الباحث القرآني

وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِی ٱلۡعُقَدِ
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ يعني السحرة، والسواحر. ومعنى النفث: النفخ، وكانت العرب ترقي به إذا رقت، وأنشد (أبو عبيدة) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] لعنترة [[في (ع): (قول عنترة)، بدلاً من: (لعنترة).]]: فإن يَبْرَأ فلم أَنْفِث عَلَيْهِ ... وإنْ يَفْقَدْ فَحَقَّ له الفُقُودُ [[وورد قوله في: "ديوانه" ص 283، تح: محمد مولوي، و"الكشف والبيان"، 13/ 193 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 257. ومعنى قوله: فإن يبرا: يريد جريه، يقول: إن يفق من تلك الطعنة فيتأخر أجله، فإني ما رقيته، ولا نفثت عليه، وإن يفقد أي يمت فحق له ذلك، فقد مات من هو خير منه ويحتمل أنه يريد فحق له الموت من شدة الطعنة، وأن مثلها لا يبرأ منها. "ديوانه" 283.]] [["مجاز القرآن" 2/ 317.]] وقال (أبو عبيد) [[أبو عبيدة: في كلا النسختين، والصواب ما أثبته لنقل الإمام الواحدي قول أبي عبيدة عن "تهذيب اللغة".]]: النفث بالفم شبيه بالنفخ [["تهذيب اللغة" 15/ 103 (نفث)، وانظر: "لسان العرب" 2/ 195 (نفث).]]. وقال أبو إسحاق: تنفث، وتتفل بلا ريق كأنه نفخ كما يفعل كل من يرقى [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 379 بنصه.]]. والعقد: الأخذ [[يراد بالأُخْذة: الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل خرزه يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها. قال ابن حجر في "فتح الباري" 10/ 233، وانظر: "القاموس المحيط" 1/ 350 (أخذ).]]. جمع عقود من عقد يعقد. قال مقاتل: يعني السحرة، والأُخذة ينفثن في العقد والأُخذ [["تفسير مقاتل" 257 ب.]]. وقال (عطاء عن) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ابن عباس: يريد السحرة الذين عقدوا السحر للنبي -ﷺ- [["الوسيط" 4/ 574.]]، وإنما أتى على لفظ جمع الإناث لتأنيث الجماعات نحو ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾، ﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ [[سورة الصافات: والآيات كاملة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [1 - 3].]]، ومثل ذلك كثير في التنزيل ومعناه الجماعات. وقال صاحب النظم: إنما أنث [[إنما أنت: غير مقروء في (ع).]] النفاثات من بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي -ﷺ- [[هكذا وردت عبارة صاحب النظم في النسختين. ولم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه في: "زاد المسير" 8/ 334 معزوًا إلى المفسرين: وهذا القول: إن النفاثات من بنات لبيد ليس بسديد، لأن الذي سحر النبي -ﷺ- هو لبيد بن عاصم، وليس بناته كما جاء ذلك في الصحيح. والجواب المحقق: أن النفاثات هنا: من الأرواح، والأنفس النفاثات لا النساء النفاثات، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم. قاله ابن القيم. "تفسير المعوذتين" تح مصطفى العدوي: 53 - 54. وأما ابن تيمية فقال: وخص من السحر النفاثات في العقد، وهن النساء، والحاسد الرجال في العادة، ويكون من الرجال ومن النساء والشر الذي يكون من الأنفس الخبيثة من الرجال والنساء هو شر منفصل عن الإنسان ليس هو في قلبه كالوسواس الخناس. "مجموع الفتاوى" 17/ 507.]].