الباحث القرآني

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ قال الكلبي [["معالم التنزيل" 4/ 546، و"لباب النقول": ص 238 - 239 من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 257 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]]: إن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي -ﷺ- في إحدى عشر عقدة في وتر، ودسه في بئر يقال لها ذَرْوَان [[بياض في (ع).]]، فمرض رسول الله -ﷺ-، (واشتد) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] عليه [[في (أ): (على).]] ذلك ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان لذلك، وأخبره جبريل بمكان السحر، فأرسل إليها عليًّا رضي الله عنه فجابها، فقال جبريل للنبي -ﷺ- حل عقدة واقرأ آية، ففعل، وجعل كلما يقرأ آية انحلت عقدة، وذهب عنه ما كان يجده. وهذه القصة صحيحة [[وردت في: "صحيح البخاري" من طريق هشام عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- قال: كان رسول الله -ﷺ- سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا. فقال: يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيه فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبَّه؟ قال لبيد بن أعصم رجل من بني زُريق حليف ليهود كان منافقًا. قال: وفيم؟. قال في مشط ومشاطة. قال: وأين؟ قال في جُف طلعةٍ ذكر تحت رعوفة في بئر ذَرْوان. قالت: فأتى النبي -ﷺ- البئر حتى استخرجه. فقال هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكان نخلها رؤوس الشياطين. قال: فاستخرج. قالت: فقلت أفلا -أي تنشرت- فقال: أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا. "صحيح البخاري" 4/ 48 - 49: ح 5763. 5765: باب 47، 49، 50، ج 2/ 437: ح 3268: كتاب بدء الخلق: باب 11. ومسلم في "صحيحه": 4/ 1719: ح 43، 44 مختصرًا: كتاب السلام: باب 17 ومن خلال ما ورد في الصحيحين يتبين أنه ليس فيه ما يدل على نزول المعوذتين على الرسول -ﷺ- عندما سحر. قال ابن حجر: وقد وقع في حديث ابن عباس فيما أخرجه البيهقي في: الدلائل: بسند ضعيف في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي -ﷺ- أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق، والناس وجعل كلما قرأ آية انحلت عقده. وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس: أن عليا وعمارًا لما بعثهما النبي -ﷺ- لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه. فتح البارى: 10/ 225. وقد وردت قصة سحر النبي -ﷺ-، وأن ذلك كان سببًا في نزول المعوذتين في "أسباب النزول": تح: ايمن ص 410، و"لبات النقول": 238 - 239، و"الكشف والبيان" == 13/ 192/ 1، و"معالم التنزيل" 4/ 546، و"زاد المسير" 8/ 332، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 301 قال ابن كثير تعليقًا على رواية الثعلبي: هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 615 "الدر المنثور" 8/ 687 وعزاه إلى ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة وابن عباس.]]، ....... والمعتزلة تنكرها [[قال المازني: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها -ثم قال- وهذا كله مردود. "فتح الباري" 10/ 226 وقال ابن القيم: وهذا الحديث -يعني الذي في الصحيح- ثابت عند أهل العلم بالحديث يتلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب. "تفسير المعوذتين" تحقيق مصطفى العدوي 57 - 58 وقد أنكره أيضًا الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 49.]]، ويقولون: لا يجوز أن يكون النبي -ﷺ- مسحورًا، لأن الكفار كانوا يعيرونه بذلك، فلو قلنا: إنه سحر، وجوزنا ذلك كنا قد جاوزنا ما عير به. والجواب: أن هذه القصة قد ثبتت (قصتها) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، وصحتها عند المفسرين، وأهل النقل، والعلم بالرواية، ودلت هذه السورة على ذلك، وهو قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ يعني اللاتي ينفثن بالرقي والعزائم، فلولا أن لشرهن تأثيرًا وإلا لم يؤمر بالاستعاذة من شرهن. ولا يجوز أن يكون النبي -ﷺ-مسحورًا على الوجه الذي عيره به الكفار [[نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [سورة الفرقان: 8]، وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: 153: 185].]]، فإنهم كانوا يريدون أنه مخدوع مجنون سحر بتخيل عقله، فلذلك خالفهم في الدعاء إلى توحيد الله، فأما أن يكون مسحورًا بوصف يجده في بدنه، فذلك ما لا ينكره أحد، ولم يكن الله ليسلط عليه شيطانًا أو جنيًّا أو انسيًّا فيما يؤدي إلى الضرورة في الدين، والنبوة، ولا الرسالة، وبيان الدعوة، فأما على الإضرار ببدنه فقد صح أن وجهه شج [[شج: أي حصل جرح في رأسه الشريف، والجراحة إذا كانت في الوجه أو الرأس تسمى شجة. "حاشية صحيح مسلم" 3/ 1417.]]، وأن رباعيته [[الرباعية: هي السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات. "شرح صحيح مسلم" 12/ 390.]] كسرت يوم أحد [[أخرج مسلم في "صحيحه" 3/ 1417: ح 104: كتاب الجهاد والسير: باب 37 عن أنس أن الرسول -ﷺ- كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله فأنول الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾]]، ولم يقدح ذلك في نبوته كذلك السحر، والخيلة، والتوصل بالرقي الإضرار ببدنه لا ينكر [[قال القاضي عياض عن بعض المحققين: وهذه الطوارئ والتغييرات المذكورة، إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعاناة بني آدم لمشاكله الجنس وأما بواطنهم فمنزهة غالبًا من ذلك معصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذهم عنهم وتلقيها الوحي. "الشفاء" 2/ 863.]]. واختلفوا في معنى "الفلق" فالأكثرون على أنه الصبح، وهو قول جابر [["جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"النكت والعيون" 6/ 374، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]، وسعيد بن جبير [[المراجع السابقة عدا "النكت"، وانظر أيضًا: "المحرر الوجيز" 5/ 538، و"تفسير سعيد بن جبير" ص 383.]]، (والحسن [["الكشف والبيان" 13/ 192/ 2، و"معالم التنزيل" 4/ 247، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 445.]]، وعكرمة [["المحرر الوجيز" 5/ 538.]]، ومجاهد [["جامع البيان" 30/ 350، و"تفسير الإمام مجاهد" 761، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]، وقتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 408، و"جامع البيان" 30/ 350، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333.]]، وابن عباس، وفي رواية عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله من طريق عطاء.]]، وعطية [["جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547، وذكرت رواية ابن عباس من غير بيان طريقها في: "البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"الدر المنثور" 8/ 688 وهذا القول رجحه الطبري، وابن كثير، والبخاري في "صحيحه"، وعزاه الفخر إلى أكثر المفسرين 32/ 190.]]) [[ما بين القوسين ذكر بدلاً من ذكرهم عبارة (وجماعة) وذلك في (أ).]]. (وقال في رواية الوالبي يعني الخلق [["جامع البيان" 30/ 351، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547 حاشية، و"لباب التأويل" 4/ 429، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"الدرالمنثور" 8/ 689 وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، "صحيفة علي بن أبي طلحة": ص 544.]]. وهو قول الضحاك [["الكشف والبيان" 13/ 192 ب، وانظر إضافة: "النكت والعيون" 6/ 374، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 257 ب.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وروى (مهاجر الشامي [[مُهاجر الشامي: هو مهاجر بن أبي مسلم، واسمه دينار الشامي الأنصاري. روى عن تُبيع الحميري بن امراة كعب الأحبار، وعنه ابناه محمد، وعمرو مقبول من الثالثة. كتاب الثقات: 5/ 427، و"تهذيب الكمال" 28/ 582: ت 6217، و"تقريب التهذيب" 2/ 278، ت: 1411.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] عن رجل (من) [[ساقط من (أ).]] أصحاب النبي -ﷺ- قال: الفلق بيت في النار إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره [[وردت الرواية عن كعب الأحبار في: "بحر العلوم" 3/ 526، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613 وورد في: "الكشف والبيان" 13/ 192 ب من طريق هشيم بن العوام عن عبد الجبار الحولاني عن رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وفي "الجامع لأحكام القرآن" عن أبي بن كعب: 20/ 254، وفي "البحر المحيط" 8/ 530 وعزاه إلى أحد الصحابة، وقد أورد ابن كثير الرواية وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأسندها أيضًا إلى عمر بن عنبسة وابن عباس والسدي وزيد بن علي عن آبائه -ثم قال- وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر إسناده غريب ولا يصح رفعه. وقال ابن تيمية: وأما من قال إنه واد في جهنم أو شجرة في جهنم أو إنه اسم من أسماء جهنم، فهذا أمر لا تعرف صحته لا بدلالة الاسم عليه، ولا بنقل عن النبي -ﷺ- ولا في تخصيص ربوبيته بذلك حكمه بخلاف ما إذا قال: رب الخلق أو رب كل ما انفلق أو رب النور الذي يظهر على العباد بالنهار، فإن تخصيص هذا بالذكر ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به. "مجموع الفتاوى" 17/ 505.]]، وهو قول السدي قال: جب في جهنم [["الكشف والبيان" 13/ 193 أ، و"زاد المسير" 8/ 333، و"البحر المحيط" 8/ 350 وعزاه إلى أحد التابعين، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]. وقال (أبو عبد الرحمن) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] الحُبُلي [[أبو عبد الرحمن الحبلي: هو عبد الله بن يزيد المعافري أبو عبد الرحمن الحُبُلي المصري -وعن ابن سعد الجبلي بالجيم- روى عن عبد الله بن عمر ثقة من الثالثة، مات سنة 100 بإفريقية "الطبقات الكبرى" 7/ 511، و"تهذيب الكمال" 16: 316/ ت 3663، "تقريب بالتهذيب" 1/ 462: ت 749.]]: الفلق: اسم من أسماء جهنم [[وقد ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"النكت والعيون" 6/ 374، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]. (هذا قول المفسرين) [[ساقط من (أ).]]. وقال أبو إسحاق: الفلق الصبح وبيانه، يقال: هو أبين من فلق الصبح [[هذا من أمثلة العرب راجع في ذلك: "جمهرة الأمثال" 1/ 205 رقم 348، و"مجمع الأمثال"1/ 208: رقم 597.]]. -قال- وقيل الفلق: الخَلْق قال الله تعالى: ﴿فَالِقُ (الْإِصْبَاح) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]﴾ [الأنعام: 95]، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 96] وكذلك فلق الأرض بالنبات، والسحاب بالقطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن [[في (أ): (على).]] الانفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 379.]]. وروى عمرو عن أبيه: الفلق جهنم، والفلق بيان الصبح [["تهذيب اللغة" 9/ 157 برواية ثعلب عن عمرو عن أبيه.]].