها. وأما قوله ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ فانما ذكر الاسم المؤنث لان كل مؤنث فرقت بينه وبين فعله حسن أن تذكر فعله، إلاّ أَنَّ ذلك يقبح في الانس وما أشبههم مما يعقل. لأنَّ الذي يعقل أشد استحقاقا للفعل. وذلك ان هذا انما يؤنث ويذكر ليفصل بين معنيين. والموات كـ"الارض" و "الجدار" ليس بينهما معنى كنحو ما بين الرجل والمرأة. فكل ما لا يعقل يشبه بالموات، وما يعقل يشبه بالمرأة والرجل نحو قوله ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لما أطاعوا صاروا كمن يعقل، قال ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فذكر الفعل حين فرّق بينه وبين الاسم، وقال ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ وتقرأ ﴿تُؤْخَذُ﴾. وقد يقال أيضاً ذاك في الانس، زعموا أنهم يقولون "حَضَر القاضيَ امرأةٌ". فأما فعل الجميع فقد يذكّر ويؤنث لأن تأنيث الجميع ليس بتأنيث الفصل الا ترى أنك تؤنث جماعة المذكرّ فتقول: "هِيَ الرّجالُ" و"هِيَ القومُ"، وتسمي رجلا بـ"بعال" فتصرفه لان هذا تأنيثٌ مثلُ التذكير، وليس بفصل. ولو سميته بـ"عَناقِ" لم تصرفه، لان هذا تأنيث لا يكون للذكر، وهو فصل مابين المذكر والمؤنث تقول: "ذهب الرجل" و"ذهبت المرأة" فتفصل بينهما. وتقول: "ذهب النساء" و"ذهبت النساء" و"ذهب الرجال" و"ذهبت الرجال". وفي كتاب الله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ و ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السبعون]: فما تركتْ قومي لقومِكَ حَيَّةً * تَقَلَّبُ في بَحْرٍ ولا بَلَدٍ قَفْرِ وقال ﴿جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ﴾ [و] ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ﴾. [و] قال الشاعر اشد من ذا وقد أخر الفعل، قال: [من المتقارب وهو الشاهد الثاني والثلاثون]: فإمَّا تَرَيْ لِمَّتِى بُدِّلَّتْ * فإنَّ الحوادِثَ أَوْداى بها اراد "أودتْ بها" مثل فعل المرأة الواحدة يجوز ان يذكر [فـ] ذكر هذا. وهذا التذكير في الموات اقبح وهو في الانس أحسن، وذلك ان كل جماعة من غير الانس فهي مؤنثة تقول: "هي الحمير" ولا تقول "هم". الا انهم قد قالوا: "أولئك الحمير"، وذلك أن "أولئك" قد تكون للمؤنث والمذكر تقول: "رأيت اولئك النساء". قال الشاعر:[من الكامل وهو الشاهد الحادي والسبعون]: ذُمّى المنازِلُ بعدَ منزِلةِ اللِّوى * والعيشَ بعدَ أولئكِ الأيَّامِ