الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ
باب زيادة "مِنُ". أما قوله ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا﴾ فدخلت فيه (مِنْ) كنحو ما تقول في الكلام: "أهلْ البَصْرة يأكلون من البُرِّ والشَعير" وتقول: "ذهبتُ فَأصَبْتُ من الطَّعام" تريد "شَيْئا" ولم تذكر الشيء. وكذلك ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ﴾ شيئا، ولم يذكر الشيء وان شئت جعلته على قولك: "ما رأيت مِنْ أَحَدٍ" تريد: "ما رأيتُ أحَداً" و"هلْ جاءك مِنْ رَجْلٍ" تريد هل جاءك رَجُلٌ. فان قلت: "انما يكون هذا في النفي والاستفهام" فقد جاء في غير ذلك، قال ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فهذا ليس باستفهام ولا نفي. وتقول: "زيدْ مِنْ أَفْضَلِها" تريد: هو أفضلها، وتقول العرب: "قد كانَ مِنْ حَدِيثٍ فَخَلِّ عَنّي حتّى أذهب" يريدون: قَدْ كانَ حَديثٌ. ونظيره قولهم: "هَلْ لَكَ في كذا وكَذا" ولا يقولون: "حاجَةُ، و: لا عَلَيْكَ" يريدون: لا بَأَسَ عَلَيْكَ*. وأما قوله ﴿ٱهْبِطُواْ مِصْراً﴾ وقال ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ فزعم بعض الناس انه يعني فيهما جميعا "مِصْر" بعينها، ولكن ما كان من اسم مؤنث على هذا النحو "هِنْد" و"جُمْل" فمن العرب من يصرفه ومنهم من لا يصرفه. وقال بعضهم: "أما التي في "يوسف" فيعني بها "مِصْرَ" بعينها، والتي في "البقرة" يعني بها مِصْراً من الأمصار. وأما قوله ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ يقول: "رَجَعُوا بِهِ" اي صار عليهم، وتقول "باء بِذَنْبِهِ يَبُوءُ بَوْءاً". وقال ﴿إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ مثله. باب من تفسير الهمز. أما قوله ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ [و] ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ﴾ كل ذلك جماعة العرب تقوله. ومنهم من يقول ﴿النُّبَاءَ﴾ أولئك الذين يهمزون "النَبِىء" فيجعلونه مثل "عَريف" و"عُرَفاء". والذين لم يهمزوه جعلوه مثل بنات الياء فصار مثل "وَصِيّ" و"أَوْصِياء" ويقولون ايضاً: "هُمْ وَصِيُّونَ". وذلك ان العرب تحوّل الشيء من الهمزة حتى يصير كبنات الياء، يجتمعون على ترك همزة نحو "المِنْسأَةِ" ولا يكاد أحد يهمزها الا في القرآن فان اكثرهم قرأها بالهمز وبها نقرأ، وهي من "نَسَأْتُ". وجاء ما كان من "رَأَيْتُ" على"يَفْعَلُ" أو"تَفْعَلُ" أو"نَفْعَلُ" أو"أَفْعَلُ" غير مهموز، وذلك ان الحرف الذي كان قبل الهمزة ساكن، فحذفت الهمزة وحرك الحرف الذي قبلها بحركتها كما تقول: "مَنَ ابوك". قال ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ وقال ﴿لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ﴾ وقال ﴿إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ وقال ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. واما قوله ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ و﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ﴾ وما كان من "أَرَأَيْتَ" في هذا المعنى ففيه لغتان، منهم من يهمز ومنهم من يقول "أَريْتَ". وانما يفعل هذا في "أَرَأَيْتَ" هذه التي وضعت للاستفهام لكثرتها. فأما "أَرأَيْتَ زَيْداً" اذا أردت "أَبْصَرْتَ زَيَداً" فلا يتكلم بها إلاّ مهموزة أو مخففة. ولا يكاد يقال "أَرَيْتَ" لأَنَّ تلك كثرت في الكلام فحذفت كما حذفت في "[أَمَانَّه] ظريف" يريدون: "أَما إِنَّه ظَريفٌ" [ف] يحذفون ويقولون أيضاً "لَهِنَّكَ لَظَريفٌ" يريدون: " [لـ] إنَّكَ لَظَريفٌ". ولكن الهمزة حذفت كما حذفوا في قولهم: [من البسيط وهو الشاهد الحادي والثمانون]: لاهِ ابنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ * عَنّي وَلا أَنَتَ دَيّاني فَتَخْزُوني وقال الشاعر "من الكامل وهو الشاهد الثاني والثمانون]: أَرأيْتَ إنْ أَهْلَكْتُ مالِيَ كُلَّهُ * وَتَرَكْتُ مَا لَكَ فيمَ أَنْتَ تَلُومُ [فَهَمَز] وقال الآخر: [من المتقارب وهو الشاهد الثالث والثمانون]: ارَيْتَ امْرَءاً كنتُ لَمْ أَبْلُهُ * أَتَانِيْ وَقالَ اتَّخِذْنِي خَلِيلا فلم يهمز. وقال [من الكامل وهو الشاهد الرابع والثمانون]: يا خاتمَ النُّبَاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ * بِالحَقِّ كُلُّ هُدَى السَّبيلِ هُداكا واما قوله ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ [فـ] جعله اسما هنا كالعصيان يريد: بعصيانهم، فجعل "ما" و"عَصَوْا" اسما.