الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني فيما بعد اليوم. ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فيما بعد [[في (أ): (بعد).]] اليوم. قالوا: فلما قرأ رسول الله -ﷺ- هذه السورة عليهم علموا [[في (أ): (علم).]] أنه قد تبرأ منهم فيأسوا منه، وشتموه، وآذوه. وقال [[في (ع): (قال).]] ابن عباس: وهذه السورة براءة من الشرك [[ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" 6/ 358، و"زاد المسير" 8/ 322 - "حاشية الأزهرية".]]. وروي أن رسول الله -ﷺ- قال لرجل: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك" [[الحديث أخرجه الدارمي في: "سننه" 2/ 915: ح:3302: كتاب "فضائل القرآن" باب 23 من حديث زهير عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه، والإمام أحمد في "المسند" 5/ 456 من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق. وأبو داود في "سننه" 2/ 661: كتاب الآداب: باب ما يقول عند النوم من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن رجل. والترمذي في "سننه" 5/ 474 ح 3403: كتاب الدعوات: باب 22: قال أبو عيسى: وروى زهير هذا الحديث عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه عن النبي -ﷺ- نحوه وهذا أشبه وأصح من حديث شعبة، وقد اضطرب أصحاب أبي إسحاق في هذا الحديث. كما ورد في "الدر المنثور"8/ 657 وزاد في عزوه إلى ابن أبي شيبة، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعبه عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه: 3/ 498 ح 2520. كما ورد بمعناه في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 599 وعزاه إلى أحمد، والطبراني في الأوسط عن الحارث بن جبلة.]]. قال أبو إسحاق: نفى رسول الله -ﷺ-بهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال، وفيما يستقبل، (ونفى عنهم عبادة الله في الحال وفيما يستقبل) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، قال: وهذا في قوم أعلمه الله أنهم لا يؤمنون، كقوله في قصة نوح ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 371.]] ونحو هذا قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 314.]]، والأخفش [[ورد قوله في: "النكت والعيون" 6/ 358، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 228، و"فتح القدير" 5/ 506.]]: في وجه تكرار الكلام في هذه السورة. وشرحه ابن الأنباري فقال حاكيًا عن أحمد بن يحيى، معنى التكرار فيه: أنه أراد (لا أعبد ما تعبدون) الساعة، وفي هذا الوقت، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في هذا الوقت أيضًا (ولا أنا عابد ما عبدتم) فيما أْستقبل، (ولا أنتم عابدون ما أعبد) فيما تستقبلون [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد علق الشوكاني حول ما ذكره أبو عبيدة، والأخفش، وابن الأنباري قال: وكل هذا فيه من التكلف والتعسف ما لا يخفى على منصف، فإن جعل قوله: "ولا أعبد ما تعبدون" للاستقبال، وإن كان صحيحًا على مقتضى اللغة العربية، ولكنه لا يتم جعل قوله: "ولا أنتم عابدون ما أعبد" للاستقبال، لأن الجملة الاسمية تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات، فدخول المني عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام والثبات في كل الأوقات، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحًا للزم مثله في قوله: "ولا أنا عابد ما عبدتم" وفي قوله: "ولا أنتم عابدون ما أعبد" فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الأخريتين على الحال، وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس، لأن الجملة الثانية والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المبتدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيما بعده؛ منفية كلها بحرف واحد، وهو لفظ "لا" في كل واحد منها، فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة. "فتح القدير" 5/ 507.]]. فحسن التكرير لاختلاف المعاني. وقال صاحب النظم: إنما كرر، لأنه جوزي به الكلام الذي كان هذا جوابه؛ لأنهم قالوا للنبي -ﷺ-: تعبد آلهتنا لمدة ذكروها، ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا مدة، ونعبد إلهك، فأجيبوا برد ذلك ودفعه على المثال الذي تكلموا به [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال ابن قتيبة: إن من مذاهب العرب التكرار: إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز، ولا موضع أولى بالتكرار للتوكيد من الذي نزلت فيه: (قل يا أيها الكافرون)، لأنهم أرادوه على أن يعبد ما يعبدون، ليعبدوا ما يعبد أبدؤوا في ذلك وأعادوا، فأراد الله حسم أطماعهم -قال- وفيه وجه آخر: وهو أن القرآن كان ينزل شيئًا بعد شيء، وآية بعد آية، جوابًا لهم يسألون، وردًا عن النبي -ﷺ- فكأن المشركين قالوا (له) [[ساقط من (أ).]]: [أسلم] [[في (أ)، (ع): (استلم)، والمثبت من مصدر القول.]] ببعض آلهتنا حتى نؤمن بإلهك، فأنزل الله: (لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد) لأني لا أفعل ما قلتم. ثم غبروا [[غير الشيء غبورًا: مكث وذهب. "لسان العرب" 3/ 5 (غير).]] مدة فقالوا: تعبد آلهتنا يومًا، أو شهرًا، أو حولاً، ونعبد إلهك يومًا، أو شهرًا، أو حولاً، فأنزل: (ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد) أي على شريطة أن تؤمنوا به [في] [[ساقطة من النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول لاستقامة الكلام به وانتظامه.]] وقت، وتشركوا به في وقت [["تأويل مشكل القرآن" 237 - 238 بيسير من التصرف.]]. أي لا أعبد آلهتكم على ما تشارطون، ولا أنتم أيضًا عابدون إلا هي [[في (ع): (الهي).]] على هذه الشريطة، لأني لا أفعل ما تشترطون؛ قال [[أي ابن قتية.]]: (وهذا تمثيل أردت أن أريك به موضع الإمكان) [[ما بين القوسين قول ابن قتيبة. انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 239.]]. قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ قال (ابن عباس [["التفسير الكبير" 32/ 147.]]، و) المفسرون [[حكاه عن المفسرين ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 531، وابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 323، وقال به أيضًا السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 521، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 170 ب.]]: "لكم" كفركم بالله، "ولي" التوحيد والإخلاص له، قالوا: وهذا قبل أن يؤمر بالحرب، ثم نسخ هذا التسليم بآية القتال [[وممن قال أيضًا بأنها منسوخة بآية السيف: هبة الله في: "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ" ص 206، والبارزي في: "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" ص 58، وابن طاهر البغدادي في: "الناسخ والمنسوخ" ص 161. وقد رد ابن الجوزي دعوى النسخ فيها قال: قال الأكثرون نسخت بآية السيف، ثم قال: وإنما يصح هذا لو كان المعنى: قد أقررتكم على دينكم، وإذا كان لم يكن المفهوم هذا بعد النسخ راجع: "المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ" ص 59، وله أيضًا: "نواسخ القرآن" ص 253. كما رده أيضًا د. حلمي كامل؛ محقق كتاب البغدادي "ناسخ القرآن العزيز" ص 161 - 165 فقد بين أنه لا تعارض بين الآية وبين آية السيف، الأمر الذي لا يدعو إلى القول بالنسخ، ثم قال: والقول بالنسخ متعارض من كل وجه لا يمكن معه الجمع بين الآيتين، لا مسوغ له، ولا يصار إليه.]]. وقال أهل المعاني: معنى الآية: لكم جزاؤكم على عبادة الوثن، ولي جزائي على عبادة ربي، وعلى هذا يكون الدين بمعنى: الجزاء، ويجوز أن يكون على تقدير: المضاف لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني [[لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد ورد بمعناه من غير عزو في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 229.]]. وحسبك بجزاء دينهم وبالًا وعقابًا، كما حسبك بجزاء دينه إمتاعًا وثوابًا.