الباحث القرآني

وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
قال ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ﴾ ان شئت أدغمت التاء الأولى في الآخرة، فان قيل كيف يجوز ادغامها، وأنت اذا أدغمتها سكنت وقبلها الألف الساكنة التي في "لا" فتجمع ما بين ساكنين؟ قلت: "ان هذه الألف حرف لين". وقد يدغم بعد مثلها في الاتصال وفي غيره نحو "يضربانّي" [و] ﴿فَلاَ تّنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ﴾ وتدغم ايضاً ومثله ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونّا فِي اللَّهِ﴾ أدغمت وقبلها واو ساكنة. وان شئت لم تدغم هذا كله. وقد قرأ بعض القراء ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ أراد ﴿تُبَشِّرُونَنِي﴾ فاذهب احد النونين استثقالا لاجتماعهما، كما قال: "ما أَحسَسْتُ مِنْهُمْ أَحدا" فأَلقوا إحدى السينين استثقالا. فهذا أجدر أَنْ يستثقل لأنَّهُما جميعا متحركان. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثاني والسبعون بعد المئة]: تَراهُ كالثُّغَامِ يُعَلُّ مِسْكاً * يَسُوءُ الفالِياتِ إِذَا فَلَيْنِي فحذف النون الآخرة لأنها النون التي تزاد ليترك ما قبلها على حاله وليست باسم. فاما الأولى فلا يجوز طرحها فانها الاسم المضمر وقال ابو حية النميري: [من الوافر وهو الشاهد الثالث والسبعون بعد المئة]: أبِالموتِ الذي لا بُدَّ أَنِّي * مُلاقٍ - لا أَبَاكِ - تُخَوِّفِيني فحذف النون. ولو قرئت ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونِّ﴾ بتثقيل النون كان جيدا ولم اسمعه، كأن النون أدغمت وحذفت الياء كما تحذف من رؤوس الاي نحو ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ يريد "عذابي". وأما قوله ﴿فَظِلتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ فانها انما كسر أولها لأنه يقول: "ظَلِلْتُ" فلما ذهب أحد الحرفين استثقالا حولت حركته على الظاء. قال أوس بن مغراء: [من البسيط وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المئة]: مِسْنَا السَّماءَ فَنِلْناها وَطَالَهُمُ * حَتَّى رَأَوْا أُحُداً يَهْوِي وَثَهْلانا لأنها من "مَسَسْتُ" وقال بعضهم ﴿ فَظَلْتُم﴾ ترك الظاء على فتحتها وحذف احد اللامين، ومن قال هذا قال "مَسْنا السماءَ". وهذا الحذف* ليس بمطرد، وإنما حذف من هذه الحروف التي ذكرت لك خاصة ولا يحذف الا في موضع لا تحرك فيه لام الفعل، فاما الموضع الذي تحرك فيه لام الفعل فلا حذف فيه.