الباحث القرآني

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
قوله ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ اي: "قولوا": "لتكن منك حِطَّة لذُنُوبِنا" كما تقول للرجل: "سَمْعُكَ إلَيَّ". كأنهم قيل لهم: "قُولُوا: "يا رب لتَكُن مِنْكَ حِطَّة لِذُنوبِنا". وقد قرئت نصبا على انه بدل من اللفظ بالفعل. وكلُ ما كان بدلا من اللفظ بالفعل فهو نصب بذلك الفعل، كأنه قال: "أحْطُطْ عَنَّا حِطَّةً" فصارت بدلا من "حُطَّ" وهو شبيه بقولهم: "سَمْعٌ وطاعةٌ"، فمنهم من يقول: "سَمْعاً وطاعةَ" اذا جعله بدل: "أَسْمَعُ سمعا وأَطيعُ طاعَةً". واذا رفع فكأنه قال: أمْرِي سَمْعٌ وطاعَةٌ". قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والسبعون]: اناخوا بأَيدي عُصْبَةٍ وسُيوفُهم * على أُمَّهاتِ الهامِ ضَرْباً شَآمِيا وقال الآخَر: [من الوافر وهو الشاهد التاسع والسبعون]: تَرَكْنا الخيلَ وَهْيَ عليهِ نَوْحاً * مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونا وقال بعضهم: "وَهْيَ عَلَيْهِ نَوْحٌ" جعلها في التشبيه هي النوح لكثرة ما كان ذلك منها كما تقول: "إنَّما أنتَ شَرٌّ" و"إنَّما هُوَ حِمارٌ" في الشبه، او تجعل الرفع كأنه قال: "وهْيَ عَلَيْهِ صاحِبَةُ نَوْحٍ"، فألقى الصاحبة وأقام النوح مُقامَها. ومثل ذلك قول الخنساء. [من البسيط وهو الشاهد الثمانون]: تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتَّى إذا ذَكَرَتْ * فَإنَّما هِيَ إقْبالٌ وإدْبارُ ومثله ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ كأنهم قالوا: "مَوعَظتُنا إِياهُمْ مَعْذِرَةٌ" وقد نصب على: "نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً" وقال ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ على قوله ﴿إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ جعل الطاعة مبتدأ فقال ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ خير من هذا، او جعل الطاعة مبتدأ فقال "طاعةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوف خيرٌ من هذا". وزَعم يونس انه قيل لهم "قُولوا حِطَةٌ" أي: تكلموا بهذا الكلام. كأنه فُرِضَ عليهم أَنْ يقولوا هذه الكلمة مرفوعة.