الباحث القرآني

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
ثم قال ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ فجعل اللفظ واحدا، ثم قال ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ فجعل اللفظ. جميعا، وذلك ان ﴿مَنْ﴾ اللفظ بها لفظ واحد، ويكون جميعا في المعنى، ويكون اثنين. فان لفظت بفعله على معناه فهو صحيح. وان جعلت فعله على لفظه واحدا فهو صحيح [و] مما جاء من ذلك قوله ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فقال ﴿يَقْنُتْ﴾ فجعله على اللفظ، لان اللفظ في ﴿مَن﴾ مذكر وجعل ﴿تَعْمَلْ﴾ و ﴿نُؤْتِهَآ﴾ على المعنى. وقد قال بعضهم ﴿ويَعْمَلْ﴾ فجعله على اللفظ لان لفظ ﴿مَنْ﴾ مذكر. وقد قال بعضهم ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ﴾ فجعله على المعنى لانه يعني امرأة. وهي حجة على من قال: "لا يكون اللفظ في مَن على المعنى الا ان تكون ﴿مَنْ﴾ في معنى ﴿الذي﴾، فاما [في] المجازاة والاستفهام فلا يكون اللفظ في ﴿مَنْ﴾ على المعنى. وقولهم* هذا خطأ لان هذا الموضع الذي فيه ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ﴾ مجازاة. وقد قالت العرب "ما جاءَتْ حاجَتُكَ" فأَنَّثُوا "جاءتْ" لانها لـ"ما"، وانما انثوا لان معنى "ما" هو الحاجة. وقد قالت العرب او بعضُهُم "من كانت أمّكَ" فنصب وقال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد التاسع عشر]: تَعَشّ فإِنْ عاهدَتنِي لا تخونُني * نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصطَحِبانِ ويروى ﴿تَعالَ فإن﴾. وقد جعل ﴿مَنْ﴾ بمنزلة رجل. قال الشاعر [من الرمل وهو الشاهد العشرون]: رُبَّ مَنْ انضجتُ غيظاً صَدْرَهُ * قد تَمَنَّى لِيَ شَرّاً لم يُطَعْ فلولا انها نكرة بمنزلة "رجل" لم تقع عليها "ربّ". وكذلك (ما) نكرة الا انها بمنزلة "شيء". ويقال: ان قوله: ﴿هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ على هذا. جعل (ما) بمنزلة "شيء" ولم يجعلها بمنزلة "الذي" فقال: "ذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتيد". وقال الشاعر [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والعشرون]: رُبَّ ما تَكْرَهُ النفوسُ من الأمْرِ * له فَرْجَةٌ كَحَل العِقالِ فلولا انها نكرة بمنزلة "مَنْ" لم تقع عليها "رُبَّ". وقد يكون ﴿هذا مالَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ على وجه آخر، أخبر عنهما خبرا واحدا كما تقول: "هذا أحمرُ أخضرُ". وذلك ان قوما من العرب يقولون: "هذا عبدُ اللَّهِ مقبلٌ". وفي قراءة ابن مسعود ﴿وهذا بَعلي شَيْخٌ﴾ كأنه أخبر عنهما خبرا واحدا او يكون كأنه رفعه على التفسير كأنه اذا قال ﴿هذا ما لَدَيَّ﴾، قيل: "ما هو"؟ أو علم انه يراد ذلك منه فقال ﴿عَتِيد﴾ اي ما عندي عتيد. وكذلك ﴿وهذا بَعْلِي شيخٌ﴾*. وقال الراجز [وهو الشاهد الثاني والعشرون]: مَنْ يَكُ ذابَتٍّ فهذا بَتّى * مُقَيِّظٌ مُصَيِّف مُشَتِّى وقال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ فـ"ما" ها هنا اسم ليست له صلة لانك ان جعلت ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ صلة لـ(ما) صار كقولك: "إنّ اللهَ نِعْمَ الشيء" أو "نعم شيئا" فهذا ليس بكلام. ولكن تجعل (ما) اسما وحدها كما تقول: "غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمّا" تريد به: "نِعْمَ غَسْلاً". فان قيلَ: "كيفَ تكونُ (ما) اسما وحدها وهي لا يتكلم بها وحدها" قلتُ: "هي بمنزلة "يا أيُّها الرجل" لان "ايا" ها هنا اسم ولا يتكلم به وحده حتى يوصف فصار (ما) مثل الموصوف ها هنا. لانك اذا قلت "غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمّا" فانما تريد المبالغة والجودة، فاسنغني بهذا حتى تكلم به وحده. ومثل "ما أَحْسَنَ زيدا" (ما) ها هنا وحدها اسم وقوله "اني مما ان اصنع كذا وكذا" (ما) ها هنا وحدها اسم كأنه قال: "إنّي مِن الأمر" أو "منْ أَمْري صنيعي كذا وكذا" ومما جاء على المعنى قوله "كَمَثلِ الذي استوقدَ ناراً أَضاءَتْ ما حولَهُ ذهبَ الله بنورِهِم} لان "الذي" يكون للجميع، كما قال ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾.