الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
باب من الاستثناء. ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ منصوبة لانه مستثنى ليس من أول الكلام، وهذا الذي يجيء في معنى "لكن" خارجا من أول الكلام انما يريد "لكنْ أمانيَّ" و"لكِنَّهُم يَتَمَنَّونَ". وانما فسرناه بـ"لكن" لنبين خروجه من الاول. الا ترى أنك اذا ذكرت "لكن" وجدت الكلام منقطعاً من أوله، ومثل ذلك في القرآن كثير [منه قوله عز وجل] ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ وقال ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ وقال ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يقول: "فَهَلاّ كانَ منهُمْ مَنْ يَنْهى" ثم قال: "ولكنْ قَليلاً مِنْهُمْ مَنْ يَنْهى" ثم قال "ولكنْ* قَليلٌ مِنْهُمْ قَدْ نَهَوْا" فلما جاء مستثنى خارجاً من الاول انتصب. ومثله ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ يقول "فُهَلاّ" كانت ثم قال: "ولكنّ* قومَ يونسَ" فـ"إلا" تجيء في معنى "لكنّ"*. واذا عرفت انها في معنى "لكنّ" فينبغي أن تعرف خروجها من أوله. وقد يكون ﴿إِلاَّ قَوْمُ يُونُسَ﴾ رفعا، تجعل "إلاّ" وما بعده في موضع صفة بمنزلة "غير" كأنه قال: "فهلا كانَتْ قريةٌ آمنتْ غيرُ قريةِ قومِ يونس" ومثلها ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فقوله ﴿إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ صفة [و] لولا ذلك لانتصب لأنه مستثنى مقدم يجوز القاؤه من الكلام. وكل مستثنى مقدم يجوز القاؤه من الكلام نصب، وهذا قد يجوز القاؤه [فـ] لو قلت "لو كانَ فِيهِما آلِهَةٌ لَفَسدَتا" جاز، فقد يجوز فيه النصب ويكون مثل قوله "ما مَرَّ بي أحَدٌ إلاَّ زيداً مثلُكَ". قال الشاعر فيما هو صفة: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والتسعون]: أُنِيخَتْ فألقتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ * قَليلٌ بها الأَصْواتُ إلاَّ بُغامُها وقال: [من الوافر وهو الشاهد الخامس والستعون]: وَكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أَخُوه * لَعَمْرُ إِبيكَ إلا الفَرْقَدانِ ومثل المنصوب الذي في معنى "لكنْ" قول الله عز وجل ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ﴾ ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ وهو في الشعر كثير وفي الكلام. قال الفرزدق: [من الطويل وهو الشاهد السادس والتسعون]: وما سَجَنُوني غيرَ أَني ابْنُ غالِبِ * وأَني من الأَثرَينَ غَيْرَ الزَعانِفِ يقول: "ولكنَّني"، وهو مثل قولهم: "ما فيها أحدٌ إلا حماراً" لما كان ليس من أول الكلام جعل على معنى "لكنَّ" ومثله: [من الخفيف وهو الشاهد السابع والتسعون]: ليسَ بَيْنِي وبينَ قيسٍ عِتابَ * غيرَ طَعْنِ الكُلا وَضَرْبِ الرِقابِ وقوله: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والتسعون]: حَلَفْتُ يميناً غَير ذِي مَثْنَوِيَّةٍ * وَلا عِلْمَ إلاَّ حُسْنَ ظَنٍّ بِغَايِبِ وبصاحب. باب الجمع. وأمّا تَثْقِيلُ ﴿ٱلأَمَانِيُّ﴾ فلأن واحدها "أُمْنِيَّة" مُثْقَّل. وكلُّ ما كان واحده مثقلا مثل: "بُخْتِيَّة" و"بَخاتِيّ" فهو مُثَقَّل. وقد قرأ بعضهم ﴿إلاّ أَمانِي﴾ فخفف وذلك جائز لان الجمع على غير واحده وينقص منه ويزاد فيه. فأما "الأَثافِي" فكُلُّهُم يخفّفها وواحدها "أُثِفيَّة" مثقّلة وانما خففوها لانهم يستعملونها في الكلام والشعر كثيرا، وتثقيلها في القياس جائز. ومثل تخفيف "الأمانِي" قولهم: "مِفْتاح" و"مَفاتِح" وفي "مِعْطاء" "مَعاطٍ" قال الأخفش: "قد سمعت بلعنبر تقول: "صحارِيَ" و"مَعاطِيّ" فتثقل. وقوله ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ اي: فَماَّ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ".