الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون [[في (أ): (فسسلون).]] يوم القيامة عن شكرها، وما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعم؛ فذلك قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يوم القيامة [["تفسير مقاتل" 249 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 521.]]. وقال الكلبي: الكفار مسؤولون [[في (أ): (يسلون).]] عن كل نعمة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. قال [[أي الكلبي.]]: وقال أبو بكر رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التَّيَّهان [[أبو الهيثم مالك بن التيهان، واسمه مالك بن عتيك بن عمرو الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا، واحد نقباء بيعة العقبة، شهد المشاهد كلها، مات سنة 20 هـ. انظر: "الاستيعاب" 4/ 1773، ت: 3213، و"أسد الغابة" 6/ 323: ت: 6324، و"الإصابة" 7/ 209: ت: 1188.]] من خبز شعير، ولحم، وبسر [[البسر: هو التمر قبل أن يرطب لفضاضته، واحدته: بسرة. "لسان العرب" 4/ 58 (بسر).]] قد ذنب [[ذنب: التذنوب: البُسر الذي قد بدأ فيه الأرطاب من قبل ذنبه، وذنب البُسرة وغيرها من التمر مُؤَخَّرُها، وذنبت البسرة فهي مذنبة، وكنت من قبل ذنبها، وقال الأصمعي: إذا بدت نُكت من الأرطاب في البسر من قبل ذنبها قيل: قد ذنبت. "لسان العرب" 1/ 390 (ذنب).]]، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله -ﷺ-: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [[بياض في (ع).]]﴾ [[وردت الرواية بمعناها عن الكلبي في "الدر المنثور" 8/ 618 وعزاه إلى ابن مرويه، كما وردت من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في "بحر العلوم" 3/ 507، ووردت من غير ذكر الطريق في "التفسير الكبير" 32/ 81، ولأبي بكر رواية خلاف رواية الكلبي من طريق أبي هريرة، ذكرها الطبري في "جامع البيان" 30/ 287 وهي في "صحيح مسلم" 3/ 1609: ح: 140: كتاب الأشربة: باب 20، والشاهد منها: عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله -ﷺ- ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا الجوع يا رسول الله، قال: وأنا .. لأخرجني الذي أخرجكما .. إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله -ﷺ-فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه .. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورروا قال رسول الله -ﷺ-لأبي بكر وعمر "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة". كما أخرجها البيهقي في "شعب الإيمان" 4/ 144: ح: 4602 - 4605، 4606 من طريق أبي هريرة وطرق أخرى.]] [سبأ: 17]. والظاهر يشهد لهذا القول وهو: أن الكفار لم [[في (أ): (لو).]] يؤدوا حق النعمة حيث أشركوا به وعبدوا غيره، واستحقوا أن يسألوا عما أنعم عليهم توبيخًا لهم؛ هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكل بتوحيد المنعم [[قال القاضي عياض: المراد: السؤال عن القيام بحق شكره، والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم، وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها؛ == لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة. والله أعلم. "شرح صحيح مسلم" 13/ 227 - 228.]]. وهذا معنى ما ذكره مقاتل، وهو قول الحسن. وقال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار [[ورد معنى قوله في "زاد المسير" 8/ 302، وقد وضحه ابن الجوزي فقال: إنه أراد بذلك أنه خاص بالكفار. وانظر أيضًا قوله في "التفسير الكبير" 32/ 80، و"فتح القدير" 5/ 489، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 437.]]. واختلفوا في معنى هذا النعيم. قال ابن مسعود -رضي الله عنه- الأمن، والصحة [[جامع البيان" 30/ 285، و"بحر العلوم" 3/ 507، و"النكت والعيون" 6/ 332، و"معالم التنزيل" 4/ 521، و"زاد المسير" 8/ 302، و"البحر المحيط" 8/ 508، و"الدر المنثور" 8/ 612: وعزاه إلى هناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان. وورد عنه مرفوعًا في "الكشف والبيان" 13/ 144 أ، و"زاد المسير" 8/ 302، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 584.]] وهو قول الشعبي [["زاد المسير" 30/ 302، و"البحر المحيط" 8/ 508 كما وردت من طريق الشعبي عن ابن مسعود في "جامع البيان" 30/ 285.]]، وقتادة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وسعيد بن جبير [["جامع البيان" 30/ 285، و"معالم التنزيل" 4/ 522 بمعناه، و"تفسير سعيد بن جبير" 380.]]. وقال مجاهد: كل لذة من لذات الدنيا [["جامع البيان" 30/ 285، و"الكشف والبيان" 13/ 145 ب، و"زاد المسير" 8/ 302، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 584 قال ابن كثير وهذا أشمل هذه الأقوال، و"الدر المنثور" 8/ 612 وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]. وروى (معمر) [[ساقط من (أ).]] عن قتادة قال: إن الله تعالى سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه [["جامع البيان" 30/ 289، و"زاد المسير" 8/ 302 بمعناه، و"الدر المنثور" 8/ 612 وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده عنده- وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. وعلى هذا ورد أكثر الأخبار. قال محمود بن لبيد [[محمود بن لبيد بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، ولد على عهد النبي -ﷺ-، وحدث عنه أحاديث، وكان أحد العلماء، وروى عن ابن عباس، ومات سنة 96 هـ. انظر: "الاستيعاب" 3/ 1378 ت: 2347، و"أسد الغابة" 5/ 117 ت: 4773.]]: لمّا نزلت هذه السورة علي رسول الله -ﷺ- قالوا: يا رسول الله، أي: نعيم نسأل؟ إنما هو الماء، والتمر، وسيوفنا علي عواتقنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل!، قال: "إن ذلك سيكون" [[أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 5/ 429، وقال الهيثمي 7/ 142: رواه أحمد وفيه محمد بن عمر بن علقمة، وحديثه حسن، وفيه ضعف لسوء حفظه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه "الترمذي" 5/ 448: ح: 3356 - 3357 من طريقين: الأول: إلى الزبير ابن العوام عن أبيه، وحسن هذا الطريق. والثاني: إلى أبي هريرة، وقال: وحديث ابن عيينة عن محمد بن عمرو عندي أصح من هذا، سفيان بن عيينة أحفظ، وأصح حديثًا من أبي بكر بن عياش. كما ورد في "جامع البيان" 30/ 288، و"الكشف والبيان" 13/ 144 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 81، و"الدر المنثور" 8/ 613 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وهناد، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان" 4/ 142: ح 4598، و"فتح القدير" 5/ 490.]]. وروى (عطاء) [[ساقط من (أ).]] عن ابن عباس أن عمر -رضي الله عنه- قال: "وأي نعيم نسأل عنه يا رسول الله، وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا! فقال رسول الله -ﷺ- [[ساقط من (أ).]]: "ظلال المساكن، وظلال الشجر، والأخبية [[الأخبية: الخباء من الأبنية واحد الأخبية، وهو ما كان من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. "لسان العرب" 14/ 222 (خبأ)]] [[غير واضحة في (ع).]] التي تقيكم من الحر، والماء البارد في اليوم الحار والصحة" [["التفسير الكبير" 32/ 81.]]. وروى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "أول ما يسأل الله العبد يوم القيامة أن يقول له: ألم أصح جسمك، وأروك من الماء البارد؟ " [[أخرجه الترمذي في "السنن" 5/ 448: ح: 3358 كتاب التفسير القرآن: باب 89 بنحوه، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، قال شعيب الأرناؤوط في "تخريج جامع الأصول" 2/ 435 وإسناده قوي، وصححه ابن حبان كما في "موارد الظمآن" 640: ح: 2585 كتاب البعث: باب 10، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 613 - 614 وزاد نسبته لأحمد في "زوائد الزهد"، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان" 4/ 147 ح: 4607. كما ورد في "معالم التنزيل" 4/ 521، و"التفسير الكبير" 32/ 81، و"لباب التأويل" 4/ 404، و"الدر المنثور" 8/ 613 - 614 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن مردويه، و"فتح القدير" 5/ 490.]]. وروى ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: "ما فوق الإزار، وجلف [[الجلف: الخبز اليابس الغليظ بلا أُدم ولا لبن كالخشب، ويروى بفتح اللام، جمع جِلْفة، وهي الكسرة من الخبز. "لسان العرب" 9/ 31 (جلف).]] الخبز، وظل الحائط، وجرة الماء، فضل يحاسب به، ويسأل عنه العبد يوم القيامة" [[ورد في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 585 من طريق يزيد بن الأصم عن ابن عباس، وفيه جر الماء بدلًا من جرة الماء، و"الدر المنثور" 8/ 619 وعزاه إلى البزار.]]. وروى أبو قلابة: أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: "ناس من أمتي يعقدون السمن، والعسل بالنقي فيأكلونه" [[الكشف والبيان" 13/ 145 أمن طريق يوسف ابن أخت ابن سيرين عن أبي قلابة مرفوعًا، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 584 موقوفًا، ورواية الموقوف وضحت المراد بالنفي، قال أبو قلابة: من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي. والنقي المراد به النظيف من الشيء. انظر: "لسان العرب" 15/ 338: (نقا).، و"فتح القدير" 5/ 490 وقال: هذا مرسل، وعزاه إلى أحمد في الزهد، وابن مردويه.]]. ومن قال بهذا القول، وهو أن كل أحد يسأل عز النعيم، كان المعنى عنده: أن الكافر يسأل توبيخًا ثم يعذب لتركه الشكر -كما ذكرنا-، والمؤمن يسأل عن ذلك إظهارًا للمنة عليه، وإذا كان قد قام بشكره فلا عتب عليه [[قال الزمخشري: فإن قلت: ما النعيم الذي يُسأل عنه الإنسان، ويعاتب عليه، فما من أحد إلا وله نعيم؟ قلت: هو نعيم عن عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقه، فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوى لها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر، فهو من ذاك بمعزل. "الكشاف" 4/ 231.]]، فقد روي أن النبي -ﷺ- أكل هو ونفر من أصحابه تمرًا، وشربوا عليه الماء، وقالوا: يا رسول الله ما شكر هذا النعيم؟ قال: "تقولوا الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" [[أخرجه مسلم في "صحيحه" 4/ 2085: ح: 64: كتاب الذكر والدعاء: باب 17، و"أبي داوود في سننه" 2/ 359: كتاب الأطعمة: باب ما يقول الرجل إذا طعم، والرواية عنده من طريق أبي سعيد الخدري ومن غير ذكر القصة. ومالك في "الموطأ" 2/ 712: ح 34: كتاب صفة النبي -ﷺ-: باب ما جاء في الطعام والشراب. والإمام أحمد في "المسند" 1/ 153، ج 5/ 32، 98، 153، 167، 253، وابن ماجه في "سننه" 23702: ح: 3326 كتاب الأطعمة: باب 16 والترمذي في "سننه" 5/ 470: ح: 3396: كتاب الدعوات: باب 16.]]. والنعيم نقيض البؤس. تمت.